الانتشار العسكري للاحتلال التركي.. مخططات استعمارية وراء مزاعم مفضوحة

يستمر حزب العدالة والتنمية التركي برئاسة رجب طيب أردوغان في السعي لاستعادة ما يُسمى بأمجاد الإمبراطورية العثمانية، حيث لم يكن الجيش التركي منتشراً في الشرق الأوسط منذ سقوطها مطلع القرن الماضي كما هو الحال الآن.

الانتشار العسكري للاحتلال التركي.. مخططات استعمارية وراء مزاعم مفضوحة
الخميس 20 شباط, 2025   06:12
مركز الأخبار
يحيى الحبيب

عقب تسلمهم الحكم في تركيا تصاعدت النزعة العثمانية ذات الطابع الاستعماري لدى أردوغان ومسؤوليه، أملاً في توسيع الهيمنة وانتزاع ثروات البلدان التي تشهد اضطرابات سياسية وأمنية.

وتؤكد التحركات المستمرة للدولة التركية في المنطقة عموماً وسوريا والعراق خصوصاً، أن هذه الدولة وقادتها جادّون في حديثهم عن إعادة المنطقة إلى العهد العثماني.

"العثمانية الجديدة" من أفواه قادة "العدالة والتنمية"

في عام 2003، وبعد وصوله إلى السلطة، قال الرئيس التركي آنذاك، عبد الله غول، في حوار مع صحيفة تركية: "إن خنق تركيا داخل الأناضول وحبسها هناك غير وارد؛ حدود تركيا الكاملة ليست الحدود الرسمية، تأثير تركيا ومصالحها يتخطى حدودها".

وعندما سُئل غول؛ هل هذه عثمانية جديدة؟ قال: "كيفما تصفها صِفها، فالبلقان والشرق الأوسط وآسيا الوسطى مناطق تعنينا من كثب، وتركيا لا يمكن أن تُحبس داخل الأناضول".

وعبر هذه التصريحات، كان مسؤولو حزب العدالة والتنمية يمررون رسائل ومصطلحات تاريخية كالميثاق الملّي.

وقال وزير الداخلية التركي السابق، سليمان صويلو، في كانون الثاني 2019، حول مسألة منح الجنسية التركية للاجئين السوريين: "قد جاؤوا من أراضي حدود الميثاق الملّي"، معتبراً أن ذلك سبب يخوّلهم الأحقيّة في أن يصبحوا أتراكاً.

ولم يترك مسؤولو الدولة التركية فرصة واحدة لاستحضار تاريخ أجدادهم في سوريا، وفي 8 آب عام 2011، قال أردوغان، وكان رئيساً للحكومة: "سوريا ليست مسألة خارجية بل نراها شأناً داخليّاً تركيّاً".

وفي 15 تموز عام 2012، قال أردوغان: "يسألوننا عن أسباب انشغالنا بسوريا؛ الجواب بسيط للغاية، لأننا بلد تأسس على بقية الدولة العثمانية العليّة. نحن أحفاد السلاجقة، نحن أحفاد العثمانيين، نحن على امتداد التاريخ أحفاد أجدادنا الذين ناضلوا".

وفي 11 كانون الثاني عام 2018 قال أردوغان: "إن شمال سوريا كان ضمن حدود الميثاق الملّي".

وفي 16 أيلول 2018، قبل يوم من اتفاق سوتشي، قال أردوغان: "نحن لا نعترف بالنظام السوري ولا نعترف بالدولة السورية. إذا كانت بعض القوى تقول إنها في سوريا بناءً على دعوة النظام، فنحن هناك بناءً على دعوة الشعب السوري. في إدلب لا يحمل الناس الأعلام الروسية ولا الأميركية، بل الأعلام التركية".

أساليب مختلفة للوصول إلى العثمانية الجديدة

انتهجت تركيا خلال السنوات الماضية أسلوباً واضحاً لفرض الهيمنة والسيطرة على ثروات الدول، وذلك من خلال دعم أحزاب وقوى الإسلام السياسي وصولاً إلى دعم الجماعات التكفيرية، بالإضافة إلى زرع التفرقة بين شعوب هذه الدول ودعم مكونات على حساب مكونات أخرى، ومن ثم وضع كل ثقلها السياسي والعسكري لإيصال حكومة أو شخصيات موالية لها إلى نظام الحكم في هذه الدول، ومن ثم تقوم بإبرام اتفاقيات غير شرعية وغير قانونية لبسط الهيمنة والنفوذ.

ليبيا مثالاً واضحاً على هذه السياسة

قال الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، في 25 كانون الأول عام 2019: "إن الذي يعرف تاريخ تركيا الحديث جيداً يدرك بوضوح وبدقة أن أمن تركيا يبدأ من خلف حدود الميثاق الملّي. ونحن يتحتم علينا أن نرسم خطىً أكثر اتساعاً لحزامنا الأمني؛ لذلك نحن نهتم بليبيا".

ومرة أخرى قال إبراهيم كالين: "في عصر العولمة يبدأ الأمن القومي التركي من وراء حدود الميثاق الملّي. قد تبدو ليبيا بعيدة؛ والقول إن أي شأن في ليبيا يعكس نظرة ضيّقة للغير".

