الزراعة أمام تحدٍّ وجودي: الجفاف يقضي على المحاصيل ويهدد الأمن الغذائي

يشهد إقليم شمال وشرق سوريا أزمة زراعية حادة هذا العام، نتيجة شح الأمطار وتفاقم الجفاف وقطع الاحتلال التركي لمياه الأنهار، ما أدى إلى تدهور واسع في المحاصيل الزراعية وخاصة البعلية منها، الأمر الذي ينعكس سلباً على الأمن الغذائي واقتصاد المنطقة.

الزراعة أمام تحدٍّ وجودي: الجفاف يقضي على المحاصيل ويهدد الأمن الغذائي
الزراعة أمام تحدٍّ وجودي: الجفاف يقضي على المحاصيل ويهدد الأمن الغذائي
الزراعة أمام تحدٍّ وجودي: الجفاف يقضي على المحاصيل ويهدد الأمن الغذائي
الزراعة أمام تحدٍّ وجودي: الجفاف يقضي على المحاصيل ويهدد الأمن الغذائي
السبت 17 مايو, 2025   03:40
الحسكة

تُعد الزراعة العمود الفقري للحياة الاقتصادية والاجتماعية في شمال وشرق سوريا، إذ يعتمد غالبية السكان في هذه المناطق على الزراعة كمصدر رئيس للرزق والمعيشة. وتتميز المنطقة بوفرة الأراضي المنبسطة والصالحة للزراعة، إلى جانب مناخها المعتدل نسبياً الذي كان، حتى السنوات الأخيرة، ملائماً لنمو محاصيل الحبوب كالقمح والشعير، إضافة إلى البقوليات والخضروات. 

وهذه العوامل الطبيعية، إلى جانب الخبرة المتوارثة لدى الأهالي في العمل الزراعي، جعلت من الإقليم سلة غذائية أساسية لسوريا، وأسهمت في تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي. إلا أن التغيرات المناخية، وتراجع الدعم الزراعي، تهدد اليوم هذا القطاع الحيوي بشكل غير مسبوق.

وتعتمد غالبية الأراضي الزراعية في شمال وشرق سوريا على مياه الأمطار، ومع دخول المنطقة عامها الخامس من التراجع المطري، باتت الزراعة البعلية شبه معدومة في العديد من المناطق.

وفي السياق، يصف المزارع عثمان الأحمد من قرية سميحان غربي في مدينة تل براك بمقاطعة الجزيرة، الموسم الزراعي الحالي بـ "الأسوأ على الإطلاق".

وأكد أن "شح الأمطار وتقلبات الطقس هذا العام قضت بالكامل على محاصيل القمح والشعير البعلي، وحتى الزراعات المروية تدهورت بسبب تأخر توزيع مادة المازوت، ما أدى إلى تأخير ري المحاصيل وفقدان الكثير منها".

وفي مدينة الشدادي، تتكرر الصورة ذاتها، حيث أكد المزارع بشار الحمد أن موسم الكمون والقمح والشعير قد تعرض لخسائر جسيمة بسبب غياب الأمطار، قائلاً: "كل شيء احترق على الأرض، نعتمد على موسم واحد سنوياً، وإذا فشل، فهذا يعني أن عامنا كله ضاع، ومعه قوت عائلاتنا".

الزراعة المروية ليست أفضل حالاً

ورغم أن الزراعة المروية من المفترض أن تكون أكثر استقراراً، إلا أن المزارعين أكدوا أنها تضررت بشكل كبير، ليس فقط بسبب شح المياه، بل نتيجة ضعف الإدارة اللوجستية وعدم انتظام توزيع الوقود.

عثمان الأحمد أشار إلى أن المازوت وصلهم في ثلاث دفعات متأخرة، الأمر الذي أثر على توقيت ري المزروعات، وبالتالي على إنتاجيتها.

