سقوط نظام حزب البعث.. سوريا تبدأ مرحلة جديدة

جثم نظام البعث على صدور السوريين منذ عام 1963، وحوّل البلاد إلى دولة العسكر وقضى على التعددية والديمقراطية، ووضع جميع مقدرات البلاد في يد حفنة من الأشخاص. واليوم سقط هذا النظام، لتبدأ مرحلة جديدة في سوريا، حيث ينتظر جميع السوريين، دون استثناء، نيل حقوقهم دون إقصاء أو تهميش.

سقوط نظام حزب البعث.. سوريا تبدأ مرحلة جديدة
الثلاثاء 10 كانون الأول, 2024   07:00
مركز الأخبار
حسن رمو

جاء اليوم الذي ينتظره السوريون جميعاً، يوم سقوط نظام البعث الذي عاث فساداً في البلاد وأمعن في قتل السوريين ومصادرة حريتهم على مدار عقود من الزمن. اليوم سقط هذا النظام الذي وصل إلى سدة الحكم عام 1963 بانقلاب عسكري.

سوريا بعد تأسيس الجمهورية ومرحلة الانقلابات

بعد استقلال سوريا وانتهاء الانتداب الفرنسي في 17 نيسان عام 1946، عاشت سوريا مرحلة من عدم الاستقرار، وشهدت البلاد بعد عام 1949 سلسلة من الانقلابات العسكرية، وفي عام 1958 أعلن الرئيس السوري شكري القوتلي والرئيس المصري جمال عبد الناصر عن تأسيس الجمهورية العربية المتحدة. ولكن الجمهورية لم تدم طويلاً حيث انتهت عام 1961.

بعد ذلك تصاعدت الصراعات بين الأحزاب السياسية، بما فيها حزب البعث، والحركات القومية واليسارية.

وصول حزب البعث إلى الحكم 1963

تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي في الأربعينيات من القرن الماضي على يد ميشيل عفلق وصلاح الدين البيطار، وسرعان ما بدأ هذا الحزب ببناء قاعدة قوية داخل الجيش السوري، ما مكنه من التحضير لانقلاب عسكري.

وفي الساعات الأولى من يوم 8 آذار 1963، نفذت مجموعة من الضباط البعثيين، بالتعاون مع ضباط قوميين وناصريين، انقلاباً عسكرياً أطاح بحكومة ناظم القدسي، وتم اعتقال كبار المسؤولين، وحُلّ البرلمان.

أعلن حزب البعث حالة الطوارئ في البلاد، وأُقام مجلس وطني لقيادة ما أسماها "الثورة"، والذي شكّل العمود الفقري للسلطة الجديدة.

ولعب الضباط البعثيون دوراً محورياً في الانقلاب، أبرزهم اللواء زياد الحريري وصلاح جديد، إلى جانب شخصيات ناصرية مؤقتة، وبذلك أصبح حزب البعث القوة المسيطرة في سوريا، وبدأ عملية إعادة هيكلة الدولة على أسس أيديولوجية بعثية.

صراعات داخلية ضمن حزب البعث

ولكن سرعان ما نشبت خلافات بين جناحي حزب البعث المدني والعسكري، وكذلك بين البعثيين والقوميين العرب (الناصريين)، ما أدى إلى موجة من التصفيات السياسية والانشقاقات وسلسلة من الانقلابات داخل الحزب نفسه.

صعود حافظ الأسد

أدى الانقسام داخل حزب البعث لاحقاً إلى استيلاء الجناح العسكري على السلطة، فبعد انقلاب 1966، سيطرت قيادة بعثية جديدة بقيادة صلاح جديد على السلطة.

وتصاعدت الخلافات بين حافظ الأسد الذي شارك في انقلاب 1963، وشغل مناصب سياسة وعسكرية مهمة بما فيها وزارة الدفاع، والذي كان يميل إلى البراغماتية والتوجهات القومية المعتدلة، وصلاح جديد الذي تبنى سياسات يسارية راديكالية.

بعد نكسة 1967 خسرت سوريا هضبة الجولان لصالح إسرائيل، مما أثار استياءً شعبياً كبيراً، واستغل الأسد هذه الهزيمة لتقوية نفوذه داخل الجيش وتحميل القيادة السياسية مسؤولية الفشل. ولذلك نفذ حافظ الأسد انقلاباً ضد القيادة البعثية بقيادة صلاح جديد عام 1970. وأطلق على الانقلاب اسم "الحركة التصحيحية".

وما إن وصل الأسد إلى الحكم حتى بدأ بتصفية خصومه السياسيين داخل حزب البعث، وبدأ بتعزيز المؤسسات الأمنية والعسكرية وأقام نظام استبدادي يرتكز على الولاء الشخصي.

