مسار العزلة التي لم تنتهِ.. عزلة بحجم ربع قرن

على مدى ما يقارب ربع قرن، منعت السلطات التركية وبشكل ممنهج لقاء القائد عبد الله أوجلان مع محاميه وذويه إلا بعض اللقاءات المحدودة، ولم تكتفِ بذلك، بل طبقت بحقه سياسة عزلة صارمة ومستمرة، تُخالف المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وتكشف تناقضاً صارخاً بين ما تنص عليه الاتفاقيات الدولية، وما يجري تنفيذه فعلياً في إمرالي.

مسار العزلة التي لم تنتهِ.. عزلة بحجم ربع قرن
الأربعاء 1 تشرين الأول, 2025   02:30
الحسكة
بوطان حسين

منذ اختطاف القائد عبد الله أوجلان من العاصمة الكينية نيروبي في 15 شباط/فبراير 1999 ونقله إلى جزيرة إمرالي، فرضت السلطات التركية عليه نظام عزلة مطلق، يتجاوز في قسوته كل المعايير القانونية والإنسانية. 

وفي هذا التقرير سنسعى إلى تسليط الضوء على انتهاكات السلطات التركية المستمرة للقوانين الدولية ذات الصلة بحقوق المعتقلين السياسيين، ونركز بشكل خاص على الحق في لقاء المحامي وذوي المعتقل، بوصفه أحد الحقوق الجوهرية لأي معتقل، ولا سيما في حالات الاعتقال السياسي.

نظام العزلة في إمرالي

جزيرة إمرالي، المعروفة عبر التاريخ كسجن شديد العزلة، صُمم فيها نظام اعتقال استثنائي خصيصاً للقائد عبد الله أوجلان. السلطات التركية وضعت نظاماً يُعرف اليوم باسم “نظام إمرالي”، وهو نظام يهدف إلى حرمان المعتقل من أي شكل من أشكال التواصل مع العالم الخارجي.

وفي السياق، يوضح الحقوقي محمود جميل أن "اعتقال القائد عبد الله أوجلان كان بشكل مافيوي وهو غير شرعي وقانوني، لأنه قائد حزب سياسي يناضل من أجل حقوق شعبه الذي احتلت أرضه وحقوقه من قبل أربع دول بينهم تركيا".

ويضيف جميل: "إن الدولة التركية عملت على حرمان القائد عبد الله أوجلان من حقوقه منذ اعتقاله عبر سجنه في جزيرة إمرالي في ظروف قاسية".

وفي سجن إمرالي، لا توجد وسيلة للتواصل الخارجي سوى عبر جرائد محدودة وكتب قليلة، مع إذاعة واحدة فقط. حتى الرسائل، التي تشكل وسيلة إنسانية بسيطة، حُرمت منه بشكل شبه كامل، باستثناء بعض الرسائل التي يرسلها معتقلون آخرون للقائد، دون أن يُسمح له بإرسال رسائل إلى خارج السجن.

القائد عبد الله أوجلان سبق له أن وصف هذا الوضع في إحدى مرافعاته قائلاً: "إن الآلهة الميثولوجية لو فكرت في معاقبتي لما خطر ببالها، عقاباً شديد الوطأة بقدر ما هو عليه تكبيلي إلى صخور إمرالي".

هذا الوصف يعكس واقعاً ملموساً، إذ إن المناخ في الجزيرة رطب وقاسٍ إلى حد يُحطم البنية الجسدية للإنسان، ومع إضافة العزلة الانفرادية، يتحول الاعتقال إلى نوع من التعذيب المستمر.

أرقام تكشف حقيقة العزلة

ومن خلال متابعة دقيقة لطلبات اللقاء التي تقدم بها المحامون وأفراد عائلة القائد عبد الله أوجلان، يتضح حجم الانتهاك بشكل صارخ.

فمنذ 27 تموز/يوليو 2011 وحتى آب/أغسطس 2019، قدم محامو القائد عبد الله أوجلان 1641 طلباً رسمياً للقاء بموكلهم. ولكن السلطات التركية قبلت فقط 5 لقاءات، كان آخرها في 7 آب/أغسطس 2019. وبعد ذلك التاريخ، وحتى 15 أيلول/سبتمبر 2025، لم يُسمح بأي زيارة جديدة، وهذا يعني أن نسبة القبول لم تتجاوز 0.3% من مجمل الطلبات.

وجاءت الزيارة الأخيرة التي حصلت في 15 أيلول بعد أن أطلق القائد عبد الله أوجلان في الـ 27 من شباط/فبراير العام الجاري، نداء "السلام والمجتمع الديمقراطي" لحل القضية الكردية وعموم قضايا الشرق الأوسط سلمياً، وهو ما أجبر السلطات التركية على قبول لقاء المحامين به.

