سبعيني يكتب حروف هويته.. اللغة الكردية تُنقذ حلماً عمره عقود

بعد عقود من التهميش والمنع، يمسك السبعيني محمد اليونس بالطابشور، ويرسم على السبورة حرف "A"، لا ليتعلم فحسب، بل ليكتب من جديد ما حاولت الأنظمة محوه لعقود. هوية تُستعاد، ولغة تُبعث من رماد المنع، وحلم عمر تحقق أخيراً.

سبعيني يكتب حروف هويته.. اللغة الكردية تُنقذ حلماً عمره عقود
سبعيني يكتب حروف هويته.. اللغة الكردية تُنقذ حلماً عمره عقود
سبعيني يكتب حروف هويته.. اللغة الكردية تُنقذ حلماً عمره عقود
سبعيني يكتب حروف هويته.. اللغة الكردية تُنقذ حلماً عمره عقود
سبعيني يكتب حروف هويته.. اللغة الكردية تُنقذ حلماً عمره عقود
سبعيني يكتب حروف هويته.. اللغة الكردية تُنقذ حلماً عمره عقود
سبعيني يكتب حروف هويته.. اللغة الكردية تُنقذ حلماً عمره عقود
الثلاثاء 10 حزيران, 2025   03:40
الحسكة
عبد الغني الهامان

كل صباح، ومع خيوط الشمس الأولى، يخرج محمد طاهر اليونس، ذو الـ 76 عاماً، من منزله في مدينة تل تمر بمقاطعة الجزيرة، متجهاً نحو المدرسة. يحمل في قلبه شغف المتعلم، وفي يده قلم ودفتر. ليس مشهداً اعتيادياً لرجل في عقده السابع، لكنه اليوم تلميذ على مقاعد الدراسة، يتعلم لغته الأم – الكردية، التي حُرم منها طيلة حياته.

ويقف محمد في الصف، عاقداً حاجبيه وهو يخط حروف اللغة الكردية على السبورة. بجسده المنحني وعقله المتقد بالحيوية، يحاول أن يرمم فجوة الحرمان اللغوي التي امتدت لعقود. ولم تمنعه سنوات العمر، ولا ظروف الحياة، من أن يعود اليوم إلى الصفوف الدراسية، ليعانق هوية لطالما كانت مقموعة، ويكحل عينيه بأحرفها الأولى.

ذاكرة محرومة وهوية مطموسة

"لم تطأ قدماي المدرسة يوماً"، يقول محمد اليونس، وهو يستعيد بدايات طفولته. كانت المدرسة تعني آنذاك مكاناً يفرض عليه تعلم لغة غير لغته، وهويّة لا تشبهه.

ويضيف: "في عهد نظام البعث، لم يكن لنا الحق بتعلم الكردية، لغتنا الأم. كانوا يفرضون علينا اللغة العربية، ويمنعوننا حتى من الحديث بالكردية في بعض الأحيان. عشنا طمساً منهجياً لهويتنا وثقافتنا".

وبينما يتحدث، تلمع عيناه، ويقول بحماسة: "الآن، وأنا أكتب أحرف لغتي على السبورة، أشعر أنني وُلدت من جديد".

ثورة روج آفا... بداية تصحيح التاريخ

وجاءت ثورة 19 تموز 2012، وتأسيس الإدارة الذاتية عام 2014 التي تعد اللغات الكردية والعربية والسريانية لغات رسمية، لتحمل معها رياح التغيير التي طالما انتظرها محمد اليونس وغيره من أبناء الشعب الكردي. حيث افتتحت المدارس وبات بإمكان كل مكوّن أن يتعلم بلغته الأم، بحرية وكرامة.

ويقول محمد: "أنا ممتنّ لهذه الفرصة التي لم أحصل عليها طيلة حياتي. لقد حصلنا على حقنا بتعلم لغتنا، بالتحدث بها، والكتابة بها، دون خوف أو خجل. هذا حق كان يجب أن يُمنح لنا منذ زمن طويل".

اللغة الأم... هوية وثقافة وحياة

تعلّم اللغة الأم ليس مجرد مهارة، بل هو استعادة للهوية، وتواصل مع الجذور، ومقاومة للنسيان القسري الذي فُرض على الشعوب لعقود. محمد يدرك تماماً أن ما يفعله اليوم هو أكثر من مجرد تعلم، إنه إحياء لتراثه الشخصي والقومي.

ويضيف: "أدعو كل من حُرم من لغته، أن يعود ويتعلم. لا شيء يساوي أن تخاطب العالم بلغتك، أن تقرأ وتكتب بها، أن تعلم أبناءك بها".

تكريم للقيم التي أعادت الأمل

وفي ختام حديثه، وجه محمد اليونس تحية لمن يُعد حجر الأساس في هذا التحول، قائلاً: "أنا ممتن للقائد عبد الله أوجلان، ولأفكاره التي أسهمت في تحرير العقول من الهيمنة، وفتحت أمامنا أبواب الحرية والمعرفة. كما أنحني إجلالاً لأرواح الشهداء الذين ضحوا كي نحيا بكرامة، ونتعلم بلغتنا، ونكون أحراراً في هويتنا".

(ح)

ANHA