وتطبيقاً للأطماع التركية، أرسلت تركيا قوات إلى ليبيا، مما أدى إلى إحداث تغيير في مجرى الحرب هناك وصعود قوى سياسية وعسكرية تابعة لها، وتسعى تركيا من خلال هذا الوجود العسكري لتحقيق مكاسب مادية، بينها عقود بمليارات الدولارات كاد النسيان يطويها، إلى جانب الاتفاق البحري الذي يعزز موقف تركيا للاستحواذ على مناطق واسعة في مياه المتوسط، حيث تتنازع أنقرة مع كل من نيقوسيا وأثينا للحصول على ثروات الغاز والنفط.

سوريا.. احتلال ثم بحث عن الهيمنة

سعت تركيا للتدخل المباشر في الأزمة السورية منذ بدايتها، وأرسلت قواتها إلى الأراضي السورية واحتلت مناطق واسعة، ودعمت مجموعات مرتزقة موالية لها مثل ما يسمى الجيش الوطني.

ونفذ الاحتلال التركي ومرتزقته السوريون خلال السنوات الماضية، عدداً من الإجراءات التي تهدف إلى تغيير هوية المناطق السورية المحتلة؛ مثل جرابلس والباب وإعزاز وعفرين وسري كانيه وكري سبي، لكن لم يكتفِ بذلك.

وبعد سقوط نظام الأسد في سورية ووصول سلطة جديدة إلى دمشق، ونظراً للنفوذ التركي الذي تحقق على الأراضي السورية وقدرة أنقرة على ممارسة الضغوط على هذه الإدارة، بدأت تركيا تتحدث عن اتفاقيات سياسية وعسكرية واقتصادية مبكرة مع هذه السلطة، على الرغم من أن البلاد لم تتجاوز المرحلة الانتقالية، وبالتالي فإن أي اتفاقية لا تعد شرعية ولا تستند إلى أي مواثيق قانونية.

وتسعى تركيا لإبرام اتفاقية مع دمشق بشأن ترسيم الحدود بالإضافة إلى أنها تسعى لإبرام اتفاقيات طويلة الأمد تسمح لها ببناء المزيد من القواعد العسكرية في العمق السوري بعد أن كانت قواعدها السابقة موجودة فقط في المناطق الحدودية، وهذا ما يزيد من قبضتها على الأوضاع السورية وقدرتها على ممارسة النفوذ والهيمنة، كما أنها تسعى للسيطرة على الجيش والقوى الأمنية بحجة تدريبهم، وهذا ما يهدد استقلال سورية ومؤسساتها العسكرية الأمنية.

العراق.. قواعد عسكرية وابتزاز

تحركات الاحتلال التركي لم تقتصر على سوريا فقط، إنما في العراق وجنوب كردستان. ففي تشرين الأول 2016م، وبعد رفض الحكومة العراقيّة مشاركة تركيا في عملية تحرير مدينة الموصل شمال العراق من داعش، رد الرئيس التركيّ، رجب طيب أردوغان، على القرار العراقي بالقول: "عليهم قراءة الميثاق الملّي ليفهموا معنى الموصل بالنسبة لنا... الموصل كانت لنا".

كما قال أردوغان أيضاً: "إذ نعيش الأحداث في سوريا والعراق، فإن الجيل الجديد يجب أن يعرف جيّداً شيئاً؛ عجباً ما هو الميثاق الملّي، يجب أن نعرف هذا جيداً. إذا درسنا الميثاق الملّي وإذا فهمنا الميثاق الملّي، فإننا نفهم جيّداً مسؤوليتنا في سوريا والعراق، وإذا كنّا نقول علينا مسؤولية في الموصل، فمن أجل ذلك علينا أن نكون على الطاولة وفي الميدان، ولهذا هناك سبب. للأسف لم نستطع أن نحمي ميثاقنا الملّي على حدودنا الغربية أو الجنوبية، هم أرادوا أن يحبسونا داخل قشرة، وهذا المفهوم نحن نرفضه، هم يريدون منذ عام 1923 أن يحبسونا في هذا المفهوم من أجل أن يجعلونا ننسى ماضينا السلجوقي والعثماني".

وفي مناسبة أخرى قال: "لم نستطع أن نحمي ميثاقنا الملّي، إذا تأملنا جيداً في التطورات في سوريا والعراق هناك شيء أريد أن أقوله، نحن يتحتم علينا أن نكون من جديد أصحاب الميثاق الملّي".

وعمل الاحتلال التركي على توسيع وجوده في باشور كردستان، من خلال إقامة العديد من القواعد العسكرية، بالإضافة إلى أنه يقوم بدعم بعض القوى السنية والتركمانية ويبتز الحكومة العراقية بقضية المياه وغيرها؛ لدفعه للتعاون ضد حزب العمال الكردستاني.

الصومال.. قاعدة عسكرية بذريعة التدريب لكن الهدف تجاوز ذلك

في 2017، افتتحت تركيا أكبر قاعدة عسكرية لها خارج أراضيها في ضواحي العاصمة الصومالية، مقديشو، وتقول أنقرة إن القاعدة أنشئت لأغراض تدريب القوات الصومالية، لكن المراقبين أكدوا أن هدف القاعدة هو تعزيز النفوذ التركي في الدولة الواقعة في القرن الأفريقي، وبدأ الاهتمام التركي واضحاً في الصومال، منذ زيارة أردوغان إلى مقديشو عام 2011، وعملت أنقرة على تقديم خدمات في البلد الذي دمرته الحرب الأهلية لكن الخدمات لم تكن سوى ستاراً لتعزيز النفوذ هناك.