محمد شيخو.. صوتٌ لا يغيب ووصيةٌ تتجدد كل آذار

تمرُّ السنون، لكن صوته لا يشيخ، ولا يخفت، ولا يغيب. كلما أتى آذار، عاد محمد شيخو ليُبعث من جديد في ذاكرة شعبه وكأن صوته نسج خيوط الخلود في وجدان أمةٍ تغنّى بقضيتها، بآلامها وأحلامها، بأفراحها وأحزانها.

محمد شيخو.. صوتٌ لا يغيب ووصيةٌ تتجدد كل آذار
الأحد 9 آذار, 2025   06:00
قامشلو
أحمد سمير

في التاسع من آذار عام 1989، رحل الفنان الكردي محمد شيخو. هذا الرحيل ليس مجرد تاريخ يُذكر، بل هو محطةٌ يعيد فيها الكرد استذكار إرثٍ فنيٍّ عظيم، وحنجرة لم تخضع يوماً لقمع الطغاة. إذ لم يكن محمد شيخو مجرد موسيقي أو مغنٍّ عابر في تاريخ الفن الكردي، بل كان ثائراً بفنه، متسلحاً بأوتار البزق وكلمات الأغاني التي حملت هموم شعبه ومعاناته. لم يكن صوته مجرد نغمة عذبة، بل كان صدى للآهات التي كانت تصدح من أقبية المعتقلات، ومرآة تعكس الأفراح الحزينة لشعب حُرم من أبسط حقوقه، وغُيّب صوته في ظلمات الديكتاتوريات المتعاقبة.

نشأة الثائر الحالم

ولد محمد شيخو عام 1948 في قرية خجوكي، جنوب مدينة قامشلو، وسط بيئة ريفية تمتزج فيها بساطة الحياة بعمق التراث الكردي.

هناك، بين الحقول الخضراء وصوت الرعاة الذي يتردد في الأفق، بدأت روحه تنسج علاقة خاصة مع الموسيقى، علاقة تحولت لاحقاً إلى هوية نضالية.

لم تكن نشأته سهلة، فمثل أبناء جلدته من الكرد، عرف منذ صغره معنى القهر والحرمان، لكنه وجد في الموسيقى ملاذاً، وفي النغمات وطناً لا يمكن لأحد مصادرته.

لم يكتفِ شيخو بموهبة طبيعية، بل عمل على صقلها، فتعلّم العزف على العديد من الآلات الموسيقية، منها الناي، والبزق، والعود، والكمان، والأكورديون، والغيتار. كان يدرك أن صوته وحده لا يكفي لإيصال رسالته، فتعلم العزف بإتقان ليجعل من كل آلة أداة لنقل مشاعر شعبه إلى العالم.

وفي بداية السبعينيات، شدّ الرحال إلى بيروت، عاصمة الفن والثقافة آنذاك، حيث درس الموسيقى لمدة عامين، محاولاً إثراء تجربته الفنية بالعلم والمعرفة، لكنه لم يلبث أن عاد إلى وطنه، فالموسيقى التي لا تنبع من الأرض التي ينتمي إليها، لم تكن تعنيه.

فنٌّ محرَّمٌ في زمن القمع

كان الغناء باللغة الكردية أشبه بجريمة في ظل حكم حزب البعث، حيث كان هذا النظام يمارس سياسة الإلغاء والإنكار ضد أي تعبير عن الهوية الكردية، سواء كان في السياسة أو الثقافة أو حتى في الفن.

ولكن شيخو لم يأبه بذلك، بل زادته هذه الممارسات إصراراً على إيصال صوته، فغنى لجبال كردستان التي لا تنحني، وللثوار الذين يقاتلون من أجل حلم لا يموت، وللمنازل التي كانت تُهدم وللأحلام التي كانت تُسحق، لكنه لم يغنِ للحزن فقط، بل غنى أيضاً للحب، للفرح المسروق، للأمل الذي لا يندثر.

كان يعلم أن أغانيه قد تكلّفه الكثير، فحياته كانت سلسلة من المطاردات، من السجون والمنافي، لكنه كان مستعداً لدفع الثمن، لأن فنه لم يكن مجرد ترفٍ، بل كان معركة يخوضها بصوته وألحانه.

لم يكن لديه منبر إعلامي، ولم تكن هناك قنوات كردية تذيع أغانيه، لذلك كان يقدم أغانيه عن طريق راديو بغداد القسم الكردي وراديو يريفان، وعن طريق أشرطة الكاسيت التي كانت تتناقل سراً بين أبناء شعبه، رغم مخاطر امتلاكها. كثيرون زُجّوا في السجون، وعُذبوا لمجرد الاستماع إلى أغانيه.

