مشروع مقاومة عظيمة بدأ بالإصغاء وانتهى بالشهادة

الشهيدة نورشين سرحد خاضت مسيرة نضالية في مناطق متفرقة، بدأت قصتها بالإصغاء وتحولت فيما بعد إلى مشروع مقاومة عظيمة، تعرّفت على كوارد حركة التحرر الكردستانية وقراءة كتب القائد عبد الله أوجلان في الصغر، واختارت طريقها بعناية.

مشروع مقاومة عظيمة بدأ بالإصغاء وانتهى بالشهادة
السبت 2 كانون الأول, 2023   03:01
حلب
نسرين شيخو

نورشين سرحد، الاسم الحقيقي فريهان إسماعيل، ولدت عام 1985، في قرية مامولو التابعة لناحية راجو في مدينة عفرين المحتلة؛ ترعرعت في كنف عائلة وطنية مؤلفة من 8 أفراد.

ترتيبها الرابعة بين أشقائها وشقيقاتها الستة، الشقيقة الكبرى نعمت، يليها محمد أمين، وهو معتقل منذ 29 عاماً لدى سلطات الاحتلال التركي، ثم إدريس، وعكيد وأوريفان.

صفاتها وإصرارها

عُرِفت فريهان إسماعيل بذكائها ودقة ملاحظتها ومعرفتها، اكتفت فقط بالحصول على شهادة المرحلة الابتدائية (السادس)، نتيجة بُعد المدرسة الإعدادية عن قريتها مامولو.

والد فريهان، أمين إسماعيل، أوضح سبب عدم إكمال ابنته لدراستها: "لم تكمل دراستها، لم يكن في قريتنا مدرسة إعدادية، والالتحاق بالمدرسة الإعدادية يلزم التوجّه إلى ناحية راجو، وكونها بعيدة بعض الشيء تركت المدرسة بإرادتها وقرارها".

لم تفقد فريهان الأمل في التعلم، فقد اعتمدت على مصادر أخرى غير المدرسة، سبيلاً لها في ذلك، حيث كانت تقضي معظم وقتها في مشاهدة الأخبار مع والدها، رويداً رويداً حتى أجادت القراءة والكتابة أيضاً.

تعرفت العائلة على حركة التحرر الكردستانية عن طريق إحدى أقربائهم، حيث أوضحت شقيقة فريهان، نعمت إسماعيل: "تعرفنا على حركة التحرر الكردستانية عن طريق ابن خالة والدي الشهيد يحيى خليل الذي استشهد عام 1992، في جبال كردستان، حيث كان يقطن في مدينة حلب، عندما يزوره والدي كان يعود محملاً بالأفكار عن الحركة".

بعد تعرف عائلة فريهان إسماعيل على الحركة، ظل باب منزلهم مفتوحاً على الدوام لاستقبال مناضلي حركة التحرر الكردستانية، ومقصداً لعقد الاجتماعات، وحينها كانت فريهان تجلس بينهم وتصغي إليهم دون أن تتفوه بكلمة، كانت تُخزّن كل المعلومات عن حركة التحرر الكردستانية في ذهنها.

وأوضحت نعمت إسماعيل: "عندما تعرفنا على الحركة، كان شقيقي محمد يرافق أعضاء الحركة في المنطقة، وبعدها انضم إلى العمل السياسي، ثم انضم إلى حركة التحرر الكردستانية واتجه إلى جبال كردستان".

أثناء انضمام شقيقها، محمد أمين إسماعيل لحركة التحرر الكردستانية، كانت فريهان تبلغ من العمر سبعة أعوام، اعتقل محمد من قبل سلطات الاحتلال التركي منتصف التسعينيات، وكان والديه يزورانه في المعتقل بين الحين والآخر.

أوضحت نعمت إسماعيل: "عندما كان والديّ يعودان من مقابلة شقيقي في المعتقل، كانا يتحدثان طوال اليوم عنه، وفريهان تستمتع إلى بطولات شقيقي، لذلك قررت الانضمام إلى الحركة".

إنجازاتها البسيطة في صغرها وما بعد الانضمام

رافقت فريهان كل من كان يقصد منزلهم، إلى أي مكان يقصدونه، وتمكنت من كتابة أشعار عن القائد عبد الله أوجلان، وإلقائها في المناسبات الاجتماعية المقامة في القرية، وحفّزها تأثّرها بشقيقها المعتقل للانخراط في الكفاح إلى جانب مقاتلي حركة التحرر الكردستانية واختارت لنفسها اسم نورشين سرحد.

وعن موقف الأب أمين من انضمام ابنته نورشين سرحد، قال: "لم أقف في طريقها، انضمت للحركة مع صديقة الطفولة جيان تولهلدان، كانت بحوزتها معرفةٌ لا بأس بها وتعلمت الكتابة والقراءة أيضاً، كانت ذكية، وأنا بدوري كأب كنت أدعي بأن تكون في حماية الله هي ورفيقات ورفاق دربها".

