من الخوف إلى المواجهة.. منظمة سارا تطلق حملة لحماية النساء من العنف الإلكتروني

تبعاً لأهمية حماية النساء ونشر التوعية حول مخاطر الفضاء الإلكتروني، أطلقت منظمة سارا حملة بعنوان "الاستغلال الجنسي جريمة... لا تشارك في تغطيتها"، لمدة شهرين، تشمل كلا الجنسين، وتقدم خدمات قانونية مع ضمان حقوق النساء وفق قوانين صارمة.

من الخوف إلى المواجهة.. منظمة سارا تطلق حملة لحماية النساء من العنف الإلكتروني
الخميس 7 آب, 2025   04:20
قامشلو
رؤى النايف

يُعرّف الاستغلال والابتزاز الجنسي، بما في ذلك الإلكتروني، بأنه سلوك يقوم على استغلال النفوذ أو السلطة أو استخدام التهديد والإكراه، ومن ذلك التهديد بنشر صور أو معلومات شخصية حساسة بهدف الضغط على الضحية للحصول على مكاسب، ويُعدّ هذا السلوك انتهاكاً صارخاً للكرامة الإنسانية وحقوق الأفراد.

وسُجلت خلال الفترة الماضية عدة حالات ابتزاز جنسي في مناطق مختلفة من إقليم شمال وشرق سوريا، وللحد من انتشارها قبل أن تتزايد، ومن منطلق ضرورة التوعية المجتمعية، أطلقت منظمة سارا لمناهضة العنف ضد المرأة حملة توعية بعنوان "الاستغلال الجنسي جريمة... لا تشارك في تغطيتها"، بدأت أواخر شهر تموز وتنتهي مطلع شهر تشرين الأول القادم.

وتهدف الحملة إلى تسليط الضوء على العنف الإلكتروني، ومعالجتها عبر أنشطة توعوية، وجلسات دعم نفسي، فضلاً عن تقديم استشارات قانونية للنساء المتضررات.

مكاتب ميدانية وخدمات لدعمهن

عبر عشرة مكاتب موزعة في مناطق شمال وشرق سوريا، تعمل منظمة سارا على مواجهة مختلف أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك العنف الأسري، التزويج القسري، الاعتداء الجنسي، التحرش، والابتزاز الجنسي والإلكتروني، وتشمل هذه المكاتب مراكز موسعة في الحسكة والرقة، ومركزاً فعّالاً في حي الأشرفية بمدينة حلب، إضافة إلى فرق ميدانية متنقلة تصل إلى المناطق الريفية والمخيمات.

كما تُقدم منظمة سارا خدمات شاملة تشمل الدعم النفسي الفردي والجماعي، المرافقة القانونية، التوعية الاجتماعية، وحماية الضحايا خلال كامل مسار الشكوى، مع ضمان السرية التامة، كما تُشرف على برامج تدريب مهني وتعليمي لتمكين النساء اقتصادياً، وتساعد في إعادة دمجهن في المجتمع.

وتعمل المنظمة بالتنسيق مع المحاكم، الجهات القانونية، والمجالس المحلية، كما تبني شراكات مع منظمات محلية ودولية لتعزيز ثقافة الحماية والعدالة، وتوفير بيئة آمنة وداعمة للنساء والشابات في المناطق التي تنشط فيها.

وفيما يخص الابتزاز الإلكتروني، تقدم المنظمة الدعم للضحايا من خلال التوعية، والاستشارات القانونية، والمرافقة، بهدف منع تفشي هذه الحالات وحماية النساء والشابات من مخاطرها.

دعم نفسي ومرافقة قانونية حتى النهاية

في تصريح خاص لوكالتنا، أوضحت الناطقة باسم منظمة سارا رشا درويش، أن الحملة جاءت استجابة لنتائج دراسة ميدانية أجريت خلال النصف الأول من عام 2025، كشفت أن 4 من كل 10 نساء يتعرضن للعنف أو الابتزاز الإلكتروني، أي ما يعادل 40 %، وهي نسبة "مقلقة جداً" بحسب وصفها، وتشير إلى حجم المشكلة داخل المجتمع.

وأضافت: "من خلال المتابعات والإحصائيات والشكاوى التي وصلتنا، لاحظنا أن الابتزاز الإلكتروني بات من أبرز الأسباب التي تدفع بعض النساء، لا سيما الشابات، إلى التفكير في الانتحار، في ظل غياب الوعي المجتمعي، والخوف من تقديم الشكوى، بسبب من النظرة المجتمعية السائدة.

وحرصاً على الوصول إلى أكبر شريحة من المتضررين، تستهدف الحملة الجنسين معاً، وتشمل توزيع منشورات توعوية، وتنظيم جلسات ومحاضرات توعوية، وتعليق لافتات (فلكسات) في مختلف مدن وبلدات الإقليم. وتشارك جميع مكاتب المنظمة في تنفيذ الحملة بشكل دوري وعلى مدار الشهرين.

