نتائج وتداعيات النهج الأمريكي في الشرق الأوسط

تعكس مراجعات جديدة لكتابين حول تاريخ السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، إلى جانب وثيقة استراتيجية الأمن القومي لترامب، تحولاً عميقاً في النهج الأميركي، إذ يتقاطع إرث الإخفاقات الطويل مع صعود رؤية براغماتية تقوم على الربح والصفقات بدلاً من قيم الديمقراطية والتحالفات التقليدية.

نتائج وتداعيات النهج الأمريكي في الشرق الأوسط
السبت 6 كانون الأول, 2025   11:05
مركز الأخبار

تناولت الصحف العالمية الصادرة اليوم، التحول الجذري الذي يطرأ على السياسة الأميركية.

إرث الفشل في السياسة الأميركية بالشرق الأوسط وتحوّل نهج ترامب

تناولت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، في مراجعة لكتابين جديدين، تاريخ الإخفاقات المتكررة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن واشنطن، على مدى عقود، فشلت في تحقيق الاستقرار أو دعم الديمقراطية، بينما توسعت الحروب وترسخت الأنظمة الاستبدادية وتزايد نفوذ خصوم الولايات المتحدة.

ويبرز الأكاديمي مارك لينش في كتابه "الشرق الأوسط الأميركي" أن مؤسسات السياسة الأميركية أنتجت نهجاً ثابتاً يقوم على دعم الأنظمة غير الديمقراطية، والاعتماد المستمر على القوة العسكرية، والتغاضي عن الانتهاكات، خاصة منذ حرب الخليج عام 1991. وينتقد بشدة قرارات الإدارات المتعاقبة وصولاً إلى إدارة جو بايدن.

أما المؤرخ دانييل زغبي، فيعود بجذور المشكلة، في كتابه "ركل عش الدبابير"، إلى حقبة ترومان واعترافه بإسرائيل دون إقامة دولة فلسطينية موازية، ويرى أن الولايات المتحدة غالباً ما تفاقم الأزمات حين تحاول حلها. ويستثني زغبي الرئيس جيرالد فورد باعتباره الوحيد الذي مارس ضغطاً حقيقياً على إسرائيل في السبعينيات.

ورغم القيمة التحليلية للكتابين، ترى الصحيفة أن كليهما لا يلتفت بما يكفي إلى التغيير الجذري الذي تمثله مرحلة حكم ترامب الثانية. فنهج ترامب، كما تشير الصحيفة، لم يعد يستند إلى "قيم مشتركة" أو تحالفات طويلة الأمد، بل إلى براغماتية صِرفة تعامل العلاقات الدولية كصفقات الربح والخسارة. وتستشهد الصحيفة بضغط ترامب على إسرائيل في ملف غزة، وإجبار نتنياهو على الاعتذار لقطر، وإعلانه معارضة ضم الضفة الغربية.

وتحذّر الصحيفة من أن هذا التحوّل قد يضع إسرائيل في موقف غير مسبوق، فللمرة الأولى، قد تعامَل كأي دولة أخرى إذا لم تقدم مكاسب واضحة لواشنطن، في ظل تراجع الدعم الشعبي الأميركي لها، خصوصاً بين الشباب والمحافظين الجدد.

إستراتيجية الأمن القومي لترامب تركز على الربح بدل نشر الديمقراطية

أصدر البيت الأبيض وثيقة استراتيجية الأمن القومي الجديدة التي تكشف تحولاً لافتاً في توجهات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ تضع الربح والمصالح الاقتصادية في مقدمة الأولويات بدلاً من نهج الدفاع عن الديمقراطية الذي تبنّته الإدارات الأميركية السابقة.

ووفق ما نقلته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، فإن الوثيقة تركز على تعزيز التجارة، وتشديد سياسات الهجرة، وتبني مقاربة أكثر براغماتية تجاه الأنظمة السلطوية.

وتشير الوثيقة إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تقدم نفسها كقوة عالمية تسعى لنشر الديمقراطية، بل كدولة تعلي من شأن العلاقات التجارية المربحة وتتجنب الانخراط في محاولات "تغيير الأنظمة".

وتبرز أهمية تايوان في سياق سلاسل التوريد العالمية، خصوصاً في مجال أشباه الموصلات وممرات الشحن، فيما تدعو دول أميركا اللاتينية إلى منح عقود حكومية مباشرة للشركات الأميركية دون مناقصات.

وفي الشرق الأوسط، تصف الاستراتيجية المنطقة بأنها "مصدر ووجهة للاستثمار"، وتستبعد ممارسة ضغوط سياسية على دول الخليج بشأن أنظمتها، ما يعكس، بحسب الصحيفة، رؤية أكثر اقتصادية وأقل أيديولوجية.

كما تتراجع الوثيقة عن اعتبار الديمقراطية قيمة أساسية يجب الدفاع عنها حتى مع حلفاء تقليديين مثل إسرائيل وتايوان، فيما توجه انتقادات حادة للقادة الأوروبيين، متهمة سياساتهم تجاه الهجرة بالتسبب في "طمس حضاري"، مع التشجيع على دعم القوى المعارضة للحكومات الأوروبية الحالية.

وفيما يتعلق بأميركا اللاتينية، تعيد الوثيقة إحياء مبدأ مونرو عبر الدعوة إلى تعزيز السيطرة الأميركية على نصف الكرة الغربي والسعي لعقود اقتصادية واسعة هناك.

أما في ملفي روسيا والصين، فتقدم موسكو ليس كعدو مباشر، بل كطرف يجب التوصل معه إلى "وقف سريع للقتال في أوكرانيا" واستعادة الاستقرار الاستراتيجي، بينما توصف الصين كمنافس اقتصادي ينبغي الحفاظ معه على علاقة "متبادلة المنفعة"، مع التأكيد على تجنّب حرب حول تايوان لما قد يلحقه ذلك من أضرار اقتصادية بالولايات المتحدة.

وتنقل نيويورك تايمز آراء متباينة حول الوثيقة، فبينما يرى منتقدون أنها تمثل تخلياً عن "القيادة الأميركية القائمة على القيم"، يعدّ آخرون أنها تقدم رؤية "واقعية" تصحح مسار انخراط أميركي مفرط في العالم منذ نهاية الحرب الباردة.

(م ش)