"لا نريد شيئاً سوى العودة".. مسنة تروي وجع الفقد ومأساة التهجير

في أجواء خانقة، تسود الخيام المهترئة في مخيم واشو كاني لمهجّري مدينة سري كانيه المحتلة، جلست جدة الطفل حميد الذي فقد حياته بلدغة أفعى بين زوارها، وتقول: "نعيش على الخوف والمعاناة، وفقدنا فلذة كبدنا، لم نعد نريد سوى العودة لمدينتنا".

"لا نريد شيئاً سوى العودة".. مسنة تروي وجع الفقد ومأساة التهجير
الخميس 31 تموز, 2025   06:30
الحسكة
ديار أحمد - بلند حجي

في ظهيرة خانقة من شهر تموز، تحت لهيب شمسٍ لا ترحم، وفي مخيم واشو كاني لمهجري مدينة سري كانيه المحتلة غرب مدينة الحسكة في مقاطعة الجزيرة، دوى صراخ لا يشبه سواه، لم يكن صوت نزاع أو خصام، بل صرخة أم اكتشفت أن طفلها الصغير "فلذة كبدها" يتلاشى بين يديها، بصمت مريع، وبملامح شاحبة تسبق الفقد.

الطفل، ابن العامين، لم يكن يعلم أن لعبه في زاوية الخيمة سيصبح آخر لحظاته في الحياة، كان يلهو وحيداً بينما أمه خرجت لجلب الماء، وهو جزء من روتين يومي شاقّ تعيشه الأمهات في مخيم واشو كاني للمهجرين الذين تهجروا بفعل هجمات دولة الاحتلال التركي، وحين عادت، وجدته في حالة إغماء، هرعت به إلى أقرب نقطة طبية، ثم إلى مستشفيات الحسكة، وسط سباق مع الزمن، ولكن السم كان أسرع.

ورغم محاولات الأطباء إنقاذ الطفل، إلا أنه لفظ أنفاسه الأخيرة هناك، بعد أن لدغت أفعى جسده الصغير ثلاث مرات، "كما أكدت جدته" وهو داخل خيمتهم التي لا تقيهم الحرّ ولا البرد.

وخلال زيارة وكالتنا للعائلة المنكوبة، كانت الخيمة تغص بالأقارب والجيران الذين جاؤوا لتقديم واجب العزاء، وجوه حزينة، عيون دامعة، وأجساد منهكة يقطر منها العرق في صمت، وسط أجواء لاهبة تزيد من وطأة المأساة، في ذلك الركن الضيق، حيث لا يتوقف الحزن عن التمدد، لا تُسمع إلا همسات المواساة، وتنهدات المكلومين.

في وسط الخيمة، جلست جدة الطفل، شيرين نعسان، كأنها لا تزال تحتضن غياب حفيدها، بعينين غارقتين في الذكريات والدموع، تقول: "الأفعى لدغته ثلاث مرات في صدره، داخل الخيمة، لم نكن نعلم بوجودها، لم نكن نعلم أن الموت يتسلل من تحت أقدامنا بهذا الشكل".

وتتابع حديثها، وكأن كل كلمة تثقل على صدرها أكثر: "لا أعلم إن كنا سنواجه ألماً أعظم من الذي نعيشه الآن، نعيش في ظروف لا تحتمل، وفوق كل شيء، نفقد أولادنا، لا أحد يشعر بحجم المعاناة سوى من يتجرعها كل يوم، من يستفيق على حرّ الخيام وينام على خوف دائم".

شيرين التي فقدت حفيدها أمام عينيها، لا تطلب شيئاً اليوم سوى العودة إلى ديارها، وتقول: "تخيّل أن نعيش في هذه الحرارة داخل خيم مهترئة، تتضاعف فيها درجات الحرارة، سنوات من المأساة والوجع لا ينتهي، والآن، وصلنا إلى أن نفقد فلذات أكبادنا".

وتختتم حديثها والدموع تنهمر من عينيها بصوت خافت: "لم نعد نريد شيئاً سوى العودة لمدينتنا، لمنازلنا، نريد أن ننجو من هذا الجحيم الذي نعيش فيه منذ سنوات".

وفي الـ 26 من تموز، كانت وكالتنا قد نشرت خبر وفاة الطفل حميد بعد تعرضه للدغ.

هذا وأسست الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا، مخيم واشوكاني في تشرين الأول من عام 2019 بعد هجمات الاحتلال التركي على مدينة سري كانيه واحتلالها وتهجير سكانها قسراً، ويضم المخيم نحو 2400 عائلة يبلغ تعداد أفرادها نحو 17 ألف فرد.

(ح)

ANHA