ثلاثة شيوخ وهيئتان.. المرجعيات الدينية في السويداء بين الوحدة والانقسام

شهدت السويداء تصاعداً في الخلافات بين المرجعيات الدينية للطائفة الدرزية، إذ تتوزع السلطة الروحية بين ثلاثة شيوخ على رأس هيئتين متنافستين، ما يعكس انقساماً في الرؤية السياسية والاجتماعية للموحدين الدروز في سوريا، وسط أجواء توتر متجدد بين التوجهات المختلفة تجاه الحكومة الانتقالية في سوريا.

ثلاثة شيوخ وهيئتان.. المرجعيات الدينية في السويداء بين الوحدة والانقسام
ثلاثة شيوخ وهيئتان.. المرجعيات الدينية في السويداء بين الوحدة والانقسام
ثلاثة شيوخ وهيئتان.. المرجعيات الدينية في السويداء بين الوحدة والانقسام
الإثنين 21 تموز, 2025   07:50
مركز الأخبار

تُعدّ المرجعيات الدينية مكوناً أساسياً في تشكيل هوية أبناء الدروز، حيث تمارس دوراً مركزياً في توجيه الوعي السياسي والاجتماعي وإدارة شؤون الطائفة، من خلال مناسبات دينية واتصالات مع السلطات الرسمية لضمان الحقوق وحل النزاعات، وهو دور سعت إليه السلطات السورية عبر التاريخ لاستيعاب النفوذ الدرزي ضمن هيمنتها.

مع ذلك، لم تستطع هذه المرجعيات تجاوز انقسامات داخلية قديمة تتجدد مع تعقيدات المشهد السياسي، ففي عام 2012 نشأ صراع داخلي بين الشيخ حكمت الهجري والشيخ يوسف جربوع حول قيادة الطائفة، ما أدى إلى وجود هيئتين: الأولى برئاسة الهجري في دار قنوات، والثانية بقيادة جربوع وحمود الحناوي في عين الزمان، مع استمرار الخلافات حتى اليوم.

وشهدت السويداء في الأيام الأخيرة، تصاعداً ملحوظاً في الهجمات على الطائفة الدرزية بالمدينة وريفها، والتوترات الأمنية التي أدت إلى مقتل المئات، ما أعاد تسليط الضوء على دور ومواقف أبرز الزعماء الدينيين الدروز المعروفين بـ "شيوخ العقل".

هؤلاء القادة، الذين يحتلون مكانة بارزة في المجتمع الدرزي، أبدوا مواقف متباينة إزاء الحكومة الانتقالية في سوريا، خاصة فيما يتعلق بمطالب الطائفة وبالأخص في السويداء، وبملف تسليم السلاح وعلاقة الطائفة بدمشق، وسط تصاعد حالة عدم الاستقرار.

ثلاثة شيوخ وهيئتان

في قلب المشهد يقف ثلاثة من أبرز شيوخ العقل في السويداء: يوسف جربوع، وحمود الحناوي، وحكمت الهجري، الذين يمثّل كل منهم تياراً مختلفاً يعكس انقسامات في رؤية الطائفة لمستقبلها.

الشيخ يوسف جربوع، الذي ينتمي إلى عائلة جربوع المشهورة التي تدير مشيخة عقل جبل العرب منذ قرون، يتخذ موقفاً يسعى للتقريب بين الطائفة والحكومة الانتقالية، وأن تكون تابعة. عُرف جربوع بدعمه السابق لنظام الأسد، لكنه بعد تصاعد المواجهات دافع عن اتفاق هدنة مع دمشق، داعياً إلى تفعيل مؤسسات الدولة وتشكيل لجان مراقبة مشتركة تضم ممثلين حكوميين ووجهاء محليين.

على النقيض، يُعبّر الشيخ حكمت الهجري، زعيم الموحدين الدروز، عن موقف رافض لاتفاقات الهدنة وتسليم السلاح دون إرادة مجتمع السويداء. وبعد أن خلف شقيقه في مشيخة الدروز، دعا الهجري إلى مقاومة مستمرة ضد الحكومة الانتقالية، معدّاً أن الدروز تواجه "حرب إبادة شاملة"، ولا يرى في الحكومة الحالية إلا أنها "امتداد لداعش وإرهابية".

وهو يؤمن بأن "اللا مركزية الديمقراطية" تشكل الحل الواقعي للعلاقة مع دمشق، ويرفض أي تسوية لا تنبثق من إجماع محلي، حتى مع تدخّل دولي محتمل لحماية الدروز. موقفه الرافض للاتفاق مع الحكومة الانتقالية على وقف إطلاق النار يؤكد التوتر العميق بين رغبة بعض الشيوخ في التوافق، وحرص آخرين على الدفاع المسلح المستمر، حتى تلبية حقوق الطائفة في مستقبل سوريا.

فيما يتميز الشيخ حمود الحناوي بمواقفه الوسطية والداعية للحوار الوطني، ويرفض التفتيت والاقتتال الداخلي. الحناوي يؤكد على ضبط السلاح عبر مؤسسات الدولة ويرفض التدخل الأجنبي، معدّاً أن حماية المدنيين تتطلب توافقاً محلياً، وهو ما دفعه للمشاركة في بيانات تدعو إلى حماية دولية مؤقتة دون فرض حلول قسرية. وعلى الرغم من دوره الوسيط ورغبته في الحفاظ على السلم الأهلي، لم يصدر عنه تعليق مباشر في الفترة الأخيرة وسط تصاعد الأحداث.

تأتي هذه التباينات في وقت تحاول فيه قوات الحكومة الانتقالية فرض سيطرتها على السويداء، والتي لم تتحقق حتى الآن بعد مواجهات دامية بين القوات العسكرية المحلية التي باتت بالكامل تلتزم تعليمات الشيخ حكمت الهجري، ومجموعات مرتبطة بقوات الحكومة الانتقالية.

في السياق ذاته، كشفت تقارير إسرائيلية عن تنسيق مسبق مع الحكومة الانتقالية قبل دخول السويداء، لكن خرق هذا التفاهم أثار مخاوف إقليمية من حشد عسكري على الحدود، ما أدى إلى غارات جوية إسرائيلية على مواقع في دمشق والسويداء.

تظل السويداء، بقيادة هؤلاء الزعماء الدينيين، ساحة معقدة تعكس تناقضات سياسية واجتماعية عميقة، تُظهر كيف تتباين مواقف "شيوخ العقل" بين من يسعى للخضوع وتطبيع العلاقة مع الحكومة الانتقالية، ومن يرى في المقاومة المسلحة واجباً لحماية الطائفة وتلبية حقوقها، وسط توتر داخلي وخارجي على هوية ومستقبل المدينة الاستراتيجية.

(ع م/أ)