بصمته في قلوب الجميع

لم يكن محمد شيخو فناناً عادياً، بل كان مدرسة فنية تركت أثراً في الأجيال اللاحقة. الفنان عبد الرحمن علو من مدينة الحسكة، وهو أحد تلاميذه، يقول: "أهوى الطريقة الفنية للفنان الراحل محمد شيخو، نشأت في مدرسته، وتعلمت العزف على آلة البزق عام 1970 تأثراً به".

ويضيف: "ترك بصمة لا تُمحى في وجدان مجتمعه، فكان الناس يقدرونه ليس فقط لفنه، بل لأنه وهب حياته لقضية شعبه. لقد كان عاشقاً لكردستان، وكانت أغانيه انعكاساً لهذا العشق، حيث لحن للورود، للجبال، للمقاتلين، وللحرية".

أما شقيقه بهاء شيخو، فيروي تفاصيل أكثر عن طفولته، وكيف كان الفنانون في ذلك الزمن يصنعون آلاتهم الموسيقية بأيديهم، لدرجة أنهم كانوا يقطعون أسلاك مكابح الدراجات الهوائية لتحويلها إلى أوتار للآلات الموسيقية.

ويتذكر بهاء شيخو كيف أن عمه أهدى شقيقه محمد أول آلة طنبور، مقابل أن يغني للفنانة سميرة توفيق، ليكتشف لاحقاً موهبته الفريدة في أداء الأغاني العربية إلى جانب الكردية، حيث غنى لعبد الوهاب وفريد الأطرش، لكنه ظل وفياً لصوت شعبه، مبيناً أن شقيقه غنى أبيات شعر لـ 18 شاعراً كردياً.

رحلة النضال والمنافي

تنقّل الفنان محمد شيخو بين المنافي، محمولاً على جناحي الحلم والمنفى، هارباً من بطش الأجهزة الأمنية لنظام البعث، التي لاحقته بسبب صوته الذي تحوّل إلى نشيدٍ لقضية شعبه. في عام 1970، حطّ رحاله في العاصمة اللبنانية بيروت، حيث درس الموسيقى وسعى إلى تطوير موهبته بعيداً عن القمع والملاحقة.

لكنّ الحنين للوطن لم يفارقه، فعاد عام 1974 إلى سوريا، ليُسجّل أول ألبوماته في دمشق، غير أنّ صوته الذي كان ينبض بحب كردستان أزعج السلطات، فوجد نفسه مرة أخرى مطارَداً، مجبَراً على مغادرة بلاده. في العام نفسه، اتجه إلى جنوب كردستان، حيث انضم إلى صفوف البيشمركة الذين كانوا يخوضون ثورة ضد النظام العراقي، ليكون صوته رفيق دربهم في مسيرة النضال.

وفي عام 1975، دفعته رحلة البحث عن الحرية إلى العبور نحو شرق كردستان، ليصل إلى مدينة مهاباد، المدينة التي كانت رمزاً للحلم الكردي، وهناك سجل أحد أبرز أعماله الفنية، الأغنية التي ظلت خالدة في وجدان شعبه "أي فلك" (Ey Felek)، وكأنه كان يناجي القدر الذي جعل من حياته سلسلة من الترحال والمقاومة.

الرحيل في آذار.. وصوت لا يموت

في 6 آذار 1989، وبعد خروجه من معتقلات النظام البعثي، أصيب بنوبة قلبية إثر التعذيب الشديد الذي تعرض له في السجن، نقل إثرها إلى المشفى الوطني في قامشلو، حيث سلّم الروح في 9 آذار، عن عمر يناهز 41 عاماً، تاركاً وراءه إرثاً لا يموت.

وصية تتجدد في كل آذار

لم يكن الفن بالنسبة له مجرد ألحان تُعزف أو كلمات تُقال، بل كان رسالة مقدسة، حمّلها على كتفيه ومضى غير آبه بالمطاردات الأمنية، غير خائفٍ من السجون التي كانت تلاحقه. كان يعلم في قرارة نفسه أن آذار، شهر الحياة والموت، شهر الثورة والانبعاث، سيكون أيضاً شهر رحيله، حتى أنه تنبأ بذلك في أغنيته الشهيرة: "إذا متُّ يوماً، لا تدفنوني كما موتاكم، في كل آذار أيقظوني، لأعتصر لكم الألم بصوتي".

رغم رحيل الفنان محمد شيخو، إلا أنه صوته لم يمت، بل ما زال يتردد في كل بيت كردي، وما زالت أغانيه توقظ الأمل في النفوس، وما زال في كل آذار، كما أوصى، يُبعث من جديد، ليعتصر الألم بصوته، ويعيد للشعب الذي أحبه بعضاً من روحه التي لم تمت.

(ح)

ANHA