أكيتو.. عيد الحرية والهوية

يعدّ عيد أكيتو أحد أقدم الأعياد في تاريخ البشرية، ويمثل بداية العام الجديد وفق التقويم البابلي، ويرمز إلى التجدد والخصوبة وبعث الحياة من جديد، وما زال أحفاد السومريين والبابليين والآشوريين السريان الكلدان يحتفلون به.

أكيتو.. عيد الحرية والهوية
أكيتو.. عيد الحرية والهوية
أكيتو.. عيد الحرية والهوية
أكيتو.. عيد الحرية والهوية
الثلاثاء 1 نيسان, 2025   05:10
قامشلو
عباس خلف

يُعدُّ عيد أكيتو، الذي يُحتفل به في الأول من نيسان من كل عام، من أقدم الأعياد التي عرفتها البشرية، حيث تعود جذوره إلى الحضارات القديمة في بلاد ما بين النهرين، وخاصة السومرية والبابلية والآشورية. ويرتبط أكيتو بتجدد الطبيعة والخصوبة وبداية العام الجديد.

أصل وتاريخ عيد أكيتو

يعود تاريخ عيد أكيتو إلى أكثر من 4,000 عام، حيث كان يُقام في بابل وآشور احتفالاً بتجدد الحياة في الربيع. ويعكس العيد فلسفة الحضارات القديمة التي رأت في الربيع بداية دورة جديدة للحياة، حيث كانت المراسم تبدأ في معابد الآلهة، خصوصاً معبد مردوخ في بابل، وتتضمن طقوساً دينية ورقصات احتفالية ومسيرات جماهيرية تعبيراً عن الفرح بقدوم العام الجديد.

في الحضارة الآشورية، استمرت الاحتفالات لمدة 12 يوماً، وكانت تتضمن طقوساً دينية متعددة، تشمل مسيرات احتفالية، وتقديم القرابين للآلهة، وإعادة تمثيل أسطورة الخلق البابلي، حيث يرمز العيد إلى انتصار النظام على الفوضى، وتجدد العهد بين الآلهة والبشر.

رمزية أكيتو لدى السريان الآشوريين الكلدان

وبالنسبة للسريان الآشوريين الكلدان، لا يمثل أكيتو مجرد احتفال تقليدي، بل هو جزء أساسي من الهوية الثقافية والدينية والقومية. فهو يرمز إلى الاستمرارية والبقاء رغم المصاعب التي مرت بها هذه الشعوب عبر التاريخ، من الغزوات إلى التهجير القسري. لذلك، يعد الاحتفال بعيد أكيتو اليوم تجسيداً للحفاظ على التراث والثقافة الخاصة بهم، وفرصة للتأكيد على ارتباطهم العميق بجذورهم التاريخية.

احتفالات أكيتو في شمال وشرق سوريا

وتحتضن مناطق شمال وشرق سوريا تنوعاً ثقافياً ودينياً كبيراً، ويُعَد السريان الآشوريون الكلدان جزءاً أصيلاً من هذا النسيج الاجتماعي. ومع إعلان الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، شهدت هذه المجتمعات فرصة غير مسبوقة للاحتفال بهويتها وثقافتها بحرية.

في العقود السابقة، واجه أبناء السريان الآشوريين الكلدان في سوريا صعوبات في التعبير عن هويتهم الثقافية والدينية، حيث كان النظام البعثي يفرض قيوداً صارمة على الاحتفالات القومية، وكان أكيتو يُحتفل به في نطاق محدود أو بطريقة غير علنية. أما اليوم، ومع وجود الإدارة الذاتية التي شارك السريان الآشور الكلدان في تأسيسها جنباً إلى جنب مع شعب المنطقة، أصبح أكيتو يُحتفل به علناً وبمشاركة كبيرة من مختلف مكونات المجتمع.

مظاهر الاحتفال في شمال وشرق سوريا

وتشهد مدن مثل قامشلو، وديرك، وتربه سبيه والحسكة وتل تمر فعاليات واسعة في عيد أكيتو، حيث يتم تنظيم مسيرات شعبية يرتدي فيها المشاركون الزي التقليدي، ويرفعون الأعلام التي تمثل حضارتهم العريقة. كما تقام الاحتفالات في الساحات العامة، حيث تُقدم العروض الفلكلورية والرقصات الشعبية والمسرحيات التي تستعرض قصصاً من التاريخ الآشوري والكلداني.

وتُعدّ الأغاني التراثية جزءاً مهماً من الاحتفالات، حيث تردد الفرق الموسيقية الألحان القديمة التي توارثتها الأجيال. كما تُقام طقوس دينية في الكنائس، يدعو فيها القساوسة والمطارنة إلى السلام والمحبة والتعايش بين جميع مكونات المجتمع.

