من البندقية إلى الديمقراطية: قراءة تحليلية في مؤتمرات حزب العمال الكردستاني

منذ تأسيسه عام 1978، اعتمد حزب العمال الكردستاني على المؤتمرات كأداة جوهرية لإعادة التقييم والتطوير. وفي كل مفصل من مفاصل النضال الكردستاني، لعبت هذه المؤتمرات دوراً محورياً في بلورة السياسات، وطرح الأفكار، وإعادة هيكلة التنظيم وفقاً لمتغيرات الواقع. فمن "فيس" إلى "خنيره"، ومن الكفاح المسلح إلى مشروع الأمة الديمقراطية، بقيت المؤتمرات أداة فعل وتحول دائم.

من البندقية إلى الديمقراطية: قراءة تحليلية في مؤتمرات حزب العمال الكردستاني
الإثنين 12 مايو, 2025   07:40
مركز الأخبار
حسن رمو

شهد حزب العمال الكردستاني PKK منذ تأسيسه عام 1978 سلسلة من المؤتمرات التي شكّلت معالم رئيسة في تطوره السياسي والعسكري والفكري. وعكست تلك المؤتمرات تحولات جذرية في فكره وتنظيمه واستراتيجيته، من حركة ثورية مسلحة إلى تنظيم سياسي مرن يسعى لبناء ديمقراطية متعددة الجوانب.

وشكلت هذه المؤتمرات نقاط انعطاف أساسية في مسيرة الحزب، كل منها يحمل بصمته الخاصة في تشكيل الواقع السياسي والنضالي الكردي حتى يومنا هذا.

ويعرض هذا التقرير أبرز محطات تلك المؤتمرات، بوصفها سجلاً حياً للتحول الاستراتيجي والأيديولوجي.

المؤتمر التأسيسي – 1978: الانبعاث والانطلاقة

انعقد المؤتمر التأسيسي لحزب العمال الكردستاني في 26 و27 من تشرين الثاني عام 1978، في قرية "فيس" التابعة لناحية "لجي" في ولاية آمد (دياربكر). وحضر المؤتمر 22 مندوباً من أصل 25، من بينهم مندوبتان نسويتان، ما عكس حضور المرأة في النضال منذ البدايات.

وتم في المؤتمر قبول البرنامج السياسي والنظام الداخلي، بالإضافة إلى البيان التأسيسي الذي أعدّه القائد عبد الله أوجلان (APO)، والذي عُيّن سكرتيراً عاماً للحزب، فيما عُيّن محمد كاراسونكر وشاهين دونمز مساعدين له.

وأعلن المؤتمر عن تأسيس لجنة مركزية مؤقتة من ثلاثة أعضاء، مخوّلاً القائد باستكمال العدد إلى سبعة، وفقاً للنظام الداخلي.

المؤتمر الثاني – 1982: بداية العودة إلى الوطن

في الفترة من 20 إلى 25 آب 1982، عقد الحزب مؤتمره الثاني في أحد معسكرات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين جنوب سوريا. بحضور 65 مندوباً، من ضمنهم 10 مندوبات، وشكّل نقطة تحول باتجاه الكفاح المسلح والعودة إلى الوطن.

وتبنى المؤتمر الوثائق الاستراتيجية التي أعدها القائد عبد الله أوجلان، وجرى انتخاب لجنة مركزية جديدة من 11 عضواً. وعُدَّ المؤتمر بداية المرحلة التنظيمية الكفاحية الفعلية في الداخل الكردستاني.

المؤتمر الثالث – 1986: ترسيخ النهج الإيديولوجي وتشكيل الجيش

انعقد المؤتمر الثالث بين 25 و30 تشرين الأول 1986 في لبنان. اتسم بطابع تنظيمي وإيديولوجي عميق، حيث أدخل تغييرات جذرية على هيكلية الحزب ومفاهيمه، خاصة فيما يتعلق بالتنظيم والعقيدة القتالية.

وتم في هذا المؤتمر تأسيس جيش تحرير شعب كردستان (ARGK)، وتحديد هدف تطوير "نهج القيادة" وتنظيم الطبقة العاملة والنساء والشباب. وازداد عدد أعضاء اللجنة المركزية إلى 25، وعُرف هذا المؤتمر كمحطة محورية في ترسيخ نهج حرية المرأة والفكر.