إلى جانب ذلك، اعتمد الأسد على سياسة الاحتواء، فأسّس الجبهة الوطنية التقدمية التي جمعت بين أحزاب سياسية محدودة النشاط وخاضعة لسيطرة النظام، كما قام بضم شخصيات من طوائف وأيديولوجيات مختلفة إلى الحكومة لتوسيع قاعدته الشعبية. وفي عام 1973، أُقر دستور جديد عزز من سلطات الرئيس وأعلن الأسد نفسه رئيساً لسوريا بعد استفتاء شعبي.

وبنى حافظ الأسد أجهزة أمنية قوية (مخابرات) لمراقبة الشعب وقمع أي محاولات انقلابية. واعتمد على دائرة ضيقة من الموالين، معظمهم من أبناء الطائفة العلوية، لتأمين حكمه وحمايته.

مواجهة المعارضة 1980

في أواخر السبعينيات، تصاعدت المعارضة الإسلامية بقيادة الإخوان المسلمين ضد حافظ الأسد، بلغت ذروتها في مجزرة حماة 1982، حيث قمع النظام الإخوان بعنف، ما أسفر عن مقتل آلاف المدنيين.

إلى جانب الإسلاميين، واجه الأسد معارضة من قوى يسارية وقومية تم قمعها بشدة.

السياسة الخارجية

ركز حزب البعث وحافظ الأسد على تعزيز دوره الإقليمي عبر التدخل عسكرياً في لبنان عام 1976، كما دعم حركات المقاومة الفلسطينية وتحالف مع الاتحاد السوفييتي.

ولكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، عدّل الأسد من سياسته الخارجية وشارك في مؤتمر مدريد للسلام 1991، كما بدأ ببناء علاقات قوية مع إيران لتعزيز دوره أكثر في السلطة، وهذا ما فتح الباب أمام التغلغل الإيراني في سوريا.

التوجهات الاقتصادية والاجتماعية

أدخل الأسد إصلاحات اقتصادية محدودة تعتمد على الاقتصاد الموجه، مع السماح بنشاط محدود للقطاع الخاص وحصر العمل في هذا القطاع بيد الطبقة الداعمة له.

وركز على توفير الوظائف بالقطاع العام، وأجبر الجميع للتحول إلى بعثيين في سبيل تأمين فرصة عمل يستطيعون العيش من خلالها. فأولى الشروط للقبول في وظيفة كان الولاء لحزب البعث والابتعاد عن الأحزاب السياسية.

توريث الحكم

في تشرين الثاني عام 1988 أصيب حافظ الأسد بنوبة قلبية حادة، أعقبها جلطة دماغية أثرت بشكل ملحوظ على صحته، ما جعل الحديث يدور عن احتمالية وفاته أو عدم تمكنه من ممارسة مهامه بشكل كامل.

وفي ظل غياب الأسد عن المشهد لفترة قصيرة، زادت التكهنات حول احتمالية وقوع انقلاب داخلي أو تغييرات في بنية النظام، لكن قوة الأجهزة الأمنية وولاء الجيش له حالت دون حدوث أي اضطرابات كبيرة.

وبعد تعافيه الجزئي، عاد الأسد إلى الساحة السياسية، لكن بشكل أكثر هدوءاً. وبدأ العمل بشكل مكثف على تثبيت نفوذه وتأمين انتقال السلطة داخل عائلته.

لذلك بدأ حافظ الأسد بإعداد ابنه باسل الأسد ليكون خليفته المحتمل، من خلال منحه مناصب بارزة وتعزيز حضوره في المشهد العام. لكن وفاة باسل المفاجئة بحادث سيارة عام 1994، دفع الأسد إلى إعادة ترتيب أوراقه والبدء في إعداد ابنه الثاني، بشار الأسد، الذي لم يكن مهيأً سياسياً بالقدر الكافي، ما أثار استياءً داخل دوائر الحكم وبعض أركان النظام.

بعد وفاة حافظ الأسد عام 2000، خلفه ابنه بشار في الحكم وكأن النظام المعتمد في البلاد ملكي، تم تعديل الدستور بشكل عاجل لخفض الحد الأدنى لسن الرئيس من 40 عاماً إلى 34 عاماً، ليتمكن بشار من الترشح للرئاسة. وعُقد استفتاء عام، وتم الإعلان عن بشار الأسد رئيساً جديداً.

وما إن تولى بشار السلطة وعد بإصلاحات سياسية واقتصادية، ولكنها كانت سطحية ومحدودة، ولذلك شهدت فترة حكمه احتكاراَ مستمراً للسلطة وزيادة القبضة الأمنية مع تصاعد الفساد والمحسوبية.