ومن أبرز مظاهر الاحتفال أيضاً قيام الأسر الآشورية بتحضير المأكولات التقليدية التي تعود جذورها إلى العصور القديمة، مثل المخبوزات الخاصة بهذه المناسبة، حيث تجتمع العائلات حول موائد الطعام احتفالاً ببداية العام الجديد.

دور الإدارة الذاتية في تعزيز الحريات الدينية والثقافية

أسهمت الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا في تعزيز مفهوم التعددية الثقافية والدينية، حيث يتم الاعتراف رسمياً بحق جميع المكونات في ممارسة طقوسهم الدينية والاحتفال بمناسباتهم القومية. وقد أتاحت هذه البيئة الآمنة للسريان الآشوريين الكلدان فرصة لإحياء أكيتو كما لم يحدث منذ عقود.

وعلى الرغم من التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه المنطقة، توفر الإدارة الذاتية دعماً أمنياً لهذه الاحتفالات، ما يعكس التزامها بالحفاظ على التنوع الثقافي والديني في المجتمع.

كما أن الاعتراف بعيد أكيتو كجزء من التراث الثقافي للمنطقة يعزز من التماسك الاجتماعي، حيث يشارك العديد من أبناء المكونات الأخرى في هذه الاحتفالات.

محاولات طمس الهوية وإقصاء شعب المنطقة

في المقابل، وفيما يتمتع السريان الآشوريون الكلدان بحرية ممارسة ثقافتهم وهويتهم في مناطق الإدارة الذاتية، تتزايد المخاوف بشأن سياسات الإقصاء والتهميش التي تمارسها سلطة دمشق الجديدة. فعلى الرغم من الادعاءات بأنها تمثل جميع السوريين، لم يأتِ الإعلان الدستوري الذي صدر مؤخراً على ذكر مكونات شمال وشرق سوريا، ومن بينها السريان الآشوريون الكلدان، كما لم يعترف بهويتهم القومية أو الثقافية.

هذا الإقصاء يعكس سياسة ممنهجة لإلغاء التعددية التي تتميز بها سوريا. إذ لا يزال النظام المركزي يتعامل مع هذه المكونات على أنها مجرد طوائف دينية، دون الاعتراف بها كشعوب أصيلة لها حقوق ثقافية وسياسية. وقد عبر العديد من قادة المكونات في شمال وشرق سوريا عن استيائهم من هذه السياسات، مشيرين إلى أن أي دستور جديد لا يعترف بجميع مكونات سوريا هو دستور غير شرعي وغير عادل.

رسائل عيد أكيتو للمجتمع والعالم

ويحمل عيد أكيتو رسائل قوية تتعلق بالسلام والحرية والهوية. فهو يمثل فرصة لأبناء السريان الآشوريين الكلدان للتعبير عن ثقافتهم وإرثهم التاريخي، في وقت يسعى فيه شعب المنطقة إلى ترسيخ مفهوم العيش المشترك.

ويقول صامويل ماروكي عضو حزب الاتحاد السرياني، إن آكيتو واحد من أقدم الأعياد الدينية وله تاريخ يتجذر في عمق التاريخ، حيث يمثل أول أيام السنة الجديدة السريانية الآشورية، ودلالة على الارتباط بالطبيعة والزراعة.ويؤكد أن الاحتفال بالعيد يعبر عن التمسك بثقافة تاريخية ودينية.

كما أن احتفالات أكيتو في شمال وشرق سوريا تبعث برسالة إلى العالم بأن المنطقة قادرة على احتضان تنوعها الثقافي والديني، وتقديم نموذج إيجابي في ظل الصراعات التي تعصف بالشرق الأوسط.

الحاجة لدستور يعكس حقيقة التعددية في سوريا

إن عيد أكيتو ليس مجرد احتفال بالسنة البابلية-الآشورية الجديدة، بل هو رمز للصمود والتجدد والحرية الثقافية. وفي شمال وشرق سوريا، يتمتع السريان الآشوريون الكلدان بحرية الاحتفال به كجزء من ثقافتهم وتراثهم، بفضل مناخ التعددية الذي أتاحته الإدارة الذاتية التي أسهم السريان الآشوريون والكلدان في تأسيسها جنباً إلى جنب مع شعب المنطقة. ومع ذلك، فإن محاولات التهميش والإقصاء من قبل سلطة دمشق الجديدة تشكل تهديداً لهذه الهوية، ما يؤكد الحاجة إلى دستور يعكس حقيقة التعددية في سوريا، ويضمن حقوق جميع مكوناتها دون تمييز.

أماكن احتفالات هذا العام

وهذا العام، يحل في الأول من نيسان 2025 عيد آكيتو 6775 حسب التقويم البابلي الآشوري، حيث ستنظم ثلاث احتفاليات في إقليم شمال وشرق سوريا.

إحداها في قرية كري شيران في ريف مدينة تربه سبيه، وأخرى في تل ورديات في ريف مدينة تل تمر، وثالثها في قرية حكمية في مدينة ديرك، بمقاطعة الجزيرة.

(ح)

ANHA