محمد شفيق.. رجل آمنَ بأن الحرية تستحق كل شيء.. حتى الشهادة

كان ضوء الفجر يتسلل بخجل عبر شقوق النوافذ الطينية في بلدة مصطفاوية، حين وُلد محمد شفيق، طفلاً قُدّر له أن يكون شاهداً على عقود من النضال. لم يكن يعلم حين ركض في الحقول أن قدميه ستسيران يوماً في درب محفوف بالتضحيات، درب لا يسلكه إلا من آمنَ بأن الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع، وتستحق كل شيء.. حتى الشهادة.

محمد شفيق.. رجل آمنَ بأن الحرية تستحق كل شيء.. حتى الشهادة
الثلاثاء 11 آذار, 2025   06:05
قامشلو
كلثومة علي

في صباحٍ ضبابي من شتاء عام 1960، وبين سهول بلدة مصطفاوية التابعة لمدينة كركي لكي في مقاطعة الجزيرة، الممتدة كحكايات الأجداد، وُلِد محمد شفيق. كان صباحاً يشبه قدَره؛ غامضاً، لكنه مفعم بالحياة. نشأ بين الحقول التي تهمس بأغاني الحرية، وفي كل خطوة خطاها على تراب قريته، كانت تنبت في داخله بذور النضال.

لم يكن مجرد طفل يكبر في حضن الطبيعة، بل كان صوتاً يتهدج بحلم قديم، وإرادة تتشكل بين قصص الآباء والأجداد وساحات البلدة. منذ صغره، كان يسترق السمع إلى أحاديث الكبار عن القضية الكردية، عن النفي والظلم، وعن شعبٍ يبحث عن كلمته في سجلّ التاريخ. لم يكن يدري آنذاك أن اسمه سيُكتب في ذلك السجل، لا كمتفرج، بل كأحد الذين خطّوا صفحات النضال بدمهم وإيمانهم.

كبر محمد شفيق، ونشأ في كنف عائلة كادحة كرّست حياتها للعمل والزراعة. درس حتى المرحلة الإعدادية، ثم انشغل بتكوين أسرته، حيث أصبح أباً لعشرة أبناء، خمسة شبان وخمس فتيات. لكن رغم مسؤولياته العائلية، لم تثنه الحياة عن النضال من أجل قضية شعبه الكردي، فكان يحمل همّاً أكبر من لقمة العيش، همَّ الحرية والعدالة.

البداية.. وعي مبكر ونشاط لا يتوقف

في الثمانينات، تعرّف محمد شفيق على حركة حرية كردستان، ومنذ ذلك الحين، أصبح جزءاً من الحراك الوطني، يسهم في تنظيم المجتمع، وينقل الفكر التحرري إلى من حوله. لم يكن مجرد داعم صامت، بل كان يحث الجميع على الانخراط في النضال والمشاركة في كل ما يخدم حل القضية الكردية.

وفي عام 2008، اضطر مع أسرته للتوجه إلى جنوب كردستان للعمل نتيجة السياسات الشوفينية التي طبقها النظام البعثي في المناطق الكردية لاجتثاث الكرد من جذورهم، ولكنه لم يشعر يوماً بأن غربته طالت، فقد ظل قلبه معلقاً بأرضه وأهله. ومع انطلاق ثورة روج آفا وشمال وشرق سوريا عام 2012، لم يتردد في العودة إلى مسقط رأسه، ليكون جزءاً من الحراك الشعبي الثوري.

عودته إلى الوطن والمشاركة في الثورة

ما إن عاد محمد شفيق إلى بلدته مصطفاوية حتى انخرط في الفعاليات الثورية، وكان حاضراً في كل تجمّع ومسيرة، داعياً الجميع للمشاركة في بناء مستقبل جديد لروج آفا وشمال وشرق سوريا. لم يكن مجرد متفرج على الأحداث، بل كان يعمل بجدّ بين القرى، خاصة في منطقة آليا، حيث كان يحث الشباب على الالتحاق بالصفوف الثورية، سواء في العمل السياسي أو العسكري.

وفي عام 2018، انضم إلى قوات حماية المجتمع، وأصبح جزءاً من الجهود الرامية إلى تعزيز الأمن والاستقرار في المنطقة. لم يكن الانضمام مجرد واجب بالنسبة له، بل كان إيماناً عميقاً بأن النضال الحقيقي يتطلب التضحية والعمل المتواصل.

