انتصارات داخلية واحتفاء خارجي.. حميدتي يظهر كزعيم قادم للسودان

تشهد الساحة السودانية تطورات متسارعة مؤخراً بعد الجولة الإفريقية التي قام بها قائد قوات الدعم السريع والحفاوة التي تم استقباله بها من زعماء دول إفريقية، فضلاً عن اللقاء الذي جمعه برئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك ممثل تجمّع القوى المدنية، يرى فيها مراقبون أن هناك محاولة إقليمية لتسويق حميدتي كزعيم سياسي وليس مجرد قائد عسكري منشق.

انتصارات داخلية واحتفاء خارجي.. حميدتي يظهر كزعيم قادم للسودان
الجمعة 12 كانون الثاني, 2024   05:30
القاهرة
محسن المصري

مع بداية العام الجاري، قام محمد حمدان دقلو الشهير بـ حميدتي، قائد قوات الدعم السريع بزيارة لعدة دول إفريقية شملت إثيوبيا وجيوتي وكينيا، حظي خلالها باستقبال يمكن وصفه بالرئاسي.

ووصفت الصفحة الرسمية للرئاسة الجنوب إفريقية حميدتي، بالرئيس السوداني خلال زيارته إلى بريتوريا قبل أن تحذفها بعد انتقادات السوشيال ميديا.

الغريب هو قيام وزارة الخارجية السودانية باستدعاء سفيرها من كينيا احتجاجاً على استقبال حميدتي، دون أن تكرر نفس الخطوة من بقية الدول التي استقبلته.

من جانبه، واصل قائد الجيش السوداني رفضه الحوار مع حميدتي، مؤكداً خلال حديثه أنه لا تفاوض أو حل مع من وصفهم "الميليشيا المتمردة" إلا بعد خروجها من منازل المواطنين والمقار الحكومية، أو الحرب حتى القضاء عليها، كما قال أيضاً إنه مع المقاومة الشعبية وسيقوم بتسليح المواطنين للدفاع عن أرضهم وعرضهم من هؤلاء المرتزقة".

وميدانياً، تتقدم "قوات الدعم السريع" منذ أشهر في كل أنحاء البلاد، في ظل مواجهة مقاومة ضعيفة من الجيش.

وبحسب تقارير صحفية، تسيطر قوات الدعم السريع حالياً على شوارع العاصمة، الخرطوم، وعلى كل منطقة غرب دارفور الشاسعة تقريباً، ودخلت ولاية الجزيرة في وسط شرق البلاد.

وبحسب مراقبين، فإنه بعد 9 أشهر من الحرب يبدو أن هناك محاولة إقليمية لتسويق حميدتي كزعيم سياسي وليس مجرد قائد عسكري منشق أو معارض، رغم أن الصراع في السودان مازال بلا أفق واضح، خاصة في ظل عدم وجود رغبة دولية قوية على إنهاء الحرب.

طريق اللا دولة

وترى نائبة المركز العراقي للدراسات الإفريقية، الدكتورة فريدة البنداري أن "السودان ينحدر نحو اللا دولة، وما يحدث من دمار وخراب ما هو إلا انقياد للثأر الشخصي بين الأطراف المتصارعة على قيادة البلاد، عوضاً عن النظر إلى حال البلاد وما آلت عليه".

وقالت لوكالتنا: "رغم هذا نقول بإنه لا تزال الفرصة مواتية للسلام، والصحيح في هذه اللحظة هو النأي عن التصعيد والتصعيد المضاد من جميع الأطراف، ووضع مهمة رفع المعاناة عن الشعب السوداني أولاً وقبل كل شيء، وأنه لا مخرج من هذه الكارثة سوى الحلول السلمية التفاوضية".

جولة حميدتي

وأشارت إلي أن "جولة حميدتي الإفريقية محاولة من الجهات الداعمة له لإعادة تسويقه وتدويره داخلياً، حتى يعود في منصب كبير في الدولة"، لافتة في الوقت نفسه إلى أن "صعوبة قبل الشعب السوداني بذلك، خاصة بعد الانتهاكات الواسعة بحق المواطنين من قبل من أطلق عليهم «المتفلتين» الذين تبرأ منهم حميدتي نفسه، بقوله: "هم لا علاقة لهم بـ(الدعم السريع).. المتفلتون أعداء لنا، تماماً كالعدو الذي نحاربه منذ الخامس عشر من أبريل".

