تذكار لا يبدّله بالكنوز ويرى نفسه ثرياً بامتلاكه

لا يزال منان جعفر أحد روّاد اللغة الكردية في عفرين يحتفظ ببطاقته الجامعية في محفظته منذ تهجيره قسراً عن دياره وحتى اليوم، ويصفها بأنها تعيد للذاكرة سنوات من الكدح ومشقّات البحث والتحليل للوصول إلى الحقيقة وتمدّه بأمل العودة إلى الديار.

تذكار لا يبدّله بالكنوز ويرى نفسه ثرياً بامتلاكه
تذكار لا يبدّله بالكنوز ويرى نفسه ثرياً بامتلاكه
تذكار لا يبدّله بالكنوز ويرى نفسه ثرياً بامتلاكه
تذكار لا يبدّله بالكنوز ويرى نفسه ثرياً بامتلاكه
تذكار لا يبدّله بالكنوز ويرى نفسه ثرياً بامتلاكه
تذكار لا يبدّله بالكنوز ويرى نفسه ثرياً بامتلاكه
تذكار لا يبدّله بالكنوز ويرى نفسه ثرياً بامتلاكه
الثلاثاء 27 مايو, 2025   03:40
حلب
نسرين شيخو

أبى أن يتركها خلفه، وخبأها في جيب محفظته لترافقه مع القليل من أمتعته وآلة البزق وعددٍ من الكتب في رحلة تهجيره القسرية، وتكون رفيق وحدته وتحيّي أمل العودة إلى الديار وتعيد للذاكرة سنوات من الكدح حققه على مدار سنوات طويلة. 

بطاقة صغيرة في حجم راحة اليد، يصفها حاملها بأنها أثمن من كنوز العالم، ويعدّ نفسه من أغنى الأشخاص لامتلاكها، حيث يرى أن المرء فقير ما لم يحمل العلم والمعرفة ولغته في حوزته.

منان جعفر من قرية باصوفان التابعة لبلدة شيراوا في عفرين المحتلة من قبل تركيا ومرتزقتها، ذو الـ 57 عاماً، أحد أهم وأبرز المساهمين في إحياء وصون اللغة الكردية ونشرها في منطقة عفرين المحتلة، وأوائل من وضعوا المناهج التعليمية للمدارس والمعاهد والجامعات باللغة الأم.

عُرِف منان جعفر في فترة شبابه بهيامه بالتعلم باللغة الأم ولم يتقبل فكرة التعلم بلغة فُرضت عليه ولا تمثل هويته أو قوميته، ليبدأ من الصفر وينطلق في إجراء البحوث لأجل الوصول إلى الأهداف وتحقيق ما لم يستطع أترابه من تحقيقه أو حتى الجرأة على التفكير به.

في أعوام السبعينيات، عندما كان صبياً يافعاً، حاول استكشاف سبب منع التحدث أو التعلم بلغته في مدارس نظام البعث. دفعه ذلك إلى التعمق والبحث عن الأجوبة، من خلال الغوص في جذور التاريخ وخوض الكثير من النقاشات مع من يكبره عمراً ووعياً، سواء من عائلته أو محيطه، والتواصل مع شخصيات مثقفة معنية بشؤون التاريخ والثقافة واللغة.

حالفه الحظ حين قابل شخصاً استطاع أن يعلّمه بلغته، بدءاً من الأساسيات كالحروف وقواعد النطق والكتابة. ورغم أن ذاكرته لم تسعفه في تذكر اسمه، إلا أنه يتذكر أنه من قرية شوديري التابعة لبلدة شيراوا في عفرين المحتلة.

واصل منان جعفر البحث والتحليل عن اللغة، متسائلاً عن منبعها وأسباب الحملات ضد التاريخ والثقافة الكردية، وما سبب منع تدريس هذه اللغة في المدارس، حتى دخل الجامعة في عام 1988.

بدأت نقطة التغير لدى منان جعفر بدخوله الجامعة، حيث تعرف على الشهيد جان جاك، الاسم الحقيقي أدهم عمر، الذي قرر الانضمام لحركة حرية كردستان دون أن يكمل دراسته في جامعة لم تعترف يوماً باللغة والقضية الكردية. قاما معاً بخوض الكثير من التجارب والنقاشات حول السياسة وغيرها على مدار خمسة أعوام في الكلية نفسها.

