الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.. صراع النفوذ والهيمنة

ذكر أستاذ في العلاقات الدولية في جامعة شانشي الصينية، أن حرب ترامب التجارية لن تمر دون ردود فعل وستؤدي إلى نتائج مختلطة، مشيراً إلى أنه مع تزايد التوترات الجيوسياسية في شرق آسيا، وتراجع العلاقات بين واشنطن وبكين، أصبح البُعد الاستراتيجي حاضراً في السياسات الاقتصادية.

الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين.. صراع النفوذ والهيمنة
الإثنين 14 نيسان, 2025   06:20
مركز الأخبار 
كيفارا شيخ نور

شهد الأسبوع الماضي حرباً تجارية شنتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب على أوروبا والصين والعديد من الدول. وردّت الصين بفرض رسوم جمركية على أمريكا، ما تسبب في حالة من عدم الاستقرار في الأسواق العالمية، وذلك في ظل احتدام هذه الحرب بين أكبر اقتصادين في العالم.

ولفهم حيثيات هذه الحرب والأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى رفع الرسوم الجمركية، وتداعيات ذلك على نفوذ واشنطن والصين، ومآلات هذه الحرب، تحدث لوكالتنا أستاذ العلاقات الدولية في جامعة شانشي في جمهورية الصين الشعبية، الدكتور سیڤان سعید.

سعيد ذكر في مستهل حديثه أنه "في عام 2025، ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، عاد خطاب الحمائية إلى صدارة السياسة الاقتصادية الأمريكية، وتجددت أجواء الحرب التجارية التي كانت قد بدأت خلال ولايته الأولى".

لم تمر إجراءات ترامب دون ردود فعل

وأشار سعيد إلى أن "العالم شهد مرة أخرى تصعيداً في التوترات التجارية، كان أبرز مظاهرها فرض رسوم جمركية جديدة على واردات من الصين وأوروبا ودول أخرى، بذريعة حماية الاقتصاد الأمريكي، ومواجهة ما وصفه ترامب بـ «الاستغلال التجاري» الذي تتعرض له الولايات المتحدة. وكما في السابق، لم تمر هذه الإجراءات دون ردود فعل، حيث ردت الصين وأطراف أخرى بخطوات مماثلة، ما أدى إلى تفاقم النزاع وامتداده إلى مجالات جديدة، كالتكنولوجيا والطاقة".

ورأى سعيد، أن "الولايات المتحدة، وتحديداً إدارة ترامب، بررت هذه السياسات استناداً إلى عجزها المزمن في الميزان التجاري، خصوصاً مع الصين التي لا تزال تحقق فائضاً تجارياً ضخماً على حساب السوق الأمريكية".

ولفت إلى أن ترامب وفريقه يرون أن هذا الخلل يؤثر سلباً على الصناعات الأمريكية، ويؤدي إلى فقدان الوظائف في القطاعات الحيوية. وبأن الاتهامات القديمة ضد الصين ظلت حاضرة، بما في ذلك سرقة الملكية الفكرية، والإجبار على نقل التكنولوجيا، والممارسات التجارية غير العادلة. واعتُبرت عودة ترامب فرصة لاستكمال سياساته التجارية، بعد أن توقفت بعض الإجراءات في ظل إدارة الرئيس السابق جو بايدن.

البُعد الاستراتيجي حاضراً في السياسات الاقتصادية

سياسياً، وبحسب سعيد، يرى كثيرون أن هذه العودة للتصعيد ترتبط بمحاولة ترامب الحفاظ على قاعدته الشعبية، خاصة في الولايات الصناعية التي تأثرت بالعولمة. إذ لطالما استخدم ترامب خطاباً قومياً، يدعو إلى "أمريكا أولاً"، ويصوّر الحرب التجارية كمعركة وطنية ضد التلاعب الأجنبي. ومع تزايد التوترات الجيوسياسية في شرق آسيا، وتراجع العلاقات بين واشنطن وبكين، أصبح البُعد الاستراتيجي حاضراً في السياسات الاقتصادية، وليس فقط البعد المالي أو التجاري.

الصين قادرة على الرد

ورغم مرور ما يقارب عقداً على بداية الحرب التجارية الأولى، فإن الصين لا تزال قادرة على الرد، كما أثبتت في السنوات السابقة، وبحسب سعيد "فقد اتخذت الصين خطوات جدية لتعزيز اكتفائها الذاتي، خصوصاً في القطاعات التكنولوجية، والطاقة، والمواد الأولية. كما كثفت جهودها لتوقيع اتفاقيات تجارية مع دول أخرى، لتقليل الاعتماد على السوق الأمريكية. في هذا السياق، تحولت الحرب التجارية إلى حرب مواقع طويلة الأمد، هدفها الاستراتيجي تفكيك الاعتمادية المتبادلة بين العملاقين الاقتصاديين".

