شرق أوسط جديد يبدأ من السليمانية على يد النساء - حذامي محجوب

شرق أوسط جديد يبدأ من السليمانية على يد النساء - حذامي محجوب
الأربعاء 28 مايو, 2025   06:10

هل تستطيع المبادرات النسائية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أن تُحدث تحولاً حقيقياً ومستداماً في واقع النساء؟ هذا التحدي يخص تحالف ندى لأنه يعكس معركة مصيرية تخوضها نساء المنطقة ضد تاريخ من التهميش، وتحت وطأة واقع مضطرب سياسياً وأمنياً.

في مدينة السليمانية، التي تقف كشاهد على التحولات الكبرى وكمركز حي للثقافة والمقاومة المدنية، التأم تحالف ندى في مؤتمره الأول، جامعاً أصواتاً نسائية من 19 دولة. لم يكن اللقاء احتفالياً ولا تقليدياً، بل كان مساحة لإعادة تعريف الأولويات، وترسيم حدود جديدة للفعل النسوي، تتجاوز الشعارات وتذهب مباشرة إلى صلب المعضلات: الحروب، العنف الممنهج، النزوح، التهميش، والهيمنة الذكورية بكل تجلياتها.

اللافت أن النساء المشاركات لم يحملن معهن مظلومية، بل جلبن معها مشاريع ومقترحات وأفكاراً قابلة للتنفيذ. انطلقت النقاشات من أرض الواقع، حيث لا وقت للنظريات، وارتكزت على مبدأ بسيط لكنه جوهري: أن الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع عبر التنظيم والعمل والتضامن النسوي.

في جلسات مكثفة، تحوّل المؤتمر إلى مختبر للأفكار، حيث ناقشت النساء كيفية تجاوز التشتت، وتفعيل التحالفات العابرة للحدود، وبناء شبكات دعم تستند إلى التجربة لا إلى التنظير. لم يكن مفهوم "الثورة النسائية" مطروحاً كشعار راديكالي، بل كتحوّل عميق يستهدف البنية الاجتماعية والسياسية التي تجعل من المرأة عنصراً ثانوياً في مشهد القرار.

ما ميز هذا اللقاء عن سواه هو الجرأة في الطرح، والوضوح في تحديد أدوات المواجهة. الورشات لم تكن زخرفاً تنظيمياً، بل كانت منصات تدريب وتفكيك وتحليل، تناولت ملفات العنف الجنسي، التمكين الاقتصادي، الحضور السياسي، ومناهضة التمييز بجميع أشكاله. وكل نقاش حمل خلفه تجارب حقيقية، وأرقاماً، وحكايات، لا تُستعمل لإثارة الشفقة بل للاستنهاض.

وفي لحظة مفصلية، أعلنت المشاركات عن تأسيس "الكونفدرالية النسائية الديمقراطية العالمية"، ككيان جامع يضم الطاقات النسائية ويمنحها إطاراً مشتركاً للعمل والتأثير. هذه المبادرة ليست هيكلاً بيروقراطياً جديداً، بل مظلة نضالية تنبع من تراكم طويل وتجربة نسوية متعددة المشارب، تسعى لحماية النساء وتوسيع مساحاتهن في الفضاء العام.

ما خرج من السليمانية ليس مجرد بيان ختامي. إنه إعلان عن وعي جماعي جديد، وقرار صريح بأن زمن انتظار الإنصاف قد انتهى. النساء في الشرق الأوسط لم يعدن في موقع الدفاع، بل في قلب المعركة على المستقبل. من رحم الألم تولد رؤى، ومن فوضى الواقع تولد إرادة، ومن مدينة صمدت في وجه الرياح، ولدت خريطة طريق لشرق أوسط أكثر عدلاً وشمولاً.