الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي

تحولت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا إلى نموذج سياسي يعكس تطلعات غالبية السوريين نحو وطن ديمقراطي، تعددي، ولا مركزي، ينهي عقوداً من الاستبداد. ويؤكد الحراك المتصاعد في السويداء والساحل السوري اتساع تأثير هذا النموذج، ويعكس تزايد القناعة الشعبية بإدارة تستند إلى إرادة الناس وقيم العدالة والمشاركة.

الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
الإدارة الذاتية نموذج يلهم السوريين لبناء وطن ديمقراطي
السبت 6 يلول, 2025   06:30
مركز الاخبار
أكرم بركات  

في 19 تموز 2012، انطلقت شرارة ثورة من مدينة كوباني، بمشاركة الكرد إلى جانب المكونات الأخرى المتعايشة معهم مثل العرب والسريان الآشوريين. جاءت هذه الخطوة بهدف تأسيس إدارة ديمقراطية بديلة عن الصراع الذي اجتاح سوريا بعد اندلاع الثورة في 15 آذار 2011، بفعل التدخلات الخارجية. 

في خضم الأحداث السورية المتسارعة وقّع مجلس شعب روج آفا والمجلس الوطني الكردي في 8 أيلول 2013، اتفاقاً من تسعة بنود لإطلاق مشروع "الإدارة المرحلية"، وبدأت اللقاءات مع مختلف المكونات من عرب، سريان آشور، تركمان، شيشان، وأرمن للتوافق على شكل هذه الإدارة.

وفي 12 تشرين الثاني 2013، أُعلن عن تأسيس المجلس العام للإدارة المرحلية المشتركة، كمقدمة لتشكيل إدارات ذاتية. ورغم انسحاب المجلس الوطني الكردي قبل يوم واحد من الإعلان، استمرت شعوب المنطقة في المضي قدماً نحو تحقيق المشروع. وفي 21 كانون الثاني 2014، أُعلنت الإدارة الذاتية الديمقراطية رسمياً في مقاطعة الجزيرة، وتبعتها كوباني في 26 كانون الثاني ومن ثم عفرين في 29 كانون الثاني.

رغم التأسيس الواعد، واجهت الإدارة الذاتية الديمقراطية موجة عنيفة من الهجمات، شنتها في البداية مرتزقة "جبهة النصرة" بدعم مباشر من دولة الاحتلال التركي، بدءاً من سريه كانيه، مروراً بجنوب كركي لكي وجل آغا وتربه سبيه، وصولاً إلى المعركة المصيرية لشعوب شمال وشرق سوريا ضد مرتزقة داعش في مدينة كوباني.

لم تكن هذه الهجمات مجرد اختبار عسكري، بل كانت محاولة لكسر إرادة الشعوب التي اختارت طريق الإدارة الذاتية. ومع ذلك، لم تتراجع الإدارة، بل تطورت وسط أتون الحرب، لتثبت أنها مشروع حيّ ينبض بالمقاومة، ويستمد شرعيته من صمود المجتمعات وتكاتفها في وجه التطرف والدمار.

من مقاومة إلى ترسيخ نموذج ديمقراطي تعددي

بعد التصدي لهجمات مرتزقة داعش على مدينة كوباني، وتكبيدهم أولى هزائمهم الكبرى في 26 كانون الثاني 2015، ناشدت شعوب المنطقة وحدات حماية الشعب والمرأة، إلى جانب قوات سوريا الديمقراطية، لإنقاذهم من بطش مرتزقة داعش. فكانت مدينة منبج أولى المدن التي تحررت في آب 2016، تلتها مدينة الرقة في تشرين الأول 2017، ثم أجزاء واسعة من دير الزور أواخر عام 2017 وبداية عام 2018.

ومع اتساع رقعة التحرير، توسعت الإدارات الذاتية والمدنية لتشمل سبع مناطق رئيسة: الجزيرة، عفرين، الفرات، منبج، الرقة، الطبقة ودير الزور. وفي السادس عشر من تموز 2018، أقر مجلس سوريا الديمقراطية في مؤتمره الثالث ضرورة تشكيل إدارة موحدة، فتم تشكيل لجنة تحضيرية في السادس من أيلول من العام ذاته، ضمت سبعين عضواً، أعلن خلالها عن تأسيس الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، بهيكل تنظيمي يتضمن: المجلس العام، المجلس التنفيذي، ومجلس العدالة.