أما عائلة القائد عبد الله أوجلان، فقد قدمت منذ عام 2014 وحتى تشرين الأول/أكتوبر 2024، 637 طلباً للزيارة. لم يُقبل منها سوى 6 زيارات فقط، كان آخرها بتاريخ 23 تشرين الأول/أكتوبر 2024 عبر زيارة ابن أخيه عمر أوجلان، والنسبة هنا لم تتجاوز 1% من مجمل الطلبات.

هذه الأرقام، عند مقارنتها بالمعايير الدولية، تُظهر أن العزلة ليست ظرفاً عابراً، بل هي سياسة ممنهجة تتعمد من خلالها تركيا منع أي اتصال طبيعي بين المعتقل السياسي وعائلته أو فريق دفاعه.

خرق مباشر للمواثيق الدولية

ويرى الحقوقي محمود جميل أن: "عدد لقاءات القائد عبد الله أوجلان بذويه ومحاميه قليلة جداً بالنسبة لمدة حكمه -26 عاماً-، وعدَّ ذلك عزلة مشددة يتعرض لها القائد عبد الله أوجلان والتي تخالف حقوقه المشروعة كسجين سياسي".

ويؤكد جميل أن: "هذه العزلة تخالف إعلان الأمم المتحدة التي تمنع اعتقال أي شخص بسبب نشاط سياسي أو التعبير عن رأيه".

كما يضيف: "تركيا من أكثر الدولة التي تنتهك حقوق الإنسان، فهي حتى لا تطبق قوانينها المحلية، فكيف ستلتزم بالمواثيق الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان".

إن العزلة على القائد عبد الله أوجلان ليست فقط إجراءً إدارياً مخالفاً، بل هي خرق مباشر للمواثيق الدولية مثل:

- العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1966)، ولا سيما المادتان 18 و19، اللتان تنصان على حق المعتقل في التواصل مع محاميه وأسرته ومنع احتجازه في ظروف قاسية.

- إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الذي يضمن حرية التعبير عن الرأي السياسي ويحظر معاقبة الأفراد بسبب نشاطهم السياسي.

- القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، التي تشدد على حق المعتقلين في الاتصال بذويهم وأخذ استشارات قانونية دون قيود.

نظام تعذيب خاص إمرالي

ولم تكتفِ السلطات التركية بتشديد الإجراءات التقليدية، بل استحدثت أنظمة جديدة لتبرير منع لقاءات القائد عبد الله أوجلان بمحاميه وذويه. ففي عام 2018، فرضت ما يسمى "العقوبات الانضباطية"، التي بموجبها مُنع القائد من اللقاء مع عائلته أو محاميه بذريعة خرق "قوانين السجن الداخلية". هذه الممارسة ليست سوى وسيلة إضافية لتكريس سياسة العزلة، بعيداً عن أي أساس قانوني حقيقي.

البعد الإنساني والنفسي

إن الحرمان من التواصل مع العائلة والمحامين لا يمثل فقط انتهاكاً قانونياً، بل هو شكل من أشكال التعذيب النفسي. الزيارات بالنسبة للمعتقلين السياسيين ليست ترفاً، بل وسيلة أساسية للحفاظ على التوازن النفسي والاجتماعي.

وتشير الأبحاث الحقوقية إلى أن غياب هذا التواصل يؤدي إلى تدهور في الصحة النفسية والجسدية للمعتقلين، وقد وصف العديد من الخبراء أن العزلة الطويلة الأمد تعادل "العقوبة القاسية أو اللاإنسانية" وفق تعريف اتفاقية مناهضة التعذيب.

الحقوق المكفولة للمعتقلين السياسيين وفق القوانين الدولية

وتؤكد القوانين الدولية أن للمعتقلين، وخاصة السياسيين، حقوقاً أساسية لا يجوز المساس بها، منها:

- حق الزيارة ولقاء الأهل والأصدقاء بشكل دوري ومنظم.

- الحصول على المعلومات كمعرفة سبب الاعتقال والاتهامات الموجهة فوراً.

- الدعم النفسي والاجتماعي عبر السماح بزيارات منتظمة تسهم في استقرار الحالة النفسية.

- الوصول الفوري إلى المحامي منذ لحظة الاعتقال.

- حضور المحامي في المداولات من أجل ضمانة لمحاكمة عادلة.

- استشارة المحامي بحرية دون قيود أو مراقبة.

هل انتهت العزلة؟

رغم مرور سنوات على فرض العزلة على القائد عبد الله أوجلان، إلا أن استمرارها يرتبط بشكل مباشر بعدم حدوث أي تعديل في القوانين التركية التي تُشرعن هذا الإجراء. اللقاءات السياسية التي تُعقد بين الفينة والأخرى لم تُترجم إلى خطوات قانونية ملموسة، ما يجعل العزلة قائمة ومفتوحة على احتمالات أكثر قسوة، طالما أن المناخ السياسي لم يشهد تحولاً جوهرياً.

(ح)

ANHA