المؤتمر الرابع – 1990: تقييم التحولات الإقليمية وتكتيك المقاومة

عُقد المؤتمر الرابع للحزب بين 26 و31 كانون الأول 1990 في ساحة "حفتانين" بجنوب كردستان. تميّز بتقييم المرحلة التي سبقت وأعقبت حرب الخليج الأولى، وشهد نقاشات حول سلوك بعض القيادات، لا سيما "شمدين ساكك"، وتمت محاسبته تنظيمياً.

وخلال المؤتمر جرى التأكيد على توسيع قوات الكريلا وخلق مناطق حمراء خاضعة لنفوذ الحزب وحده. وأنهى المؤتمر أعماله بانتخاب لجنة مركزية جديدة، وركّز على تعزيز التنظيم العسكري والسلطة السياسية.

المؤتمر الخامس – 1995: التصحيح والمحاسبة

انعقد المؤتمر الخامس للحزب في الفترة ما بين 8 – 27 كانون الأول عام 1995 بمشاركة 231 مندوباً أصلياً. كان أول مؤتمر يعقد بعد انهيار المنظومة الاشتراكية في العالم، وشهد تحولات إيديولوجية وفكرية كبيرة.

وفي المؤتمر طرح القائد عبد الله أوجلان وثيقة شاملة تضم تحليلات معمقة ونداءات لتجديد البرنامج السياسي والعسكري.

وعُرف هذا المؤتمر بـ "مؤتمر التصحيح والمحاسبة"، وتم فيه تقييم أربع سنوات من النضال المسلح، وتأكيد التحضير لمواجهة حرب محتملة مع الدولة التركية.

المؤتمر السادس – 1999: مواجهة المؤامرة الدولية

عقب المؤامرة الدولية التي استهدفت القائد عبد الله أوجلان في 8 تشرين الأول 1998 والتي أدت إلى خروجه من سوريا وقُبيل اعتقاله وتسليمه لتركيا في 15 شباط عام 1999، عقد المؤتمر السادس لحزب العمال الكردستاني في الفترة ما بين 12 كانون الثاني – 18 شباط 1999، في منطقة "خنيره" بجنوب كردستان.

ورغم التوترات، حاول الحزب عبر المؤتمر معالجة تداعيات المؤامرة الدولية، وقرر النضال المشترك ضدها. وخرج بتوصيات لتعزيز الخط المقاوم.

المؤتمر السابع – 2000: الانبعاث من جديد

في ظل التغيّرات السياسية عقب المؤامرة الدولية التي استهدفت القائد عبد الله أوجلان، انعقد المؤتمر السابع الاستثنائي بين 2 و23 كانون الثاني 2000 في "دولاكوكي" بقنديل. اتخذ المؤتمر قرارات لإعادة التأسيس على أسس نضال ديمقراطي، وألغى اسم "ARGK جيش تحرير شعب كردستان" لتحل محله "HPG قوات الدفاع الشعبي".

كما ألغى اسم " ERNK جبهة التحرير الوطني الكردستاني" وتم اقتراح تنظيم الجماهير ضمن "اتحاد الشعب الديمقراطي"، في محاولة لتحويل الحزب إلى تنظيم ديمقراطي شعبي واسع.

المؤتمر الثامن – 2002: تحولات شكلية ومحاولات تصفية

عُقد المؤتمر الثامن لحزب العمال الكردستاني في الفترة من 4 إلى 10 نيسان 2002 في ساحة الشهيد "هارون" بقنديل، بمشاركة 285 مندوباً. اتّخذ المؤتمر قراراً بتغيير اسم الحزب إلى "KADEK – مؤتمر الحرية والديمقراطية لكردستان"، في خطوة عكست توجهاً جديداً نحو إعادة صياغة الهوية التنظيمية والسياسية. كما أُقرت تعديلات على البرامج والمبادئ، خصوصاً فيما يتعلق بالعمل في شمال كردستان، بهدف تعزيز نضالات المرأة والشباب والتنظيمات الجماهيرية.