وتعتقد الباحثة أن "عودة حميدتي للظهور بعد 8 شهور ما هو إلا حفظ ماء وجهه أمام العالم وسكان السودان، ومحاولة لإضفاء الشرعية لقوات الدعم السريع وقيادتها التي حاولت التدثر برداء "القوى الساعية للديمقراطية السودانية والسلام".

وبحسب خبير الشؤون الإفريقية فإنه "لا استقرار ولا سلام ولا انقاذ للكارثة السودانية إلا بخروج قوات الدعم السريع من المدن السودانية، وتسليم تلك المدن للجيش وقوات الشرطة المكلفة بأمن وحماية المؤسسات والمنشآت ذات الأهمية الاستراتيجية، غير ذلك يصبح الحديث عن أية تحالفات مجرد علاقات عامة لا تقدم ولا تؤخر في إنقاذ المشهد السوداني الكارثي اليوم".

وشددت على أنه "لا بد من وجود وساطة دولية وإقليمية فاعلة وضاغطة تستطيع أن تؤثر على طرفي الصراع وتدفعهما للجلوس على مائدة التفاوض، خاصة بعد تصريحات قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، قبل أيام، في منطقة جبيت العسكرية، شرق السودان، التي وضع فيها شروطاً جديدة للقاء حميدتي".

 وتعتقد خبيرة الشؤون الإفريقية أن "البرهان ربما لن يجد أمامه خيار في ظل المخطط الأجنبي لإعادة إنتاج "حميدتي وتسويقه كرجل دولة، سوى الاعتماد على المقاومة الشعبية لسد النقص في مشاة الجيش".

سيناريوهات مستقبلية

من جانبه، يرى الأكاديمي السوداني الدكتور عماد بحر الدين، الأستاذ المساعد بقسم العلوم السياسية بالجامعة الاسلامية بولاية منيسوتا الأمريكية أن "هناك تقارب بين الدعم السريع والقوى المدنية برئاسة عبد الله حمدوك، بدأ منذ تفجر الصراع لدرجة أن البعض يرى أن قوى الحرية والتغيير بمثابة الذراع السياسي للدعم السريع والإخوان المسلمين الذراع السياسي للجيش".

وقال لوكالتنا: "حميدتي وافق خلال لقائه بحمدوك على مطالب القوى المدنية الخاصة بتفكيك نظام البشير ومحاسبة رموزه والعمل على تعزيز التحول المدني الديمقراطي، في حين مازال نظام البرهان يرفض الاجتماع بالقوي المدنية".

وأشار إلى أنه "تم استقبال حميدتي في رواندا وكينيا وإثيوبيا وجنوب إفريقيا كرئيس وليس مجرد زعيم معارض"، لافتاً إلى أن "هناك قبول لقائد الدعم السريع من قبل الدول الإفريقية، بالعكس من البرهان الذي يسعى لإطالة أمد الحرب وتحويلها لحرب أهلية شاملة عن طريق تسليح القبائل، وهو ما يدخل البلاد في نفق صعب الخروج منه".

ويرى الأكاديمي السوداني أن "هناك عدة سيناريوهات يمكن توقعها لمستقبل الأوضاع بالسودان أولها وأقربها استمرار الحرب وتمدد خريطة المعارك لتشمل ولايات أخرى، خاصة في ظل قيام قيادات الجيش بتسليح المدنيين والقبائل لوقف تمدد الدعم السريع".

أما السيناريو الثاني بحسب بحر الدين "أن تقوم بعض الدول الإقليمية والدولية بإجبار الطرفين على الجلوس على طاولة المفاوضات وإلزامهم بتوقيع اتفاق سلام، وهو أمر لا يمكن الوثوق به خاصة بعد فشل القوي الدولية في إلزام طرفي الصراع بتنفيذ هدنة أو الالتزام بمخرجات اجتماعات جدة".

وتابع: "السيناريو الثالث هو توحد القوى المدنية والشعبية ضد طرفي الحرب والنزول بمظاهرات مليونية لإجبار الطرفين على وقف القتال"، مشيراً إلى أن "هناك سيناريو آخر لا يفضله أحد، وهو أن يتم وضع السودان تحت الوصاية الدولية من مجلس الأمن وتتولي الأمم المتحدة إدارة شؤون البلاد وإرسال قوات دولية لحفظ الأمن ووقف الحرب".

(ي ح)

ANHA