أثر شهادة جان جاك، المنحدر من قرية بيلة التابعة لبلدة بلبلة في عفرين المحتلة، بشكل كبير على جعفر. انضم جان جاك إلى الحركة في عام 1992 واستشهد في خاكوركه عام 1996، وهو العام نفسه الذي تخرج فيه من الجامعة. تعهد بتخليد تضحية جان جاك عبر إحياء ونشر اللغة الكردية في منطقته.

وبشكل سري، تجنباً للملاحقة الأمنية، قام منان بنقل الحصيلة اللغوية التي اكتسبها من تجاربه إلى محيطه، ملتزماً بالوعد الذي قطعه على نفسه للشهيد جان جاك.

من السري إلى العلني أُسس نظاماً تربوياً بعد طرد قوات نظام البعث من المنطقة، لتوثق المدرسة التي سميت باسم "الشهيد فوزي"، كأول مدرسة لتعليم اللغة الكردية في قرية دراقليا في منطقة عفرين، بتاريخ 6 تشرين الأول عام 2011.

كما تم تشكيل اتحاد المدرسين عام 2012 واتخذ منان جعفر مكاناً له ضمن صفوف هذا الاتحاد، وكان من أوائل المساهمين في التدريس باللغة الكردية في مدارس المنطقة.

وضع منان جعفر اللبنة الأساسية للتدريس في المنطقة مع عدد من الشخصيات المهتمة بشؤون التعليم، عبر مساهمته في إنشاء المناهج الدراسية باللغة الكردية ووضع قواعدها.

مع افتتاح أول معهد يدرس فيه اللغة الكردية في عفرين على مستوى روج آفا باسم فيان أمارا بتاريخ 2014، أصبح منان جعفر محاضراً في كلية الآداب واللغة الكردية.

وفي 2015 افتتحت ضمن مركز عفرين أول جامعة للتدريس باللغة الكردية في روج آفا واستوعب أكثر من 750 طالب /ـة ضمت خمس كليات باسم جامعة عفرين، حصل جعفر على البطاقة الجامعية التي تؤهله لإلقاء المحاضرات فيها.

يرى جعفر أن كل هذه المكتسبات ضيّق الخناق على الاحتلال التركي الذي لا يعترف بالهوية الكردية أساساً، ما دفعه للانتقام من النجاحات التي أحرزت في عفرين على مستوى التعليم والاقتصاد والسياسة والإدارة.

وشن الاحتلال التركي بتاريخ 20 كانون الأول هجوماً برياً وجوياً مستهدفاً المناطق الأثرية التي تشتهر وتتميز بها المنطقة والتي تبرز وتعبر عن الثقافة والفلكلور والوجود الكردي وانتهى الهجوم باحتلالها بتاريخ 18 آذار عام 2028، مع تحويل أماكن التدريس إلى نقاط عسكرية وبعضها إلى مقرات لتعذيب المختطفين وتغيير أسمائه وتتريكه.

اضطر منان جعفر مع عائلته لمغادرة وطنه الذي زرع فيه ثمار كدحه في المجال التربوي والتعليمي، وهو يئن على المصاب، لكنه لم ينسَ أن يأخذ بطاقته الجامعية مع حزمة من الكتب وآلة البزق مع أمتعته في رحلة تهجيره القسرية صوب مقاطعة الجزيرة.

واصل منان جعفر مهنته بالتدريس في جامعة روج آفا في قامشلو والتي تأسست في عام 2016 لمدة خمس سنوات على التوالي في كلية الآداب واللغة الكردية، كما أسهم في افتتاح معهد للترجمة بين اللغة العربية والكردية والإنكليزية في تلك الجامعة.

ولدى انتقال منان جعفرمع عائلته من الجزيرة إلى مدينة حلب عام 2023، عمل في العديد من المؤسسات سواءً التربوية أو الشاغلة في مؤسسات المجتمع المدني مع الاحتفاظ ببطاقته الجامعية وصونها وحملها معه أينما عمل.

ويوضح جعفر سبب احتفاظه بالبطاقة الجامعية "لكل إنسان ذكرى لا يستطيع نسيانه وتجاوزه أما بالنسبة لي فبطاقتي الجامعية أعدّها هويةً لي وتذكاراً لن أستغني عنه مهما قست الظروف لأنها ثمرة سنوات طويلة من التحليل والبحث عن الحقيقة".

ويعبّر جعفر عن أمله بالعودة "سنزرع ما حصدناه طيلة سنوات الغربة من تجارب في أرضنا الخصبة، ونطور منطقتنا مرة أخرى وسنحيي جامعاتنا ومعاهدنا ومدارسنا مرة أخرى بروح كردية ".

(أم)

ANHA