106 أعوام على وعد بلفور والصراع لا يزال قائماً

مضى 106 أعوام على وعد بلفور الذي تعهّد فيه وزير الخارجية البريطاني آرثر بلفور، لليهود بتشكيل "وطن قومي" لهم في فلسطين، ما أسس القضية الفلسطينية، ومنذ حينها لا يزال الصراع مستمراً حتى يومنا هذا، فكيف تم التوصل إلى هذا الوعد؟ وما هي نتائجه؟

106 أعوام على وعد بلفور والصراع لا يزال قائماً
الخميس 2 تشرين الثاني, 2023   06:00
مركز الأخبار
يحيى الحبيب

يصادف في اليوم الثاني من تشرين الثاني، ذكرى إعلان وعد بلفور الذي أصدرته الحكومة البريطانيّة خلال الحرب العالمية الأولى لإعلان دعم تأسيس "وطن قومي للشعب اليهوديّ" في فلسطين، التي كانت منطقة عثمانية ذات أقلية يهودية، وذك بتاريخ 2 تشرين الثاني 1917.

وكان هذا الوعد خلال رسالة وجهها وزير خارجية المملكة المتحدة آرثر بلفور إلى اللورد ليونيل دي روتتشيلد، أحد أبرز أوجه المجتمع اليهودي البريطاني، وذلك لنقلها إلى الاتحاد الصهيوني لبريطانيا العظمى وإيرلندا، وجاء في نصها ما يلي:

"تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".

الظروف التي سبقت ذلك.. خيانة عثمانية

على الرغم من أن الجميع يتحدث عن مرحلة ما بعد وعد بلفور، إلا أن مرحلة ما قبله هي من مهدت لذلك، حيث مهد العثمانيون الطريق لليهود إلى فلسطين.

بدأت الخيانة العثمانية للشعب الفلسطيني منذ عام 1840، بعدما خضعت السلطات العثمانية التي كانت توصف في تلك الفترة بالرجل المريض، للقرارات البريطانية الهادفة إلى فتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وفتح أبواب التجارة واستملاك الأراضي بموافقة العثمانيين، لتبدأ بذلك المرحلة الأولى في تدفق اليهود إلى فلسطين.

وشهدت تلك المرحلة عمليات شراء الأراضي البور والمهجورة مقابل المال بموافقة العثمانيين، مما أتاح بتواجد نفوذ بريطاني إسرائيلي داخل فلسطين منذ حقبة عام 1841، لتبدأ مرحلة الاستيطان الإسرائيلي في فلسطين على يد اليهودي موسى مونتفيوري، ومرحلة تأسيس سلسلة بنوك في المنطقة لتصبح مورداً اقتصادياً يهدف لتقوية الوجود الإسرائيلي في المنطقة العربية وبالأخص فلسطين. ولم يقف مونتفيوري عند هذا الحد بل قام بإنشاء "مستوطنات زراعية" في الجليل ويافا ضمن مفهوم الاستثمار التجاري بموافقة ومباركة عثمانية.

وحصل مونتفيوري على فرمان عثماني آنذاك يسمح له شراء الأراضي لإقامة أول حي إسرائيلي سكني يخضع للإدارة والإشراف الإسرائيلي، والذي عرف بحي مونتفيوري في القدس عام 1854، ما جعله يحصل على امتيازات أجنبية في فلسطين، لتشهد فلسطين ارتفاع عدد اليهود الموجودين بداخلها ليصل عددهم بعد إنشاء الحي إلى 12 ألفاً جراء الهجرة من الدول الغربية.

وفي عام 1856 تواصل السير الإنجليزي موسى مونتفيري (يهودي الأصل) مع هنري جون تمبل، الذي كان رئيس الوزراء البريطاني آنذاك، وناقشا فكرة بناء خط سكة حديد يافا - القدس، لخدمة المصالح الاستعمارية للبريطانيين وتسهيل الهجرة اليهودية للمنطقة.

في 29 آب 1897عقد أول مؤتمر صهيوني في مدينة "بال" بسويسرا، وكانت أبرز قضاياه تعزيز الهوية اليهودية عند يهود أوروبا الغربية، وتعليم اللغة العبرية لليهود، وتحويل أنظارهم ومشاعرهم عن أميركا الجنوبية وتوجيهها نحو فلسطين.

اندلعت الحرب العالمية الأولى عام 1914، وانتهت بخسارة العثمانيين على يد الإنكليز، وفي خضم الحرب العالمية الأولى، اجتمعت فرنسا وبريطانيا للتفكير في الاستيلاء على المنطقة العربية حال انتهاء الحرب، واتفقتا بعد تقسيم المنطقة بينهما على أن تبقى فلسطين تحت إدارة دولية، ووقعت وقتها اتفاقية سايكس بيكو في أيار 1916، فدخل البريطانيون القدس في 11 كانون الأول 1917، ليكون ذلك التاريخ نهاية الاستعمار العثماني لفلسطين الذي استمر أربعة قرون تماماً، وبداية لعهد الاستعمار البريطاني.

تطبيق الوعد

قبل أن تضع الحرب أوزارها ويبدأ تقسيم أملاك الدولة العثمانية بين الحلفاء، أُرسل وزير الخارجية البريطاني جيمس آرثر بلفور مندوباً عن رئيس الوزراء البريطاني لوير جورج في 2 تشرين الثاني 1917 للتفاوض مع الحركة الصهيونية بشأن مطالبها في فلسطين.

