"هيئة تحرير الشام" من القاعدة إلى حكم دمشق.. صياغة إقليمية ودولية مدروسة

أزالت الولايات المتحدة الأميركية "هيئة تحرير الشام" من قائمة "المنظمات الإرهابية" الأجنبية، وذلك في إطار مسار سياسي وأمني أميركي أدّى إلى تغيير جذري في المعادلة على الساحة السورية، الأمر الذي قد ينعكس أيضاً على الأوضاع في دول المنطقة.

"هيئة تحرير الشام" من القاعدة إلى حكم دمشق.. صياغة إقليمية ودولية مدروسة
الثلاثاء 8 تموز, 2025   13:48
مركز الأخبار
حيان علي

 بدأت "هيئة تحرير الشام" تحت اسم "القاعدة" ومن ثم "دولة الإسلام في العراق والشام" وبعدها غيرت اسمها إلى "جبهة النصرة"، وفي مرحلة أخرى، فكت ارتباطها مع تنظيم "القاعدة" وثبتت نفسها باسم "فتح الشام" ثم "هيئة تحرير الشام".

لها ديناميكية متغيرة ويبلغ عديدها نحو عشرين ألف مقاتل وتتلقى دعماً من تركيا، وهي محسوبة على فكر "الجهادية السلفية".

انطلاقة "هيئة تحرير الشام"

مع انطلاق الأزمة السورية عام 2011 وجد تنظيم داعش في العراق فرصة مواتية لاستغلال التطورات في الجوار السوري حيث قام متزعم مرتزقة داعش أبو بكر البغدادي آنذاك بتعيين أبو محمد الجولاني متزعماً للفرع السوري الجديد لداعش، أي "جبهة النصرة"، التي أعلنت رسمياً عن وجودها في كانون الثاني 2012.

وفي 8 نيسان 2013، أصدر البغدادي بياناً صوتياً أعاد فيه التأكيد على أن "جبهة النصرة" هي جزء من داعش في العراق، وأعلن أن الكيانين سوف يُعرفان من الآن فصاعداً باسم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" ("داعش").

ومع ذلك، وفي غضون أيام، رفض الجولاني هذه الخطوة وتعهد بمواصلة الولاء لزعيم تنظيم "القاعدة" أيمن الظواهري ونتيجة لذلك بدأت المعركة على الهيمنة بين هذه الجماعات.

الوضع على قائمة الإرهاب

في كانون الأول 2012، أضافت الحكومة الأمريكية رسمياً "جبهة النصرة" كاسم مستعار لـ "تنظيم القاعدة في العراق"، وفي الوقت نفسه، صنفت وزارة الخارجية الأمريكية الجولاني كإرهابي عالمي مصنف بشكل خاص في أيار 2013.

ومن خلال برنامجها "مكافآت من أجل العدالة"، عرضت الوزارة ما يصل إلى 10 ملايين دولار مقابل معلومات عنه.

وفي عام 2021، أضافت وزارة الخارجية الأمريكية "هيئة تحرير الشام" إلى قائمتها لـ "الكيانات المثيرة للقلق بشكل خاص" بموجب "قانون الحرية الدينية الدولية لعام 1998" و"قانون فرانك ر. وولف للحرية الدينية الدولية لعام 2016"، متهمة إياها "بارتكاب انتهاكات خطيرة بشكل خاص للحرية الدينية".

خطوات طويلة نحو التغيير

الخطوة الأولى كانت من خلال فيديو مصور كشف عبره أبو محمد الجولاني وجهه للجمهور لأول مرة عام 2016 وأعلن خلال ذلك قطع علاقته بالقاعدة وقال الجولاني وهو يرتدي زيً عسكريً وعمامة: "هذه المنظمة الجديدة لا تتبع لأي جهة خارجية".

وفي كانون الثاني 2017، وتماشياً مع الرغبات الإقليمية والدولية وخاصة من قبل تركيا وبريطانيا الساعية لدمج الجولاني ومجموعته في فصائل ما تسمى "المعارضة السورية" والتخلي عن ماضيها الجهادي تبنّت "جبهة النصرة" الاسم الجديد "هيئة تحرير الشام".