كما أكدت رشا أن المنظمة تتلقى شكاوى يومية، خاصة من شابات تتراوح أعمارهن بين 13 و16 عاماً، وتقوم بمتابعة هذه الحالات بالتنسيق مع الأهل، لا سيما الأمهات، ووضعهنّ في صورة الوضع بكل تفاصيله. وبعد ذلك، يتم تحويل الملف إلى محاكم العدالة في الإقليم، رغم أن بعض العائلات، حسب قولها، تتراجع أحياناً وتسقط حقها "خوفاً من نظرة المجتمع القاسية تجاه هذه الحالات".

ورغم تلك الصعوبات، تتابع المنظمة الحالات بشكل منهجي، وتوفر لهن دعماً نفسياً عبر جلسات فردية وسرية مع مختصين نفسيين، بهدف تخطّي الصدمة ومحو آثار الانتهاك، وسردت رشا قصة نجاح لشابة من مخيم نوروز، تعرضت للابتزاز أثناء عملها في تحميل البضائع، وتمكنت بمساعدة المنظمة من مواجهة المعتدين قانونياً، والخضوع للعلاج النفسي، وهي الآن تتابع حياتها بشكل طبيعي وتتعلم الخياطة مع نساء أخريات تعرّضن لانتهاكات مشابهة.

وختمت رشا حديثها بالتأكيد على أن الحملة ما تزال مستمرة طيلة الشهرين القادمين، وأن المنظمة، بجميع مكاتبها في الإقليم، ستواصل جهودها في كسر حاجز الصمت، ودعم النساء نفسياً واجتماعياً، ومحاسبة المنتهكين عبر القضاء، داعية جميع النساء إلى التوجه نحو التنظيمات النسائية وعدم التردد في تقديم الشكاوى، لضمان حقوقهن في مجتمع عادل يحميهن من العنف ويضمن لهن العدالة والكرامة.

والجدير بالذكر أن منظمة سارا تُرافق النساء خلال كامل مسار الشكوى، من لحظة التبليغ وحتى صدور الحكم، وذلك من خلال توفير مرافقة قانونية ونفسية، وضمان السرية التامة، كما تتابع القضايا بعد الإحالة وتتواصل مع الجهات القضائية بشكل دوري لضمان عدم إغلاق الملف قبل استكمال الإجراءات كافة.

حماية قانونية للمرأة:

وحول المسار القانوني المتبع في حماية النساء، أوضحت المحامية من فرع قامشلو لمجلس العدالة الاجتماعية آلاء سطم، في تصريح لوكالتنا، أن قانون الأسرة المعمول به يشكّل الإطار الأساسي لحماية المرأة، ويتألف من 38 مادة تُعنى بإنصافها وضمان حقوقها على المستويين العام والخاص، إلى جانب أحكام واردة في قانون العقوبات وقانون الإجراءات الجزائية.

وأضافت أن الجرائم الإلكترونية، بما فيها الابتزاز، لا تزال خارج نطاق القوانين المفعّلة حالياً، إلا أن هناك مقترحات ونقاشات جارية لإصدار تشريع خاص ينظّم التعامل معها. وأشارت إلى ورود حالات عديدة تتعلق بابتزاز النساء عبر الصور أو التطبيقات والبرمجيات الإلكترونية، مؤكدة أن المجلس يتعامل مع هذه القضايا ضمن الإمكانيات القانونية المتوفرة.

وبيّنت أن منظمة سارا تُعدّ طرفاً قانونياً معترفاً به في القضايا المتعلقة بالنساء، وتملك الحق في التقدّم بالادعاءات، وتقديم الإثباتات والوثائق والمذكرات، وتشارك بصفتها عضوةً في الدعاوى ذات الصلة.

وأكدت المحامية أن معالجة هذه القضايا تمر بمراحل تبدأ من الكومينات ودار المرأة، وتصل إلى مجلس العدالة الاجتماعية، حيث تُنظر الدعاوى بسرية تامة، مع مراعاة الخصوصية المجتمعية والذهنية السائدة، كما يخضع مرتكبو الجرائم، بعد ثبوت الإدانة، لعقوبات قانونية قد تصل إلى فترات طويلة من السجن.

واختتمت بالتأكيد على أن قضايا النساء تُعطى أولوية خاصة في المعالجة القانونية، وتُعفى من أي رسوم مادية، في إطار دعم النساء وتخفيف الأعباء القانونية عنهن.

وتُعدّ حملة "الاستغلال الجنسي جريمة... لا تشارك في تغطيتها" خطوة جريئة وضرورية في مواجهة واحدة من أكثر المشكلات خطورة وصمتاً في مجتمعاتنا. وبين التوعية والمرافقة والدعم، تسعى منظمة سارا إلى بناء ثقافة مجتمعية ترفض التطبيع مع العنف، وتمنح النساء والشابات مساحة آمنة لاستعادة حقوقهن. وبينما تستمر الحملة، يبقى الرهان الحقيقي على كسر حاجز الخوف، وتعزيز الوعي، وضمان ألا تتحول الضحايا إلى مجرمات في نظر المجتمع، بل إلى ناجيات يجب إنصافهن وحمايتهن.

(ي م)

ANHA