الموحدون الدروز: تاريخ وعقيدة وانتشار وتحديات

تتميز الطائفة الدرزية بإرثها العريق وعقيدتها الفريدة، وتواجه اليوم تحديات مصيرية في ظل الاضطرابات المستمرة التي تشهدها سوريا. ورغم تمسّكها بخصوصيتها واستقلالها، يبقى الأمل قائماً في مستقبل يُحافظ فيه على التنوع، ويُصان فيه الحق في الحياة والكرامة، ضمن إطار دستور سوري ديمقراطي يضمن العدالة للجميع.

الموحدون الدروز: تاريخ وعقيدة وانتشار وتحديات
الأحد 4 مايو, 2025   05:01
مركز الاخبار
سيبان سلو

يمتدّ تاريخ وجود الموحدين الدروز في سوريا إلى قرون طويلة، وقد لعبوا أدواراً محورية في محطات تاريخية بارزة. فقد شارك الدروز في معركة حطين إلى جانب صلاح الدين الأيوبي عام 1187 ضد الصليبيين، كما وقفوا في صف المماليك في معركة عين جالوت عام 1260 لمواجهة الغزو المغولي.

في القرن التاسع عشر، تحالف الدروز مع العثمانيين في مواجهة حملة محمد علي باشا، وألحقوا خسائر كبيرة بجيشه في جبل العرب، بقيادة الشيخ يحيى الحمدان. غير أن العلاقة بين الطرفين توترت لاحقاً بسبب محاولات العثمانيين فرض سيطرتهم على الجبل. ففي عام 1911، أعدم العثمانيون عدداً من زعماء الدروز مثل ذوقان الأطرش ويحيى عامر.

لاحقاً، أعلن الدروز تأييدهم للثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين، وكان الشيخ سلطان باشا الأطرش في طليعة من رفعوا رايتها. وتقدّم الصفوف مجدداً عام 1925، حين قاد الثورة السورية الكبرى ضد الاحتلال الفرنسي، رافضاً مشاريع التقسيم، وعلى رأسها إقامة دولة درزية مستقلة، ومتمسكاً بوحدة سوريا. رفض عروض الفرنسيين لتولي حكم جبل الدروز، وشارك في معركة ميسلون عام 1920. وظل رمزاً للنضال الوطني حتى وفاته عام 1982.

العقيدة والمعتقدات

الديانة الدرزية، المعروفة باسم "التوحيد"، تأسست في أوائل القرن الحادي عشر الميلادي إبان الخلافة الفاطمية، على يد حمزة بن علي بن أحمد بإيعاز من الخليفة الحاكم بأمر الله. وتُعد "رسائل الحكمة" مرجعهم العقائدي الأساسي، حيث تضم 111 رسالة موزعة على ست مجلدات.

يؤمن الموحدون بالتوحيد المطلق لله، ويقدّسون النبي شعيب، ويُعدّ تناسخ الأرواح من أبرز معتقداتهم، حيث يعتقدون أن الروح تنتقل من جسد إلى آخر بعد الوفاة.

ويمكن القول إن الدرزية لها علاقة غير مباشرة بالديانة الزردشتية التي تُعد واحدة من أقدام الديانات التوحيدية في العالم، حيث أثّرت الزردشتية في الديانات اللاحقة، خصوصاً من ناحية التوحيد، والثنائية بين الخير والشر.

وخاصة أن الديانة الدرزية ظهرت من رحم المذهب الإسماعيلي الشيعي، لكنها طورت عقائد فريدة جداً، تميل إلى التوحيد الفلسفي والباطني، وممكن تلاحظ تأثيرات من:

الفلسفة الأفلاطونية والغنوصية والزردشتية (بشكل غير مباشر)

حيث أن كتب مثل "رسائل الحكمة" فيها إشارات لرمزية النور والتناسخ، وهي أفكار لها جذور زردشتية وغنوصية.

التوزيع الجغرافي والتعداد

يقدَّر عدد الموحدين الدروز عالمياً بين 1.5 إلى 2.5 مليون، موزعين كما يلي:

سوريا: حوالي 700–800 ألف، متمركزين في السويداء، جرمانا، صحنايا، والجولان.

لبنان: في الشوف والمتن وكسروان

فلسطين وإسرائيل: في الجليل والكرمل والجولان المحتل.

الأردن: في الأزرق والسلط.

الاضطهادات والمجازر

تعرض الدروز في عدة فترات تاريخية لمجازر واضطهادات:

1860: خلال الفتنة الطائفية في جبل لبنان، حيث قُتل الآلاف من الدروز والمسيحيين.

1925: خلال الثورة السورية، قُتل العديد من الدروز في المواجهات مع الفرنسيين.

ما بعد 2011: هجمات من مرتزقة داعش على قرى درزية، أبرزها في السويداء عام 2018، التي راح ضحيتها حوالي 200 درزي.

الهجمات الأخيرة في سوريا والنعرات الطائفية

تعرض الدروز الذين برزوا في السويداء بموقف معارض لنظام بشار الأسد بعد سقوط نظامه، لهجمات عدة ونعرات طائفية شديدة، انفجرت مؤخراً في صحنايا وجرمانا وامتدت لقرى في السويداء.

هذه الهجمات التي ما تزال مستمرة، تصاعدت مع انتشار تسجيل صوتي مسيء دينياً، في 28 نيسان الفائت، ما أدى إلى هجمات تعرض لها الدروز وطالت الطلاب في الجامعات أيضاً، أسفرت عن سقوط العديد من القتلى والجرحى، جراء الاعتداء من قبل مسلحين موالين لسلطة دمشق على المناطق الدرزية.

في ظل ذلك أصدر الشيخ حكمت الهجري بياناً أدان المجازر بحق الدروز ووصفها بـ "الداعشية التكفيرية"، مؤكداً أنها إبادة مدنية ممنهجة، وقال: "لم نعد نثق بهيئة تدّعي أنها حكومة"، مطالباً بتدخل دولي فوري لحماية الأبرياء ووقف الجرائم فوراً.

شخصيات ومرجعيات حالية:

يحظى مشايخ العقل الثلاثة بتأثير كبير داخل الطائفة، وهم:

الشيخ حكمت الهجري، الشيخ حمود الحناوي، الشيخ يوسف جربوع

كما برزت فصائل محلية درزية مثل:

- حركة رجال الكرامة تأسس عام 2013 بقيادة الشيخ وحيد البلعوس. عدد القوات غير دقيق ولكن يُعد الفصيل الأكبر في السويداء.

- قوات شيخ الكرامة، التأسيس: 2015 بعد انشقاق من رجال الكرامة. القيادة: الأخوين فهد وليث البلعوس.

- أحرار الجبل بقيادة الشيخ سليمان عبد الباقي.

والمجلس العسكري في السويداء، الذي أعلنه مسلحون دروز في السويداء، في 23 شباط 2025 بقيادة طارق الشوفي.

ختاماً

الطائفة الدرزية، بتاريخها العريق وعقيدتها الفريدة، تواجه اليوم تحديات مصيرية وسط اضطرابات سوريا المستمرة. وبينما تصرّ على الحفاظ على خصوصيتها واستقلالها، يبقى الأمل قائماً في مستقبل يُصان فيه التنوع ويُحترم فيه الحق في الحياة والكرامة، ضمن دستور سوري ديمقراطي.

 (المصدر: "سلطان باشا الأطرش والثورة السورية"، دار الفكر)

 (المصدر: "تاريخ العرب العام"، جرجي زيدان)

 (المصدر: "الدروز في التاريخ"، أمين سعيد)

(تاريخ الدروز المعتقد والنشأة)