ولعبت قناة الجزيرة دوراً بارزاً في الترويج لأبو محمد الجولاني و"هيئة تحرير الشام" حيث أجرت معه لقاء في عام 2015 أرسل الجولاني عبره رسائل سياسية عديدة وأسهمت هذه المقابلة بتلميع صورة الهيئة داخلياً وخارجياً.

وخلال هذه المقابلة حاول الجولاني منذ وقتها وضع سياسته العامة في حال وصل إلى الحكم في سوريا واقتصرت مواقفه التصعيدية على إيران وأذرعها في المنطقة وخاصة حزب الله اللبناني كما أنه لم يتطرق إلى القضية الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل.

وما يشير إلى أن هذا التغير هو برعاية إقليمية ودولية تم منح زعيم الهيئة أبو محمد الجولاني فرصة سياسية وإعلامية ليبين بأنه قادر على إحداث هذا التغيير، وفي العام 2021، قال في مقابلة مع محطة بي بي إس (PBS) الأمريكية العامة أن اسمه الحركي "أبو محمد الجولاني" مستوحى من أصول عائلته المتحدرة من مرتفعات الجولان، وقال إن جده نزح من الجولان بعد احتلال إسرائيل لجزء كبير من هذه الهضبة السورية عام 1967.

سقوط النظام السوري وجني ثمار التغيير

وبعد سقوط نظام الأسد تبين بأن هناك قرار إقليمي ودولي بتوكيل مهمة حكم سورية خلال المرحلة الانتقالية إلى "هيئة تحرير الشام" وأبو محمد الجولاني الذي بات يطلق عليه أحمد الشرع، وما يؤكد مرة أخرى على أن ما جرى هو ناتج عن صياغة دولية هو ما ذكره السفير الأميركي السابق روبرت فورد بأنه أسهم بالتعاون مع منظمة بريطانية في تدريب الجولاني.

وكشفت مصادر مطلعة لـ"إندبندنت عربية" عن أن المنظمة البريطانية التي قدمت الدعم والتأهيل السياسي إلى أحمد الشرع، هي منظمة "إنتر ميديت" ومقرها لندن. وأسسها عام 2011 جوناثان باول الذي غادرها في ديسمبر عام 2024 بعدما عيّنه رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مستشاراً للأمن القومي.

كما كانت بريطانيا من أوائل الدول التي سارعت إلى مناقشة رفع الحظر عن "هيئة تحرير الشام" وذلك في كانون الأول عام 2024، وفي ألمانيا، قال متحدث باسم الخارجية: "معاملة هيئة تحرير الشام للأقليات ستحدد موقفنا منها".

ومع بدء الهجوم على قوات النظام السوري السابق، انتقل الجولاني من خطاب إسلامي متطرف إلى نوع من الاعتدال في مسعى واضح لتغيير صورته، حيث عمد إلى الإشارة إلى نفسه باسمه الحقيقي، أحمد الشرع، وليس اسمه الحركي "أبو محمد الجولاني" الذي لُقب به لسنوات طويلة، وجال الأربعاء، 4 كانون الأول، في قلعة حلب التاريخية، ثاني أكبر مدن سوريا، بعدما سيطر عناصره عليها، وأرسل "تطمينات" إلى المسيحيين بأنهم لن يتعرضوا للأذى.

الأسباب والتداعيات

وتأتي خطوة شطب النصرة من قائمة "المنظمات الإرهابية" بعد أسبوع من توقيع ترامب أمراً تنفيذياً يُنهي برنامج عقوبات أمريكية على سوريا، وترمي الخطوة بحسب مراقبين إلى المساعدة في إنهاء عزلة البلاد عن النظام المالي الدولي، والبناء على تعهد واشنطن بمساعدتها في إعادة الإعمار بعد حرب أهلية مُدمرة.

وتربط العديد من الأوساط بين هذه الخطوة الأميركية والحديث عن نية دمشق الانضمام إلى اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل والتخلي عن مناطق سورية لصالح إسرائيل.

إن وصول حكومة ذات طابع إسلامي متشدد إلى الحكم في سوريا يهدد بزيادة نشاط داعش في سوريا والعراق، كما أن ذلك يشجع قوى إسلامية متطرفة في دول المنطقة مثل لبنان والأردن والعراق وتونس ومصر على محاولة الوصول إلى الحكم أيضاً، على ما يراه خبراء في شؤون الإرهاب.

(أم)