وسط الحنين والمقاومة.. حكايات مهجّري عفرين في الرقة

في صباح يوم بارد، وبين جدران مدرسة "هواري بو مدين" بمدينة الرقة، اجتمع أكرم بكداش، الرجل العفريني، مع مجموعة من مهجّري الشهباء. وبصوتٍ يحمل الألم والأمل، بدأ يغني أغنية كردية تفيض كلماتها بالمقاومة والحنين إلى تراب عفرين، تلك المدينة التي غادرها قسراً لكنها لم تفارق روحه.

وسط الحنين والمقاومة.. حكايات مهجّري عفرين في الرقة
وسط الحنين والمقاومة.. حكايات مهجّري عفرين في الرقة
وسط الحنين والمقاومة.. حكايات مهجّري عفرين في الرقة
وسط الحنين والمقاومة.. حكايات مهجّري عفرين في الرقة
وسط الحنين والمقاومة.. حكايات مهجّري عفرين في الرقة
الخميس 16 كانون الثاني, 2025   03:50
الرقة
ديمة محمد

وسط ضجيج المدينة، وفي أروقة مدرسة "هواري بو مدين" في الرقة، يستمر المهجرون في بناء حياة جديدة، حتى يحين يوم العودة إلى ديارهم، حيث كان صوت أكرم بكداش، الرجل العفريني ذو الـ 55 عاماً، يصدح بأغانٍ كردية تنبض بالمقاومة والحنين. وجلس حوله مهجرو الشهباء، يستمعون إلى أغانيه التي أعادت إليهم ذكريات الأرض التي أُجبِروا على تركها نتيجة هجمات الاحتلال التركي ومرتزقته.

أكرم الذي فقد ساقه في انفجار لغم في منزله بعفرين عام 2018، لا يزال يحمل صموداً يرفض الانكسار. وبين كلمات أغانيه، كان يوصل رسالة واضحة: "الحياة تستحق المقاومة، وعفرين ستعود يوماً".

غناء يقاوم البؤس

غناء أكرم ليس مجرد هواية، بل وسيلة لمواجهة واقع التهجير القسري القاسي. بترُ ساقه لم يمنعه من الوقوف بصلابة أمام الألم. ويقول: "حين أغني، أشعر بأنني أقرب إلى عفرين. الغناء هو طريقتي لتذكير نفسي وأهل منطقتي بأن النضال مستمر، وأن التهجير لن يسرق منا إيماننا بحق العودة".

ورغم أن عمره اقترب من الستين، لا يزال أكرم يعمل يومياً على رفع معنويات المهجرين قسراً الذين يشاركونه الحياة في مراكز الإيواء بمدينة الرقة، حيث تحولت هذه الأماكن إلى مساحات صغيرة من الحنين والتكاتف.

حكايات تهجير قسري متكررة

رحلة التهجير القسري ليست الأولى بالنسبة لأكرم وجيرانه، حيث بدأت معاناتهم عام 2018 حينما شنت دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها هجوماً وحشياً على مدينة عفرين، حوّل حياتهم إلى سلسلة من التهجير القسري توجهوا فيها إلى مناطق الشهباء.

ولكن عاد التهجير مجدداً مطلع كانون الأول من عام 2024 عندما تصاعدت هجمات الاحتلال التركي ومرتزقته على تل رفعت والشهباء، مما أجبر أكثر من 100 شخص للهجرة القسرية مجدداً وهذه المرة باتجاه مقاطعات الرقة والطبقة والجزيرة والفرات.

ويتحدث أكرم عن رحلة التهجير القسري قائلاً: "ما واجهناه في عفرين كان بداية الألم، لكن ما زاد من معاناتنا هو تكرار المأساة. كل مرة نُجبر فيها على ترك مكان، نترك جزءاً من روحنا".

أغانٍ عن المقاومة والتمسك بالأمل

في زاوية أخرى من مركز الإيواء، يجلس ملا درويش محمد وهو رجل في الستينيات من عمره، محاطاً بأحفاده الذين يطلبون منه أن يروي لهم قصصاً عن عفرين.

ويروي لهم عن الحياة التي عاشوها هناك، عن الحقول الخضراء والجبال التي كان يراها كل صباح. بين القصة والأخرى، يرفع صوته بأغانٍ كردية تقليدية تعكس روح المقاومة.

ويقول محمد: "كل أغنية هي رسالة أمل. نريد أن يعرف أطفالنا أن ما يحدث لنا ليس نهاية الطريق، وأن العودة إلى ديارنا ليست حلماً مستحيلاً".

شباب يرفضون الانكسار

أمل عدنان عبد الله ذي الـ 25 ربيعاً، لا يختلف عن آمال غيره. هذا الشاب هو أيضاً من بين المهجرين قسراً الذين انتقلوا من تل رفعت إلى الرقة. ويقول: "النضال لم يتوقف بتركنا لبيوتنا. نحن هنا لنكمل المقاومة، ليس فقط من أجل أنفسنا، بل من أجل كل من حُرم من أرضه".

ويشير عدنان إلى أن رحلة التهجير القسري الأخيرة كانت صعبة، لكنها لم تفقده الأمل، ويضيف: "كان الطريق شاقاً، لكننا عرفنا أن هدفنا هو الأهم. نحن هنا لنعيش، لكننا نحلم كل يوم بالعودة إلى عفرين".

ظروف معيشية قاسية ولكن...

في مراكز الإيواء بمدينة الرقة، تبدو الحياة صعبة للغاية. قلة الموارد، وغياب البنية التحتية الملائمة تجعل الظروف قاسية على المهجرين. ولكن رغم ذلك، يشدد أكرم ودرويش وعدنان على أهمية التكاتف. إذ يقول أكرم: "نحن هنا لنساعد بعضنا البعض. نعلم أن الطريق طويل، لكن وحدتنا هي ما تجعلنا أقوى".

المقاومة مستمرة

في كل زاوية من مراكز الإيواء، ترى الوجوه التي تحمل قصصاً من النضال والألم والأمل. أغاني أكرم، وحكايات ملا درويش، وكلمات عدنان، كلها تؤكد أن هذا الشعب لن يتوقف عن النضال من أجل العودة إلى أرضه شامخاً.

(أ)
ANHA