تتبنى الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا فلسفة "الأمة الديمقراطية" التي طرحها القائد عبد الله أوجلان، كحل شامل لأزمات المنطقة، بعيداً عن الانتماءات القومية والدينية والجغرافية. ويقوم هذا النموذج على التعددية واحترام إرادة الشعوب، رافضاً ذهنية الدولة القومية التي تتنافى مع واقع المجتمعات المتنوعة.

منذ تأسيسها، سعت الإدارة إلى بناء نظام إداري يضمن التمثيل العادل لجميع المكونات، ويعزز التعايش السلمي، مع الحفاظ على التكامل مع مؤسسات الدولة. ورغم التحديات، واصلت الإدارة تطورها، مؤكدة قدرتها على تقديم بديل ديمقراطي حقيقي يعكس تطلعات شعوب المنطقة.

ومن أبرز تلك التحديات، الهجمات المباشرة التي شنتها دولة الاحتلال التركي على المنطقة، بدءاً من عدوانها على عفرين في كانون الثاني 2018، مروراً بهجماتها على سريه كانيه وتل ابيض في تشرين الأول 2019.

الاعتراف الدولي بالإدارة الذاتية: ثمرة نضالٍ سياسي وعسكري متواصل

رغم الهجمات العسكرية والضغوط السياسية والدبلوماسية التي واجهتها، نجحت الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا في ترسيخ حضورها الدولي، مدعومة بصمودها ورؤيتها الديمقراطية والتفاف شعوب المنطقة حول مشروعها التحرري.

وفي 20 تشرين الأول 2021، أعلن البرلمان الكتالوني اعترافه الرسمي بالإدارة الذاتية، تزامناً مع الذكرى الرابعة لتحرير مدينة الرقة من مرتزقة داعش. وعكسن عدالة القضية ونجاح التجربة في مواجهة الاستبداد.

هذا الاعلان شكّل انتصاراً سياسياً ومعنوياً، مؤكداً أن نضال الإدارة الذاتية تجاوز الحدود الجغرافية ليصل إلى الضمير العالمي، ويؤسس لتضامن أممي مع قضايا الشعوب الساعية للحرية والعدالة.

الهجمات التركية ومحاولة كسر الإرادة الشعبية

منذ عام 2022، تعرضت مناطق شمال وشرق سوريا لسلسلة من الهجمات العنيفة والممنهجة شنها الاحتلال التركي، استهدفت البنية التحتية الحيوية بشكل مباشر، بدءاً من مراكز المياه والأفران، مروراً بمحطات النفط والكهرباء، وصولاً إلى مراكز توزيع الغاز والمنشآت الخدمية الأساسية. لم تكن هذه الهجمات مجرد عمليات عسكرية، بل كانت جزءاً من استراتيجية تهدف إلى إنهاك المجتمع، وكسر إرادة سكان المنطقة، وتقويض مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية.

وتكررت هذه الهجمات في عامي 2023 و2024، في تصعيد واضح يعكس إصرار الاحتلال على ضرب الاستقرار، وحرمان الشعوب من حقها في إدارة شؤونها بحرية وعدالة. ورغم فداحة الأضرار، لم تنكسر عزيمة شعب شمال وشرق سوريا، بل واجه هذه التحديات بإصرار لا يلين، والتف حول مؤسساته الذاتية، مدافعاً عن مشروعه الديمقراطي، ومؤمناً بأن إرادته أقوى من آلة الحرب.

لقد أثبتت هذه المرحلة أن الإدارة الذاتية ليست مجرد هيكل إداري، بل تجسيد لإرادة شعبية راسخة، قادرة على الصمود في وجه العدوان، ومواصلة البناء رغم كل محاولات التدمير.

محطة مفصلية في ترسيخ مشروع الإدارة الذاتية

في 12 كانون الأول 2023، صادق المجلس العام في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على العقد الاجتماعي الجديد، الذي يُعد بمثابة دستور مدني ينظم الحياة السياسية والاجتماعية في الإقليم، ويكرّس مبادئ العدالة والمساواة والتعددية عبر 134 مادة موزعة على أربعة أبواب رئيسة.