لم يعرف التعب يوماً

لم يكن محمد شفيق رجلاً يجلس في الخلفية، بل كان في مقدمة المسيرات والحملات. شارك في قوافل المدنيين التي توجهت إلى عفرين وسري كانيه، ووقف مع أبناء شعبه في وجه الاحتلال التركي.

صديقه إبراهيم نواف، الذي كان يرافقه خلال احتجاجات سد تشرين، يروي كيف كان الشهيد محمد شفيق يرفع من معنويات الجميع، ويحثهم على الصمود، وقال: "لقد كان مبتهجاً أثناء الاحتجاج، وكان يرى في الدفاع عن سد تشرين واجباً مقدساً؛ لأنه كان يعلم أن الاحتلال التركي يستهدف مصادر الحياة في شمال وشرق سوريا".

لم يقتصر دوره على الاحتجاجات، بل كان داعماً دائماً لقوات سوريا الديمقراطية، مشاركاً في حملات الهول، سري كانيه، عفرين وغيرها. في كل حملة، كان يتّقد حماسةً وشجاعة، ويصرّ على أن يكون في الصفوف الأولى.

الخدمة العامة ومساعدة النازحين

لم يكن النضال العسكري والسياسي هو المجال الوحيد الذي تميز فيه محمد شفيق، فقد كان ناشطاً في المجال الخدمي أيضاً. كان يسهم في إدارة شؤون بلدته، ويساعد الأهالي في تأمين احتياجاتهم الأساسية.

ويقول صديقه إبراهيم نواف: "كان فقدانه خسارة كبيرة ليس فقط لعائلته، بل لكل قرى آليا، خاصة بلدته مصطفاوية. لقد كان من أوائل الذين اهتموا بمهجّري عفرين والشهباء، وساعد في تأمين منازل واحتياجات لهم".

رجل المبادئ والشهادة

أما عن شخصيته، فيصفه أصدقاؤه بأنه كان هادئاً، صادقاً، وملتزماً بفكر وفلسفة القائد عبد الله أوجلان. كان يرى أن طريق الشهداء مقدس، وكان يؤمن بأن النضال يجب أن يستمر مهما كانت التحديات.

زوجته أمينة إبراهيم، التي رافقته طوال حياته، تحدثت عن ارتباطه العميق بالثورة، قائلةً: "قبل الثورة، كنا في جنوب كردستان بحثاً عن لقمة العيش، لكن عندما بدأت الثورة، لم يقبل البقاء هناك. قال لي: لا يمكنني أن أكون بعيداً بينما شعبي يناضل. فعدنا إلى بلدتنا، ومنذ ذلك الوقت، لم يتوقف عن العمل والمشاركة في كل نشاط يخدم الثورة".

وروت كيف أنه تخلى عن عمله كخياط ليكرس وقته بالكامل للنضال، مؤكدة أنه كان يقول دائماً: "خط الشهداء هو خط مقدس بالنسبة لي، وسأظل عليه حتى النهاية".

الشهادة في سد تشرين

في آخر محطاته النضالية، كان محمد شفيق ضمن صفوف المدافعين عن سد تشرين، وهو الموقع الذي استهدفه الاحتلال التركي مراراً. في إحدى الهجمات، وأثناء حمايته للسد، نال مرتبة الشهادة، مكللاً مسيرته النضالية بتضحية خالدة.

الحرية تستحق كل شيء.. حتى الشهادة

لم يكن محمد شفيق مجرد رجل عادي، بل كان رمزاً للعطاء والتضحية، وترك خلفه إرثاً من النضال سيبقى خالداً في ذاكرة شعبه. لم يكن يطمح لمنصب أو مكافأة، بل كان يرى في خدمة شعبه وثورته أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الإنسان وكان يؤمن أن الحرية تستحق كل شيء.. حتى الشهادة.

ذكراه ما زالت حيّة في وجدان كل من عرفه، فصوته لا يزال يتردد في شوارع مصطفاوية، داعياً الجميع إلى الصمود والنضال حتى تحقيق الحرية.

(ح)

ANHA