ستّ سنوات من البحث عن قطرة حياة

منذ خروج محطة علوك عن الخدمة عام 2019، تعيش مدينة الحسكة وريفها واحدة من أكثر أزمات المياه قسوة في سوريا. هذه الأزمةٌ التي تسببت بها تركيا، حوّلت حياة أكثر من مليون ونصف المليون إنسان إلى رحلة يومية في البحث عن مياه للشرب والاستخدام، بين صهاريج خاصة باهظة الثمن وآبار سطحية ملوّثة، ومشاريع لم تكتمل، لتظل الحسكة رهينة الجغرافيا والسياسة والعطش.

ستّ سنوات من البحث عن قطرة حياة
ستّ سنوات من البحث عن قطرة حياة
ستّ سنوات من البحث عن قطرة حياة
ستّ سنوات من البحث عن قطرة حياة
ستّ سنوات من البحث عن قطرة حياة
ستّ سنوات من البحث عن قطرة حياة
ستّ سنوات من البحث عن قطرة حياة
ستّ سنوات من البحث عن قطرة حياة
ستّ سنوات من البحث عن قطرة حياة
السبت 8 تشرين الثاني, 2025   06:00
الحسكة
هنار إبراهيم

تُعد مدينة الحسكة من بين المدن الكبرى في شمال وشرق سوريا، ويعيش في المدينة وريفها نحو مليون ونصف المليون نسمة. 

وكانت المدينة منذ نشأتها مطلع القرن العشرين، تعتمد على مياه نهري الخابور وجقجق كمصدر رئيس للمياه، حيث يلتقي النهران معاً في مدينة الحسكة ومن هناك يتابعان الجريان ليصبا في نهر الفرات.

ومع تزايد عدد السكان وانخفاض الوارد المائي في نهري الخابور وجقجق على مر السنوات، زادت حاجة المدينة للمياه، حيث تمتاز مياه المدينة بأنها إما مالحة أو مرة غير قابلة للشرب، ولذلك بدأ العمل على إنشاء محطة علوك في ريف سري كانيه.

احتلال علوك… نقطة البداية ومصدر المعاناة

أُنشئت محطة علوك لتجميع وضخّ المياه عام 2010، استجابةً لأزمة نقص مياه الشرب في مدينة الحسكة وريفها. حيث تمّ حفر نحو 30 بئراً ارتوازياً قرب قرية علوك شرقي على بُعد 10 كلم شرق مدينة سري كانيه، بطاقة ضخّ تصل إلى نحو 175 ألف متر مكعب يومياً من المياه الصالحة للشرب. وتضم المحطة خزّاناً بسعة 25 ألف متر مكعب و12 مضخة رئيسة، تضخّ المياه عبر شبكة نقل تمتدّ 67 كم، وصولاً إلى محطة الحمّة في ريف الحسكة الغربي، ومنها إلى مختلف التجمعات السكانية.

وتُعدّ محطة علوك، المصدر الوحيد للمياه لنحو مليون ونصف المليون نسمة يعيشون في الحسكة وريفها، فضلاً عن اعتماد مخيمات الهول والعريشة/السد وواشو كاني عليها في تأمين مياه الشرب لعشرات آلاف المهجرين قسراً والنازحين السوريين واللاجئين العراقيين.

وبدأت معاناة أهالي مدينة الحسكة وريفها مع المياه، منذ اليوم الأول لهجمات الاحتلال التركي على مدينة سري كانيه في 9 تشرين الأول عام 2019، عندما تم قصف محطة علوك كما أصابت قذائف خطوط الكهرباء المغذية لها، ما أدى إلى توقف ضخّ مياه الشرب إلى مدينة الحسكة وأريافها بشكل كامل. وهو ما أكدّته لجنة التحقيق الدولية في تقريرها المنشور نهاية شهر كانون الثاني/يناير 2020، مضيفة أنّ عمالاً حاولوا إجراء إصلاحات، إلاّ أنّهم تعرّضوا للخطف على يد مرتزقة أحرار الشرقية التابعين للاحتلال التركي.

وبعد احتلال مدينة سري كانيه في الشهر ذاته، واصلت دولة الاحتلال التركي قطع المياه عن الحسكة وريفها، وصولاً إلى صيف عام 2023 عندما تم قطع المياه نهائياً عن المدينة بعد أن جرى قطع المياه خلال الفترة التي سبقتها لـ 33 مرة. ومنذ ذلك اليوم يعيش أهالي مدينة الحسكة وريفها أزمة مياه خانقة.

ورغم النداءات المتكررة، بما في ذلك بيان اليونيسف بتاريخ 16 تموز 2021، الذي دعا إلى تحييد المحطة ووقف "الاضطرابات المستمرة" في عملها، إلا أن دولة الاحتلال التركي استخدمت مياه المحطة كسلاح حرب ضد الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا.

حياة في مواجهة العطش

وعلى مدى ست سنوات، اضطر سكان الحسكة وريفها إلى شراء مياه الصهاريج بأسعار وصلت إلى سبعة آلاف ليرة سوريّة للبرميل الواحد (35 ألف ليرة لخزان المياه سعة 5 براميل)، في وقت تعاني فيه البلاد تضخماً خانقاً وانهياراً اقتصادياً واسعاً.

