يجعلون من كل ما حولهم مصدراً للأمل

لم تدفع ظروف التهجير وقسوتها المهجّرين قسراً من مقاطعة عفرين والشهباء إلى اليأس أو تجرّع مرارة البعد عن الوطن والأرض. بل، على العكس، حوّلوا كل شيء حولهم إلى أمل بحياة أفضل واستمرار للمقاومة.

يجعلون من كل ما حولهم مصدراً للأمل
يجعلون من كل ما حولهم مصدراً للأمل
يجعلون من كل ما حولهم مصدراً للأمل
يجعلون من كل ما حولهم مصدراً للأمل
يجعلون من كل ما حولهم مصدراً للأمل
يجعلون من كل ما حولهم مصدراً للأمل
يجعلون من كل ما حولهم مصدراً للأمل
يجعلون من كل ما حولهم مصدراً للأمل
يجعلون من كل ما حولهم مصدراً للأمل
يجعلون من كل ما حولهم مصدراً للأمل
السبت 25 كانون الثاني, 2025   03:35
الطبقة
ريناد العلي

في مركز الإيواء المؤقت بالمدينة الرياضية في مقاطعة الطبقة، تجد عشرات القصص التي يظهر أبطالها نساء ورجال من مقاطعة عفرين، صامدين أمام ظروف التهجير ومقاومين لكل يأس. لقد حولوا خيامهم البسيطة إلى قلاع تكسر قسوة التهجير.

نرى اليوم كيف تمكنوا من تحويل مركز الإيواء إلى مكان يعكس حياتهم اليومية، حيث يعملون في مختلف المهن مثل تصليح السيارات والحلاقة، وحتى إعادة فتح المطاعم. هذه الروح الإيجابية والإبداع في مواجهة الظروف الصعبة تعكس إرادتهم وقدرتهم على التكيف مع التحديات.

بتاريخ 2 كانون الأول 2024، توافد الآلاف من العوائل المهجّرة قسراً من مقاطعة الشهباء وعفرين إلى مقاطعة الطبقة نتيجة هجوم مرتزقة الاحتلال التركي عليهم، حيث وصل عددهم إلى 25 ألف عائلة، أي ما يقارب 120 ألف نسمة.

استقروا لعدة أيام في مقاطعة الطبقة، ثم توجه العديد منهم إلى الحسكة وقامشلو وكوباني ومقاطعة الرقة. وحسب الإحصائية الأخيرة، بقي في مقاطعة الطبقة 2150 عائلة.

ويوجد الآن في المدينة الرياضية 1050 عائلة ضمن 964 خيمة، حيث عمل مجلس إدارة المخيم على تشكيل 8 كومينات بالإضافة إلى الرئاسة المشتركة له وتشكيل لجان؛ الصحة، البلدية، المحروقات، الحماية الذاتية، عوائل الشهداء.

ويروي عبدو شيخو بيرم لوكالتنا كيف قرر مواجهة ظروف الهجرة من خلال تحويل خيمته إلى مطعم. بدأ العمل في مهنته القديمة التي بدأها في عمر العشرين على بحيرة سد ميدانكي، حيث كان يصطاد السمك لمدة 23 عاماً، ثم بدأ بالطهي في مطعمه المشهور باسم "أبو ناشف".

وقال بيرم: "كان الناس يأتون من حلب والقرى المحيطة بعفرين لتناول السمك في مطعمي خصيصاً، ولكن مع تصاعد انتهاكات الدولة التركية في عفرين خرجت مع الآلاف من المهجّرين إلى الشهباء".

وعمل على إعادة فتح مطعم في الشهباء ليبدأ بصيد السمك والطهي على مدار 7 أعوام، فكان قد أسس له ولعائلته المؤلفة من 5 أفراد بيتاً يجمع حوائجهم اليومية والمعيشية ولكن مرة أخرى يجد نفسه في تغريبة ثانية بسبب مرتزقة تركيا وانتهاكاتهم.

إحراق الذكريات

وقال عبدو بيرم إنه قبل مغادرته منزله في الشهباء، أضرم النيران في جميع أغراض المنزل، فلم يتقبل أن تُستخدم الأغراض التي جمعها بتعبه على يد المرتزقة.

ومع وصوله إلى مقاطعة الطبقة، استقر في مركز الإيواء بالمدينة الرياضية. طلب منه معارفه وأقرباؤه أن يعاود العمل في مهنته، مما شجعه على تحويل خيمته إلى مطعم، حيث وضع مقعدين ومنقل شواء.

ومنذ حوالي شهر، بدأ العمل منذ الصباح الباكر على جلب السمك وطهيه وتقديمه للزبائن الذين يحبون الطعام الذي يقدمه بيرم.