تفاقم الأزمات

طيلة فترة حكم حزب البعث والتي استمرت لعقود، عجز النظام عن تلبية التطلعات الشعبية نتيجة الفساد والمحسوبية والولاءات وحكر كل شيء في البلاد بأيدي فئة مقربة من دائرة الحكم وحزب البعث، مما أدى إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية.

انفجار الثورة السورية 2011

مع موجة ربيع الشعوب التي انطلقت من تونس عام 2010 وانتقلت إلى ليبيا ومصر وبقية الدول العربية، انطلقت احتجاجات واسعة النطاق ضد نظام حزب البعث في آذار 2011.

ولكن النظام وبدلاً من القيام بإصلاحات رد باستخدام القوة العسكرية ضد المتظاهرين، مما أدى إلى عسكرة الثورة بفعل التدخلات الخارجية وخصوصاً من قبل تركيا وقطر اللتان أغرقتا البلاد بالمال والسلاح والمتطرفين من مختلف أنحاء العالم خدمةً لأجنداتهما في المنطقة.

مع استمرار الأزمة، تحولت سوريا إلى ساحة صراع دولي وإقليمي بعد أن فقد النظام البعثي السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد. حيث تدخلت قوى كبرى مثل روسيا وإيران لدعم النظام، بينما تدخلت تركيا بشكل مباشر لدعم مجموعاتها.

أزمات من جميع النواحي

استخدام النظام البعثي للأسلحة الكيماوية والقوة المفرطة ضد الشعب، دفعت قوى دولية وعلى رأسها أمريكا والاتحاد الأوروبي، لفرض عقوبات دولية على النظام السوري ورجالاته مما شكل ضغطاً هائلاً على الاقتصاد السوري، أدى إلى انهيار الليرة السورية، وارتفاع معدلات الفقر والجوع، حيث يعيش الآن أكثر من 90 % من السوريين تحت خط الفقر وفق الأمم المتحدة.

الاعتماد على الحلفاء

مع هذه العزلة الدولية، أصبح نظام البعث يعتمد بشكل كبير على روسيا وإيران لضمان بقائه، مما قلص من استقلاليته السياسية وأصبحت البلاد تحت تصرف الروس والإيرانيين، فيما تحول السوريون إلى لاجئين خارجياً ونازحين داخلياً.

حرب 7 تشرين الأول 2023 وتغيّر موازين القوى

في أعقاب التطورات الإقليمية والدولية لعام 2023، شهدت سوريا تغيرات كبيرة في موازين القوى أدت إلى انهيار سيطرة نظام حزب البعث بشكل ملحوظ. كانت حرب 7 تشرين الأول 2023، التي بدأت بتصعيد بين حماس وإسرائيل نقطة تحول كبرى، حيث أُعيد نشر قوات "حزب الله" لمواجهة إسرائيل، مما أضعف دعمه لنظام البعث في سوريا. بالإضافة إلى ذلك، تعرضت إيران لخسائر كبيرة في بنيتها التحتية العسكرية في سوريا نتيجة الضربات الإسرائيلية المتزايدة، ما أدى إلى تقليص نفوذها في البلاد​.

في هذه الفترة، استغلّت هيئة تحرير الشام وبدعم خارجي، وسط الانسحاب الروسي الجزئي وتركيزها على أوكرانيا، وتراجع الدعم الإيراني لتكثيف هجماتها، وبدأت في 27 تشرين الثاني، الفائت هجوماً على قوات النظام البعثي استخدمت فيها طائرات مسيّرة متطورة يؤكد الدعم الخارجي، وسيطرت بسرعة على مدينة حلب ثاني أكبر مدن البلاد، ما أدى لانهيار سريع لقوات النظام في ظل افتقارها للقدرة على المواجهة المستقلة دون دعم إيراني ومن حزب الله وروسيا.

يوم تاريخي.. سقوط نظام البعث

وفي صباح اليوم (8 كانون الأول 2024)، تم الإعلان رسمياً عن سقوط نظام حزب البعث بعد عقود من القمع والتهميش بحق جميع الشعوب السورية، وفي مقدمتهم الشعب الكردي الذي حُرم حتى من هوية المواطنة السورية.

ماذا ينتظر سوريا الجديدة؟

مستقبل جديد ينتظر سوريا بعد سقوط هذا النظام، مستقبل لا يزال غامضاً بعد، فهل سنرى سورية جديدة لكل السوريين دون إقصاء أو تهميش، أم سنرى إقصاءً وتهميشاً جديداً بناء على مصالح القوى المتدخلة يعيد سوريا إلى مربعها الأول؟

(أ ب)

ANHA