وكأحد أساليب مواجهة العطش، لجأت بعض العائلات إلى حفر آبار سطحية رغم علمها بأن مياهها غير صالحة للشرب لملوحتها، فيما تولّت النساء غالباً مهمة نقل المياه إلى المنازل وسط ظروف شاقّة.

نتيجة لذلك، سجّلت المدينة ارتفاعاً ملحوظاً في الأمراض الجلدية والمعوية وحالات التسمّم بين الأطفال على وجه الخصوص بسبب استخدام مياه ملوّثة.

محاولات إنقاذ الحسكة… مشاريع كبرى توقفت عند منتصف الطريق

مشروع الخابور... نهر جف قبل أن يروي

لمواجهة أزمة المياه هذه، أطلقت الإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا، مشروع الخابور مطلع عام 2020. وحينها وصف المشروع بالمستدام، بتكلفة بلغت 3 مليارات و134 مليون ليرة سورية، وكان الهدف من المشروع جر مياه نهر الخابور إلى سد الحسكة الشرقي ليكون بديلاً عن محطة علوك المحتلة.

واعتمد المشروع على جر المياه من النهر والاستفادة من الفيضانات الشتوية عبر مضخات وقنوات جر، إلا أن موجات الجفاف التي ضربت المنطقة نتيجة شح الأمطار وقيام دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها بحفر مئات الآبار السطحية في سري كانيه وبناء نحو 29 سداً صغيراً أمام مجرى الخابور ضمن المناطق المحتلة في ريف سري كانيه، أدى إلى انقطاع شبه كامل لمياه النهر وبالتالي توقف المشروع بشكل كامل.

مشروع الحمة... آبار إسعافية جفت سريعاً

بعد توقف مشروع الخابور، أطلقت الإدارة الذاتية في ذات العام، مشروع الحمة شمال غرب الحسكة، حيث استهدف المشروع حفر 50 بئراً لتأمين نحو نصف حاجة المدينة من مياه الشرب، حيث تقدّر الحاجة الدنيا للمدينة يومياً من المياه بـ 48 ألف متر مكعب، بينما تصل الحاجة القياسية إلى 150 ألف متر مكعب يومياً.

وكان من المقرر أن تؤمن هذه الآبار مياه الشرب لبعض الأحياء في المدينة كل عشرة أيام بحسب تصاريح اللجنة المسؤولة آنذاك لوكالتنا.

ولكن بسبب انتشار جائحة كورونا حينها وتوقف حركة المعابر، تأخر تنفيذ المشروع، كما أن قلة الأمطار والجفاف الذي ضرب المنطقة أدى إلى جفاف الآبار وتوقف المشروع.

مشروع الفرات.. أمل لم يكتمل

وفي عام 2021، أطلقت الإدارة الذاتية مشروعاً جديداً يقوم على استجرار مياه نهر الفرات من ريف دير الزور إلى الحسكة، وبتكلفة وصلت إلى مليون ونصف المليون دولار أمريكي.

وكان من المقرر أن يغطي المشروع ما بين 15 إلى 20 % من حاجة المدينة عبر سلسلة من محطات الضخ، تمتد من مدينة الصور في دير الزور مروراً بالعلوة والشدادي، بحسب التقارير التي أعدتها وكالتنا أثناء إطلاق المشروع.

ولكن هذا المشروع أيضاً واجه مشكلات فنية وبيئية كبيرة إلى جانب أعمال تخريب متعمدة طالت الخطوط الناقلة بين الصور وجنوب الحسكة ما حال دون تشغيلها كما كان مخططاً، ومع مواصلة دولة الاحتلال التركي قطع مياه نهر الفرات، تلاشى الأمل رغم إيصال المياه إلى المدينة عدة مرات ولكن الكميات لم تكن كافية للضخ.

مشروع عامودا

بعد تعثر المشاريع الثلاثة السابقة أطلقت الإدارة الذاتية مشروعاً جديداً لجر المياه من ريف عامودا إلى الحسكة بتكلفة بلغت 40 مليون دولار أمريكي، استهدف المشروع حفر 20 بئراً في قرية سنجق سعدون جنوب عامودا، وضخ المياه من هناك إلى مدينة الحسكة عبر شبكة جديدة كان من المقرر إنشاؤها لإيصال المياه مرة واحدة أسبوعياً إلى مدينة الحسكة.

ورغم إنجاز نحو 35% من أعمال، إلا أن الجفاف وانخفاض مستوى المياه الجوفية، أدى إلى توقف المشروع.

وقال الإداري في الإدارة العامة للمياه في الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، عبد الرحمن محمد، لوكالتنا "إن مشروع جر المياه من مدينة عامودا إلى الحسكة توقف"، دون ذكر أسباب هذا التوقف".

مدينة عطشى تنتظر العدالة المائية

ستّ سنوات وما تزال مدينة الحسكة وريفها تعاني نقصاً حاداً في المياه في ظل غياب بديل فعّال لمحطة علوك، واستمرار دولة الاحتلال التركي بقطع مياه المحطة والذي يحول دون تأمين حق أساسي من حقوق الإنسان: الماء.

ستّ سنوات مرّت، والمشهد ذاته يتكرّر: أطفال يجرّون عبوات المياه، نساء تنتظر الصهاريج تحت الشمس…

(ح)

ANHA