ودّعت نورشين والدها أثناء انضمامها لحركة التحرر الكردستانية، وأشار والدها: "ودعتني ابنتي، اقشعر بدني، وعرفت حينها أن استماع ابنتي لأحاديثنا لم يكن عن عبث، إنما لتُخزن المعلومات وتكون بحوزتها خلفية عن الحركة وتعرف كيف تتصرف عندما تتخذ قرارها بالانضمام".

ظلت نورشين سرحد تناضل ضد جيش الاحتلال التركي في مناطق الدفاع مديا، وخاضت مقاومة كبيرة في أماكن متفرقة ومتعددة فيها، واستشهدت في 8 آب عام 2022، خلال تصديها لهجومٍ لجيش الاحتلال التركي على منطقة غاري.

والدة الشهيدة نورشين سرحد، قدّرت محمد سردت نبذة عن طفولتها بقولها: "كانت المدللة في المنزل، ودائماً تميل للصمت والهدوء، لم نكن نسمع صوتها إلا قليلاً، كانت تجلس أمام التلفاز معظم الوقت بجانب والدها تستمع إلى الأخبار".

وأوضحت قدرت محمد أنها كانت تدرك أن ابنتها تُخبئ أمراً ما، بسبب غياباتها المتكررة عن المنزل، وقالت: "لاحظت أنها كانت تغيب عن المنزل كثيراً، وعند محاولتي معرفة ما يجري اتضح لي أنها كانت ترافق الشهيدة جيان تولهلدان لقراءة كتب القائد عبد الله أوجلان خارج المنزل، لتتأثر بها وتضع الجبال نصب أعينها وتتجه إليها، وتأخذ قراراً بأن تقضي عمرها هناك بحثاً عن الحرية وتُحارب من أجل تحقيق الحرية".

انقطاع أخبارها لعشرين عاماً

انقطعت أخبار نورشين سرحد عن المنزل سنوات عديدة، تُبيّن الأم قدرت أنها لم تسمع أخبارها، لا عبر رسالة ولا صوت ولا أي شكل آخر، مدة عشرين عاماً، وأنها كانت محرومة من نعمة رؤيتها.

حظيت الأم قدرت بلقاء ابنتها الشهيدة نورشين سرحد بعد احتلال مدينة عفرين ونزوحها إلى القسم الغربي من حي الشيخ مقصود في مدينة حلب للمكوث فيها، تقول الأم قدرت: "أول موعد جمعنا بعد غياب عشرين عاماً، كان في هذه الرقعة الجغرافية الصغيرة".

تصف الأم قدرت ابنتها الشهيدة بالحنونة وتقول: "نورشين كانت الفتاة الحنونة على أشقائها وشقيقاتها في المنزل، وصديقاتها وأصدقائها، وهكذا كانوا يصفونها أيضاً".

الساعية على الرغم من الظروف الصعبة

الأب أمين أكد أن ابنته الشهيدة كانت ساعية لإنجاز المكاسب على الرغم من الظروف الصعبة، وقال: "كانت الفتاة الخلوقة في المنزل، نادراً ما كان يُسمع لها صوت، وكان باب منزلي وقتذاك مفتوح للرفاق، وعندما كانوا يأتون لزيارتي للنقاش في أمور السياسة كانت الشهيدة نورشين تجلس بيننا، وكلها آذان صاغية".

قوة مليئة بالنور

أمين إسماعيل أوضح أن: "القائد عبد الله أوجلان أوقد لنا شعلة، واليوم الدول تتآمر لتطفئ هذه الشعلة، لكنها عاجزة عن ذلك، لأن لدينا قواتنا، وبقواتنا سنتقدم ونخطو خطوات للأمام، أبناؤنا وبناتنا في مناطق الدفاع مديا يقاومون، إنهم قوة مليئة بالنور، وبفضلهم سنحظى برؤية كردستان واحدة وليست مُقسمة إلى أربعة أجزاء".

وأكد إسماعيل: "إن اتحد العالم أجمع ضدنا فلن يقدر علينا، ونفتخر وكلنا اعتزاز بقواتنا، منذ زمنٍ بعيد ننزف الدم وتنهمر الدموع، يجب علينا نحن الكرد أن نتحد ونحارب في خندق واحد، لنكون أسوداً وتكون الساحة لنا، ولتكن وسادتنا حجراً والتراب لحافنا، ولا نرضخ للمحتل".

مشروع مقاومة عظيمة

ذات وجهٍ بشوش ولسان ليّن، هكذا وصفت نعمت شقيقتها الشهيدة وقالت: "تنتقي كلماتها ومفرداتها بعناية، كانت تتجنب إحراج أحد"، وعن إنجازاتها البسيطة في القرية قالت: "كانت نورشين معروفة في القرية بسردها للأشعار وما أن تُقام خطبة أو حفلة، ينادونها لتلقي أشعارها، كانت محبة للرفاق وتسعى للتقرب منهم منذ صغرها، وكان الرفاق يرون فيها مشروع مقاومة عظيمة".

(أ ب)

ANHA