إلا أن المؤتمر شهد أيضاً محاولات مثيرة للجدل من قبل فرهاد (أوصمان أوجلان)، الذي سعى إلى تقليص دور الكوادر الفدائيين المحترفين عبر اقتراح خفض رتبتهم التنظيمية، وهو ما قوبل برفض قاطع من قبل الحضور الذين عبّروا عن اعتراضهم بتصفيق حاد وقوفاً. كما اقترح إدراج "نظام التنسيق المؤثر" ضمن الهيكل القيادي الجديد، وقد تم قبول هذا المقترح. وبعيد المؤتمر، اجتمعت اللجنة المركزية المنتخبة لـ "KADEK" وشكلت مجلس رئاسة مؤلف من تسعة أعضاء، عُيّن "جميل باييك" منسقاً فعلياً له.

في السياق نفسه، واصل فرهاد الدفع باتجاه تنظيم عناصر تُعدّ معادية لتوجه الحزب، في مسعى واضح لتعزيز خط تصفوي داخل التنظيم. وعند عرض نتائج المؤتمر على القائد عبد الله أوجلان، لم يُبدِ قبولاً إيجابياً واضحاً لاسم "KADEK"، ما أظهر تحفظه على هذا التحول.

المؤتمر التاسع – 2005: العودة إلى الجذور والتنظيم من جديد

في الفترة الممتدة بين 28 آذار و4 نيسان 2005، عقد حزب العمال الكردستاني مؤتمره التاسع في منطقة "خنيره"، بمشاركة 205 مندوبين. مثّل هذا المؤتمر لحظة تأسيس جديدة للحزب، حيث تم إعداده استناداً إلى خلاصات فكرية وتنظيمية مستوحاة من كتاب "الدفاع عن الشعب" للقائد عبد الله أوجلان. أقرّ المؤتمر نظاماً داخلياً وبرنامجاً جديدين يعكسان التحول الفكري والإيديولوجي الذي مر به الحزب خلال السنوات السابقة.

كما أعلن المؤتمر اعتماد الرمز والعلم السابقين لـ "جبهة التحرير الوطني الكردستاني ERNK" كرمز وعلم جديدين لحزب العمال الكردستاني "PKK"، في محاولة للربط بين التاريخ النضالي والاستمرارية الفكرية.

وشهد المؤتمر إعادة هيكلة تنظيمية، حيث تم انتخاب قيادة جديدة للحزب وتشكيل ما عُرف بـ "مجلس الحزب"، بالإضافة إلى اعتماد نظام الرئاسة المشتركة، إلا أن هذا النظام لم يُفعّل عملياً، وتم لاحقاً تحييده بموافقة القائد عبد الله أوجلان. ورغم أن المؤتمر سجل تقدماً ملحوظاً على الصعيد التنظيمي وتعزيز وحدة الحزب، إلا أنه عانى من ضعف في التعبير النضالي الحاسم، خصوصاً في مواجهة التيارات التصفوية داخل الحركة.

المؤتمر العاشر – 2008: تحويل المهام النضالية وترسيخ الانضباط

عُقد المؤتمر العاشر للحزب بين 21 و30 آب 2008 في منطقة قنديل، بحضور أعضاء من الدورة التدريبية، وشهد تطوراً تنظيمياً تمثل في استبدال نظام الرئاسة المشتركة بنظام التنسيق الحزبي، دون إدخال تغييرات جوهرية على البرنامج والنظام الداخلي.

وتم التركيز في هذا المؤتمر على تقييم المرحلة السابقة، وانتقاد السياسات التي رآها المؤتمرون شكلاً من أشكال "الإصلاح الاجتماعي المخفي"، والتي وُصِفت بأنها تهديد لبنية الحزب الثورية.

ومن أبرز محطات المؤتمر كان فتح منبر للنقد والنقد الذاتي عبر تقارير مكتوبة قدمها أعضاء القيادة، ما عزّز من قيم الشفافية والمسؤولية التنظيمية.

وانتهى المؤتمر بإعلان مهام جديدة للمرحلة المقبلة، تمحورت حول "الكفاح من أجل حرية القائد"، كما تم انتخاب قيادة جديدة للحزب، في أجواء تميّزت بتأكيد الوحدة ورفع المعنويات.

المؤتمر الحادي عشر – 2013: ترسيخ مفهوم الأمة الديمقراطية

بين 5 و13 أيلول 2013، انعقد المؤتمر الحادي عشر لحزب العمال الكردستاني مجدداً في "خنيره"، بحضور 125 مندوباً.