سياسة الرسوم الجمركية ستؤدي إلى نتائج مختلطة

أمّا على مستوى النفوذ الأمريكي، فيرى سعيد بأن "استمرار سياسة الرسوم الجمركية في عهد ترامب الثاني ستؤدي إلى نتائج مختلطة. فمن جهة، يعزز ترامب سلطته في الداخل، ويظهر بمظهر المدافع عن مصالح المواطن الأمريكي ضد "الاستغلال الخارجي". لكن من جهة أخرى، تُضعف هذه السياسات مكانة الولايات المتحدة كشريك تجاري موثوق في نظر حلفائها، خصوصاً في الاتحاد الأوروبي واليابان، الذين فضلوا في السنوات الماضية سياسة الاستقرار والتعاون المتعدد الأطراف".

واقتصادياً، أكد سعيد بأن هذه السياسات لم تخلُ من كلفة. فعلى الرغم من بعض المكاسب الآنية، كعودة بعض الصناعات إلى الولايات المتحدة، وارتفاع وتيرة الاستثمار المحلي، فإن الأضرار الجانبية تشمل ارتفاع الأسعار على المستهلك الأمريكي، واضطرابات في سلاسل التوريد، وتراجع تنافسية بعض المنتجات الأمريكية في الأسواق العالمية. كما تضررت قطاعات زراعية وصناعية كانت تعتمد على التصدير، ما أدى إلى ضغوط سياسية متزايدة على الإدارة الأمريكية.

موقع الصين في هذه الحرب؟

ومن ناحية أخرى، ذكر سعيد بأن الصين لم تكن الرابح الواضح في هذه الحرب، مشيراً إلى أنها واجهت ضغوطاً اقتصادية داخلية، كتباطؤ النمو، وشيخوخة السكان، وتراجع الاستثمار الأجنبي، مستدركاً، بأن بكين تمكنت من الحفاظ على قدر من التماسك الاقتصادي بفضل دعم الدولة للقطاعات المتضررة، وتوسيع علاقاتها مع دول الجنوب العالمي. بل إن بعض الشركات الصينية استفادت من انسحاب شركات غربية من السوق الصينية لتوسيع حصتها.

الهند وفيتنام والمكسيك استفادت من النزاع

وأضاف أن الدول والاقتصادات العالمية المحايدة بين العملاقين الصين وأمريكا، مثل الهند وفيتنام والمكسيك، استفادت جزئياً من هذا النزاع، إذ جذبت استثمارات كانت موجهة للصين في السابق. كما بدأت بعض القوى الإقليمية في لعب دور الوسيط أو الطرف الثالث الذي يوازن بين الكتلتين.

ونوه إلى أنه حتى مع تغير الإدارة في واشنطن أو بكين مستقبلاً، تبقى الحرب التجارية تعبيراً عن صراع أوسع بين نموذجين اقتصاديين وسياسيين، فترامب لا يطرح فقط سياسة جمركية، بل مشروعاً قومياً يسعى لإعادة رسم قواعد العولمة، بما يضمن التفوق الأمريكي، أما الصين، فهي ترى في المواجهة فرصة لبناء نظام اقتصادي بديل، أكثر تعددية، وأقل خضوعاً للنفوذ الأمريكي.

فصل جديد من المنافسة العالمية

ويرى سعيد بأن الحرب التجارية في عهد ترامب الثاني ليست مجرد امتداد لسياسات قديمة، بل فصل جديد من المنافسة العالمية بين القوى الكبرى، وقد أضحت جزءاً لا يتجزأ من النظام الاقتصادي والسياسي الجديد، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية مع الحسابات الأمنية والاستراتيجية.

وبينما لم يُحسم بعد من سيكون الرابح النهائي في هذه الحرب، فإن الأكيد أن شكل الاقتصاد العالمي سيتغير، وسيفرض على الدول الأخرى إعادة حساباتها، سواء في علاقاتها التجارية أو في استراتيجياتها التنموية. بعبارة أخرى، العالم سوف يشهد التوترات الشديدة في العهد القريب حيث نرى التغير النوعي في سياسات الدول على غرار التحول من النظام الأحادي الى النظام متعدد الأقطاب، بحسب أستاذ العلاقات الدولية في جامعة شانشي الصينية.

(ع م)