اجتمع بلفور مع ممثلي الحركة الصهيونية وطالبوا الحكومة البريطانية من خلاله بإصدار وعد حكومي رسمي بإعطائهم فلسطين بعد النصر في الحرب العالمية، فأرسل بلفور رسالته المشهورة في 2 تشرين الثاني 1917 إلى رئيس الجالية اليهودية في بريطانيا اللورد ليونيل روتشيلد.

وهكذا تمت الخطة لوضع صيغة ما عرف بـ “وعد بلفور"، ووقعت عليه الحكومة البريطانية، وكان هدفها الأساسي استقطاب يهود ألمانيا لينضموا إلى يهود بريطانيا لمساعدة الإنجليز.

وعندما انتهت الحرب تكثفت الدعوات لنقل اليهود من أوروبا وأميركا، ثم بدأت الهجرات اليهودية بأعداد هائلة تُنقل عبر خط سكة حديد يافا - القدس، الذي استولى عليه البريطانيون تماماً.

في عام 1918 قررت الحكومة البريطانية إرسال وفد إلى فلسطين، ضم حاييم وايزمان قائد القوات البريطانية في فلسطين من أجل دراسة مدى إمكانية تطبيق وعد بلفور.

وعرضت الحكومة البريطانية في السنة ذاتها نص تصريح بلفور على الرئيس الأميركي الأسبق وودرو ولسون، ووافق على محتواه قبل نشره، وأقرته كل من فرنسا وإيطاليا رسمياً.

وفي 24 أنيسان 1920 أعلن رسمياً عن إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وتشكلت حكومة مدنية، وأُرسل صموئيل في حزيران من العام ذاته مندوباً سامياً على فلسطين، وعمل على إنشاء مجلس تشريعي يخضع لأحكام الانتداب، لكن الفلسطينيين قاطعوا الانتخابات.

وفي آب 1920 وافقت الإدارة المدنية التي عُينت داخل فلسطين على أول مرسوم هجرة يهودية، لتبدأ سلسلة التدفقات لليهود بلا توقف.

أعلن وزير الدفاع البريطاني آرثر جونز، قرار بريطانيا بإنهاء الانتداب على فلسطين وتسليمها إلى الولايات المتحدة الأميركية، وأوصت في 15 أيار 1948 بنهاية للانتداب وبداية إعلان الدولتين اليهودية والفلسطينية، وأعلنت بعدها المنظمات الصهيونية قيام دولة إسرائيل، بعد أن تم تهجير قرابة 950 ألف فلسطيني إلى الضفة الغربية وقطاع غزة والدول العربية المجاورة، من أصل مليون و400 ألف.

النتائج والحل

على الرغم من كل المساعي الإقليمية والدولية ومبادرات السلام المتكررة، إلا أن الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي لا يزال قائماً حتى يومنا هذا، وتسبب هذا الصراع بتوسيع الشرخ بين اليهود والمسلمين والمسيحيين وعموم مكونات وشعوب المنطقة؛ حيث تزايدت نسبة الكراهية حتى أن الاتفاقيات الإبراهيمية الأخيرة التي أبرمتها الدول العربية مع إسرائيل برعاية أميركية لم تحقق أي نجاح.

 وانحصر التطبيع بين الأنظمة الحاكمة للدول العربية والنظام الحاكم في إسرائيل، وخاصة مع حالة التشدد القومي والديني التي سادت المنطقة، حيث هيمنت تنظيمات تابعة للإسلام السياسي والإخوان المسلمين على قرار المقاومة الفلسطينية، في حين عاد اليمين المتطرف لحكم إسرائيل، ومن جهة أخرى لا تزال الذهنية القائمة على القومية العربية والقومية اليهودية مستمرة، وتسبب ذلك بعودة جولات التوتر والتصعيد على خلفية عملية حماس في 7 أكتوبر والتي يستمر التصعيد من بعدها بقصف إسرائيلي مكثف على قطاع غزة.

مواصلة هذا الصراع دون حل يؤكد صوابية فكر الأمة الديمقراطية وأخوة الشعوب الذي نادى به القائد عبد الله أوجلان والذي يؤكد بأن أساس مشاكل الشرق الأوسط ومنها الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، هي الاعتماد على الأنظمة القومية والتطرف الديني والطائفي، إذ يعتبر القائد أن تشييد إسرائيل كقوة مهيمنة نواة أمر بالغ الأهمية، فهذا مفاده أنه سيتم الاعتراف بشرعية الدول القومية الأخرى في المنطقة في حال اعترفت هي بوجود إسرائيل كقوة مهيمنة، وأنه في حال عدم اعترافها بها، فسيجري تجييرها وإرهاقها بالحروب إلى أن تعترف بها، ونظراً لأن الجمهورية التركية كانت أول الدول الإسلامية التي اعترفت بإسرائيل، فقد اعترفت بها دولٌ قوميةً شرعية، وأدرجت بالنظام القائم بناءً على ذلك.

ويقول القائد إن أقوى وأصح خيار للشعوب العربية، هو براديغما العصرانية الملائمة للحقائق والوقائع التاريخية والاجتماعية لشعوب الشرق الأوسط جمعاء، كما يطالب القائد إسرائيل بدورها بأن تضع تجاوز الحداثة الرأسمالية نصب عينيها، إن كانت تود الخلاص من حالة الأسر للنظام الذي أوجدته. وتعتبر العصرانية الديمقراطية خياراً يشكل طريق الحل المستدام والوطيد ضمن معمعة الشرق الأوسط. ليس من أجل القضية اليهودية وحسب، بل ومن أجل قضية دولة إسرائيل المحاطة بالوحوش القوموية والدينية المتشددة، التي خلقتها بكلتا يديها.