وشكّل هذا المؤتمر لحظة فكرية وسياسية فاصلة، إذ جرى فيه اعتماد البرنامج والنظام الداخلي المستندان إلى كتابي القائد عبد الله أوجلان: "مانيفستو المجتمع الديمقراطي" و"الدفاع عن الشعب". وبذلك تم ترسيخ مفهوم "الأمة الديمقراطية" كإطار نضالي جماهيري للحزب، وتحويله من مجرد مفهوم فكري إلى برنامج عملي واضح.

وتميّز المؤتمر أيضاً بتعديلات تنظيمية مهمة، حيث استُبدل "نظام التنسيق" بمنصب "السكرتارية العامة"، كما استُبدل "مجلس الحزب" بـ "اللجنة المركزية"، ما أعاد صياغة الهيكل القيادي بما يتوافق مع تطورات الحزب ومهامه الجديدة.

وناقش المؤتمر بإسهاب الأبعاد الفكرية والتنظيمية والسياسية والعسكرية، وأصدر جملة من المخططات والقرارات الجوهرية التي مثّلت خريطة طريق للمرحلة المقبلة.

وقد أُعلن في ختام المؤتمر عن عدد أعضاء اللجنة المركزية الجديدة، والتي بلغت 55 عضواً وعضوة، فيما تم توزيع المهام التنظيمية بين السكرتارية العامة وسكرتارية اللجنة المركزية لاحقاً خلال اجتماع خاص باللجنة المنتخبة.

المؤتمر الثاني عشر – 2025: الإرث مستمر.. والتجدد قائم

وأعلن حزب العمال الكردستاني، عبر وكالة فرات للأنباء يوم التاسع من أيار الجاري 2025، عن انعقاد مؤتمره الثاني عشر بين 5 و7 أيار 2025، في منطقتين مختلفتين من مناطق الدفاع المشروع "مديا" في جنوب كردستان. وشارك في المؤتمر مندوبون من جميع المناطق التي ينشط فيها الحزب.

وذكر البيان أن المؤتمر عُقد استجابة لنداء "السلام والمجتمع الديمقراطي" الذي أطلقه القائد عبد الله أوجلان في 27 شباط من العام الجاري، وتمت قراءة مقترحاته والتقرير المركزي.

وأعلن الحزب أن المؤتمر اتخذ قرارات ذات طابع تاريخي تؤسس لمرحلة جديدة من العمل على أساس مبادئ القائد. كما تم تكريم الشهداء، وعلى رأسهم الشهيد سري سُريا أوندر، والتأكيد على ضرورة تصعيد النضال من أجل الحرية الجسدية للقائد.

وأفاد البيان أنه سيتم إعلان نتائج المؤتمر قريباً بعد دمج تقارير الساحتين المختلفتين.

خلاصة

إن تتبع مسار مؤتمرات حزب العمال الكردستاني يكشف بوضوح عن دينامية فكرية وتنظيمية قلّ نظيرها في تاريخ الحركات التحررية المعاصرة. فمنذ تأسيسه، لم يتوانَ الحزب عن إعادة النظر في أساليبه وأفكاره وحتى هويته التنظيمية، مستجيباً لتغيرات الواقع الكردستاني والإقليمي والدولي.

ولعبت هذه المؤتمرات دوراً محورياً في انتقال الحزب من الثورة المسلحة التقليدية إلى مشروع الأمة الديمقراطية، ومن المركزية الصارمة إلى النماذج اللامركزية التشاركية، مع الحفاظ على جوهر النضال التحرري.

وبين كل مؤتمر وآخر، ظهر أن الحزب لم يكتفِ بالثبات على ما أنجزه، بل تعامل مع كل مرحلة بوصفها محطة لبناء جديد، غالباً ما ترافق مع نقد ذاتي قاسٍ وخيارات مصيرية. وإذا كانت بعض المؤتمرات قد شهدت اتجاهات تصفوية، فإن الحزب في مجمله أظهر قدرة على تجاوز الأزمات، وتطوير أدوات كفاحه الفكري والتنظيمي.

وعليه، فإن مؤتمرات حزب العمال الكردستاني لا يمكن قراءتها كمجرد أحداث تنظيمية، بل كمرآة لتحول استراتيجي طويل المدى، سعى فيها الحزب بشكل دائم نحو حرية الإنسان والمجتمع، وعلى رأسه حرية القائد عبد الله أوجلان، التي باتت اليوم المطلب الأساسي لملايين البشر.

(ANHA)