بعد نصف قرن.. صبحية عثمان تُحيي اللغة الأرمنية من قلب الذكريات والحنين

في زاوية من زوايا مدينة الدرباسية الهادئة، وبين جدران بناية رمّمتها الأيام، تعود صبحية عثمان مصطفى، إلى مهنة أحبتها، ولغة عشقتها، وقصة بدأت منذ أكثر من خمسين عاماً... لتبدأ من جديد في تعليم اللغة الأرمنية لجيلٍ شاب، يطمح إلى إحياء لغة أوشكت على الغياب.

بعد نصف قرن.. صبحية عثمان تُحيي اللغة الأرمنية من قلب الذكريات والحنين
بعد نصف قرن.. صبحية عثمان تُحيي اللغة الأرمنية من قلب الذكريات والحنين
بعد نصف قرن.. صبحية عثمان تُحيي اللغة الأرمنية من قلب الذكريات والحنين
بعد نصف قرن.. صبحية عثمان تُحيي اللغة الأرمنية من قلب الذكريات والحنين
بعد نصف قرن.. صبحية عثمان تُحيي اللغة الأرمنية من قلب الذكريات والحنين
الأحد 15 حزيران, 2025   06:20
الحسكة
جان علوي

افتتح المجلس الاجتماعي الأرمني في مدينة الدرباسية بمقاطعة الجزيرة في إقليم شمال وشرق سوريا، أبوابه في كانون الثاني من العام الجاري، بهدف لمّ شمل الأرمن وتنظيم وجودهم في المدينة، والحفاظ على لغتهم وثقافتهم من الزوال. ومنذ افتتاحه، استقطب المجلس العديد من الشباب والشابات الراغبين في تعلّم اللغة الأرمنية، وكانت المفاجأة السارة عودة المعلمة القديمة، صبحية عثمان، إلى مشهد التعليم بعد عقود من الانقطاع.

طفولة بين الأرمن والسريان... وحبٌّ مبكر للغة الأرمنية

وُلدت صبحية عثمان عام 1950، وترعرعت في أحد الأحياء التي جمعت الأرمن والسريان في الدرباسية. ورغم أن والدها كان كردياً وأمها عربية، إلا أن روحها تعلّقت منذ الصغر باللغة الأرمنية، فأرسلها والدها لتتلقى تعليمها في مدرسة "كليكيان فاجاران" الأرمنية في المدينة، حيث أتمّت فيها المرحلة الابتدائية بتفوق لافت. وبعد تخرجها، بدأت بتدريس اللغة الأرمنية في المدرسة نفسها، واستمرت أربع سنوات، تُنقل حبها للغة والثقافة إلى طلابها.

رحيل جماعي وقلوب بقيت تنتظر العودة

لكن فرحتها لم تدم طويلاً، ففي سبعينيات القرن الماضي، بدأت السلطات السورية تمارس ضغوطاً على الأرمن للعودة إلى أرمينيا. عاشت صبحية تلك اللحظة الحزينة، حيث غادر معظم الأرمن المدينة في موجة هجرة جماعية، تاركين خلفهم مدرسة أُغلقت أبوابها، وكنيسة أرمنية بقيت شاهدة على ذلك الغياب.

مآسي الطريق... وأول كراج في المدينة

تزوجت صبحية لاحقاً، وأنجبت ستة أولاد وابنة واحدة، وانتقلت للعيش في مدينة الرقة قرابة 18 عاماً. وفي عام 1992، أثناء عودتها مع عائلتها إلى الدرباسية، تعرّضت لحادث سير مأساوي أودى بحياة زوجها وثلاثة من أولادها، فيما نجا الآخرون مع إصابات لا تزال آثارها حاضرة في حياتهم.

عادت إلى المدينة مع ما تبقى من أسرتها، تواجه الفقر وحدها. وبمساعدة شريك يُدعى سليمان سيدا، قامت بشراء الأرض التي كانت المدرسة الأرمنية قائمة عليها، وحولتها إلى أول كراج للنقل في الدرباسية، بعد أن كان النقل يتم عبر حوش بسيط في المدينة.

العودة إلى الشغف... بعد خمسين سنة

ومع بداية عام 2025، حين أعاد المجلس الاجتماعي الأرمني فتح أبوابه، كان البحث عن صبحية عثمان خطوة طبيعية. وجدوها، وأعادوها إلى مكانها الطبيعي... أمام مقاعد الدراسة، أمام 16 طالبة من أعمار مختلفة، تُدرّس لهن اللغة الأرمنية وكأن الزمن لم يمضِ.

وتقول صبحية بابتسامة يغمرها الحنين: "عدتُ إلى مهنتي الأساسية، وعدتُ إلى نفسي".

الدرباسية: فسيفساء التعايش الجميل

وتختم حديثها بفخر عن مدينتها، واصفة إياها بـ"الغنية بمكوناتها"، التي ضمّت الكرد والعرب والسريان والأرمن، عاشوا جميعاً كعائلة واحدة في سلام وتعاون، دون أن تعرف المدينة نزاعات قومية أو طائفية. بل كانت نموذجاً للتعايش المشترك، مثلها مثل عموم شمال وشرق سوريا، حيث الألفة والاحترام المتبادل سمة سائدة بين الجميع.

(ح)

ANHA