ومن جانبه، أكد المزارع جاسم الحمو من مدينة الهول أن الأزمة مستمرة منذ عام 2020، لكن الموسم الحالي هو "الأكثر جفافاً"، حيث لم يتمكن من تأمين احتياجاته من البذار والأسمدة، واضطر للجوء إلى السوق السوداء بأسعار مرتفعة جداً، وقال: "نعمل بالخسارة منذ سنوات، لكن هذه السنة تحديداً كانت الضربة القاضية".

نهر الخابور يختفي وتل تمر تدفع الثمن

وفي مدينة تل تمر، تزداد الأمور سوءاً بسبب انقطاع مياه نهر الخابور منذ خمس سنوات، بعد احتلال مدينة سري كانيه من قبل تركيا ومرتزقتها.

وفي السياق يقول الخبير الزراعي والرئيس المشترك للجنة الزراعية في تل تمر، سعيد النايف إن: "معظم المزارعين في المنطقة يعتمدون على نهر الخابور لري أراضيهم. ومع انقطاع جريانه، لم يتبقَّ أي مصدر طبيعي للري، ما أدى إلى ضعف كبير في المحاصيل، وتراجع الثروة الحيوانية".

النايف أشار إلى أن قلة الإنتاج تؤثر بشكل مباشر على المخزون الغذائي للمنطقة، وأن هيئة الزراعة حاولت التخفيف من الأزمة عبر توزيع حاجة أربع ريات من مادة المحروقات بدلاً من خمس، ولكن حجم الطلب والمشكلات البنيوية أكبر من طاقتها، خاصة مع استهداف محطات النفط والتكرير من قبل طائرات الاحتلال التركي.

تأثير مباشر على حياة المواطنين

ولا تنحصر أزمة الجفاف والزراعة في خسائر المزارعين فقط، بل تمتد إلى حياة المواطنين كافة. فمع تراجع المحاصيل، تنخفض فرص العمل الموسمية، وتتراجع القدرة الشرائية، ويزداد الضغط على أسعار المواد الغذائية والأعلاف. ووفق ما أوضحه عثمان الأحمد.

وأضاف: "الزراعة الوفيرة تؤمن اكتفاء ذاتي، وتشغل الأيدي العاملة، وتنعش الثروة الحيوانية. اليوم فقدنا كل ذلك، ومعه فقدنا التوازن الاقتصادي للمنطقة".

فيما أضاف بشار الحمد من الشدادي: "الخسائر تراكمية. من لم يفلّس هذا العام، لن يستطيع أن يزرع العام القادم، لا مال ولا دعم ولا أمل في موسم جديد".

مطالبات عاجلة من المزارعين للجهات المعنية

وأجمع المزارعون الذين تحدثوا إلينا على سلسلة مطالب عاجلة لإنقاذ ما تبقّى من القطاع الزراعي، وأبرزها تحديد تسعيرة عادلة للقمح والشعير تغطي تكاليف الإنتاج، وتعوّض المزارعين عن خسائرهم. وتوزيع منتظم ومبكر للمازوت وفق جدول زمني يتناسب مع احتياجات الري.

إلى جانب توفير بذار وأسمدة مضمونة بأسعار مدعومة وتحت إشراف لجان مختصة لضمان عدالة التوزيع مع وضع خطة إنقاذ مائي لتطوير أساليب الري الحديث، والاستثمار في الآبار أو أنظمة التنقيط. فضلاً عن حماية القطاع الزراعي من السوق السوداء عبر تدخل مباشر من مؤسسات الزراعة في تأمين المواد الأساسية.

النداء الأخير يُوجّه الآن

ومع استمرار الجفاف وتدهور البنية التحتية الزراعية، أصبح مستقبل الزراعة في شمال وشرق سوريا مهدداً على نحو غير مسبوق. وفي ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية والبيئية، يخشى المزارعون من أن لا يستطيعوا الزراعة العام المقبل.

(ح)

ANHA