هذا الإنجاز التاريخي جاء تتويجاً لمسيرة نضالية طويلة، عبّرت فيها شعوب المنطقة عن إرادتها في إدارة شؤونها بعيداً عن المركزية والإقصاء. ومنذ تأسيسها، حملت الإدارة الذاتية مشروعاً ديمقراطياً يهدف إلى حماية حقوق المكونات التاريخية، وعلى رأسها الشعب الكردي، في مواجهة سياسات التهميش والإنكار.

ورغم محاولاتها المتكررة لدفع حكومة دمشق نحو حوار جاد يفضي إلى حل سياسي شامل، ظل النظام متمسكاً بذهنية الهيمنة. ومع استمرار التعنت، شكّل سقوط النظام في 8 كانون الأول 2024 نقطة تحول مفصلية، كشفت هشاشة البنية المركزية، وأكدت صوابية المشروع الديمقراطي الذي تبنّته الإدارة الذاتية منذ انطلاقتها.

الإدارة الذاتية في مواجهة الفوضى الإقليمية

في السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024، شنت هيئة تحرير الشام هجوماً مباغتاً على مدينة حلب، سرعان ما تطور بشكل دراماتيكي، إذ وصلت قواتها إلى العاصمة دمشق خلال اثني عشر يوماً فقط، في تحرك عسكري غامض لا تزال تفاصيله غير مفهومة حتى الآن، ما أثار تساؤلات عميقة حول هشاشة البنية الأمنية في البلاد، والاتفاقيات الضمنية بين الدول المتداخلة في الملف السوري.

وفي خضم هذا الانهيار، استغلت دولة الاحتلال التركي الفوضى لتشن هجمات جديدة عبر مرتزقتها ضد مهجّري عفرين في منطقتي الشهباء وتل رفعت، مستهدفة المدنيين العزل في محاولة لكسر إرادتهم وتهجيرهم قسراً. واضطرت الإدارة الذاتية، حرصاً على سلامة الأهالي، إلى إخراجهم من تلك المناطق، في خطوة إنسانية تعكس مسؤوليتها الأخلاقية تجاه شعبها.

ورغم سقوط نظام البعث في الثامن من كانون الأول، وبدلاً من أن تتوقف الهجمات، واصلت تركيا عدوانها على مناطق إقليم شمال وشرق سوريا، محاولة استغلال الفراغ السياسي لضرب مشروع الإدارة الذاتية. إلا أن قوات سوريا الديمقراطية، مدعومة بإرادة شعبية صلبة، أبدت مقاومة عظيمة في وجه هذا التصعيد، ما اضطر تركيا إلى وقف عملياتها العسكرية تحت ضغط الصمود الشعبي والعسكري.

وفي العاشر من آذار، وُقّع اتفاق بين قائد قوات سوريا الديمقراطية ورئيس الحكومة الانتقالية في سوريا، تضمن ثمانية بنود رئيسة تهدف إلى تنظيم العلاقة بين الطرفين، وضمان الاستقرار في المناطق المحررة. ومع ذلك، لا تزال الحكومة السورية تماطل في تنفيذ هذه البنود، ما يُهدد فرص الحل السياسي، ويُبقي مستقبل البلاد رهينة الحسابات الضيقة والتردد الرسمي.

انعكاس لإرادة السوريين ونموذج لبناء سوريا المستقبل

تحولت الإدارة الذاتية الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا إلى مرآة تعكس تطلعات غالبية الشعب السوري، الذين باتوا يرون فيها المشروع الأمثل لبناء سوريا جديدة، ديمقراطية، تعددية، ولا مركزية، تُنهي عقوداً من الاستبداد والهيمنة المركزية.

ولعل ما تشهده اليوم مناطق السويداء والساحل السوري من حراك سياسي وتنظيمي ودبلوماسي متصاعد، يُعد دليلاً دامغاً على اتساع تأثير هذا النموذج، وتزايد القناعة الشعبية بضرورة تبني إدارة تستند إلى إرادة الناس، وتُجسد قيم العدالة والمشاركة، بعيداً عن الإقصاء والطائفية.

إن الإدارة الذاتية لم تعد تجربة محلية محصورة بجغرافيا معينة، بل أصبحت إطاراً سياسياً واجتماعياً يُلهم السوريين في مختلف المناطق، ويُقدم تصوراً واقعياً لسوريا المستقبل، حيث تُدار البلاد بإرادة شعبها، لا بوصاية سلطوية أو إملاءات خارجية.

ANHA