يُعدّ بيرم واحداً من عشرات الأشخاص المهجّرين قسراً من عفرين والشهباء للمرة الثانية، الذين لم يستسلموا لدوافع الهجرة. وفي زاوية أخرى من المدينة الرياضية، نجد هورو حنيف، الذي تعود أصوله إلى عفرين وعمل لسنوات في إصلاح كهرباء السيارات هناك.

ومع تغريبته الأولى إلى مقاطعة الشهباء، بدأ العمل كميكانيكي عربات، وقام بتعليم ولديه، حيث رافقته سيارته ومعداته الميكانيكية في رحلة التهجير. حال وصوله واستقراره في المركز، حول عربته إلى محل لتصليح السيارات، وعرض معداته في جسم العربة، وبدأ بإصلاح الدراجات النارية والسيارات. وبحسب تعبيره، قد لا يؤمن له ذلك جميع احتياجات عائلته، لكنه أبى أن يجلس داخل خيمته دون أن يستمر في عمله الذي رافقه لسنوات عدة.

أما هوكر حمو العفريني، البالغ من العمر 37 عاماً، والذي امتهن الحلاقة في عفرين وعمل فيها لمدة 16 عاماً، فقد افتتح محلاً في منطقة الأحداث بحلب بعد تغريبته هناك، وعمل فيه طيلة 7 أعوام.

والآن، في تغريبته الثانية إلى مقاطعة الطبقة، أصر على مواصلة العمل في مهنته التي رافقته منذ صغره. كان يملك محلاً كبيراً يحوي كل المعدات، لكنه تحول الآن للعمل في خيمته الصغيرة التي لا تتجاوز مترين في الطول وعرض متر، ولا تحتوي سوى على طاولة وكرسي واحد ومشط ومقص.

نصيب الشباب

وللشباب أيضاً نصيب في مقاومة ظروف التهجير، حيث حوّل الشاب جوان يوسف، الذي في العشرين من عمره، خيمته في رحلة التهجير الأولى إلى صالون حلاقة بعد أن تعلم المهنة أثناء تهجيره من عفرين إلى الشهباء، وعمل فيها لمدة عامين هناك.

والآن، يجدها في تهجيره الثاني مفتاحاً لجمع قوت يوم عائلته المؤلفة من 8 أشخاص، مما يقيه، كما قال، احتياج الناس ويكفل له العيش بكرامة.

وفي النقطة الطبية الثابتة التي وضعتها هيئة الصحة في المدينة الرياضية، التقينا الشابتين نيروز أيبش وصباح أيبش، اللتين كانتا تبثان الصمود من خلال عملهما في التمريض.

تحدثت كل منهما لنا، وهما تعودان أصولهما إلى عفرين، حيث جرى تهجيرهُما مع أهاليهما وأهالي قريتهما في عام 2018 إلى الشهباء. ومع بدء رحلة الحياة والمقاومة من جديد في الشهباء، بدأت كل منهما برسم مستقبلها بتعلم وإتقان مهنة التمريض.

ولكن بعد أن نالتا شهادة التمريض لم تكتمل رسمة المستقبل في العمل ضمن المجال نفسه، بل أعاقتها التغريبة الثانية.

تقول إحداهما: "لا شك أن الاحتلال التركي أراد بوحشيته هدم مستقبل الآلاف من الشابات والشبان ولكن فئة شباب عفرين الذين ذاقوا مرارة التغريب والتهجير للمرة الثانية أثبتوا العكس".

وقالت نيروز خلال حديثها لوكالتنا: "لا شك أن التهجير مؤلم لكن صمودنا وعملنا في النقطة الطبية لمساعدة أهالينا وأهالي منطقتنا المهجّرين وتضميد جراحهم وتعقيمها من ويلات ما ذاقوا وذقنا من ألم التهجير بسبب المرتزقة هذا يثبت صمودنا أمام كل ما يجري من قبل المرتزقة التي سعت من جديد لتهجيرنا وكسر مقاومتنا ومستقبلنا".

وتأمل صباح ايبش بالعودة في أٌقرب وقت إلى ديارهم وأرضهم في عفرين والعمل في مستشفياتها لإكمال ما تبقى من حلمها.

هذا العمل لهؤلاء الأشخاص لا يعكس فقط عزيمتهم على كسب لقمة العيش، بل يحمل أيضاً أملاً كبيراً في تحرير عفرين والعودة إليها في المستقبل؛ فهم مثال حي على كيفية مواجهة التحديات والإصرار على بناء حياة جديدة رغم كل صعوبات الهجرة.

(أ) 

ANHA