لقاء القائد.. من حلم بعيد إلى حقيقة محفورة في ذاكرة النضال

بعض اللقاءات تغيّر مسار الحياة، تجعل الإنسان يرى العالم بعينٍ أخرى، وتشعل في داخله جذوة لا تنطفئ. هكذا كان لقاؤه الأول بالقائد عبد الله أوجلان؛ حلمٌ راوده طويلاً، فتحقق في لحظة لم يكن يتوقع أنها ستغيّر مسار حياته إلى الأبد. من الاستماع إلى صوته عبر أشرطة الكاسيت، إلى الجلوس أمامه وجهاً لوجه في أكاديمية الشهيد معصوم قورقماز في البقاع اللبناني، كانت تلك ست ساعات كفيلة بأن تجعله يتخذ قراره النهائي: لا تراجع عن النضال، ولا مساومة على القضية.

لقاء القائد.. من حلم بعيد إلى حقيقة محفورة في ذاكرة النضال
لقاء القائد.. من حلم بعيد إلى حقيقة محفورة في ذاكرة النضال
لقاء القائد.. من حلم بعيد إلى حقيقة محفورة في ذاكرة النضال
لقاء القائد.. من حلم بعيد إلى حقيقة محفورة في ذاكرة النضال
لقاء القائد.. من حلم بعيد إلى حقيقة محفورة في ذاكرة النضال
السبت 22 شباط, 2025   03:01
قامشلو
بسنة شمو

على مدار عقود، ظل صوت القائد عبد الله أوجلان يتردد بين الوطنيين والمقاومين، محفزاً وجدانهم، مشعلاً شعلة الأمل في قلوبهم. في زمن كان فيه كل شيء يوحي بالخذلان واليأس، تحوّل صوته المسجل على أشرطة الكاسيت إلى نافذة للحرية، إلى شعاع يقود المظلومين نحو مقاومة حقيقية.

حينها، لم يكن من السهل الوصول إلى القائد أو اللقاء به شخصياً، إلا أن أولئك الذين أتيحت لهم الفرصة للذهاب إلى دمشق والبقاع اللبناني لمقابلته، وصفوا ذلك بأنه "لحظة غيرت مسار حياتهم". لم يكن مجرد لقاء سياسي، بل كان نقطة تحول جعلتهم أكثر استعداداً للتضحية، وأكثر التزاماً بمسار النضال الثوري.

رحلة البحث عن النضال الحقيقي

من بين هؤلاء الوطنيين، كان أحمد صالح مراد، ابن قرية كردميك في منطقة آليان التابعة لمدينة جل آغا في مقاطعة الجزيرة. اليوم، وهو في الستين من عمره، لا يزال يروي تفاصيل رحلته في البحث عن النضال الحقيقي.

قبل أن يتعرف على حركة التحرر الكردستاني، كان أحمد مناصراً لحزب اليسار الديمقراطي لمدة أربع سنوات، لكنه، ككثيرين غيره، شعر أن هذا النضال لم يكن كافياً ليحقق ما يطمح إليه، فقد كانت القضية الكردية تصارع للبقاء مثل مريض يحتضر، مهددة بالإبادة قبل ظهور حركة التحرر الكردستاني.

في عام 1987، بدأت رحلته مع الحركة، حينما التقى بكوادرها الذين كانوا ينشطون في منطقته، متنقلين بين القرى لنشر الوعي وتعريف الناس بأهداف الحركة.

ويقول أحمد متذكراً تلك الأيام: "عندما تعرفت على الحركة، لمست في أقوالهم وأفعالهم نضالاً حقيقياً لتحرير كردستان، ورأيت أنهم يرفعون القضية الكردية إلى مستوى لم يسبق له مثيل. قبل ذلك، كان كل شيء يسير نحو الإبادة الجماعية، وكأننا ككرد كنا محكومين بالزوال".

روح الرفاقية والتضحية في سبيل القضية

لم يكن ارتباط أحمد بالحركة مجرد تعاطف فكري، بل تحول إلى التزام ميداني، حيث وجد في كوادر الحركة قيماً نادرة من التضحية والعمل الجماعي والوفاء.

ويضيف: "ما شدّني أكثر وزاد من ارتباطي بالحركة، هو روح الرفاقية العالية، والعمل الدؤوب، وبذل التضحيات في سبيل تحقيق الأهداف. لم يكن هناك كلام فارغ أو وعود كاذبة، بل تضحيات حقيقية على أرض الواقع".

هذا الارتباط لم يكن محصوراً بأحمد وحده، بل امتد إلى عائلته، حيث انضم شقيقه منير إلى صفوف الكفاح المسلح، وهو اليوم مقاتل في وحدات حماية الشعب، فيما استشهدت ابنته، صالحة مراد، المعروفة باسمها الحركي "روكن بوطان"، في مقاومة سري كانيه عام 2012.

تحدي الخوف والاستمرار في النضال

لم يكن النضال بدون ثمن. فبعد أن أصبح أحمد معروفاً في قريته بمناصرته لحركة التحرر الكردستاني، واجه تهديداً مباشراً من مختار قريته، الذي خيّره بين ترك منزله وأرضه أو التخلي عن دعمه للحركة.

ويقول في هذا السياق: "كان الخيار واضحاً بالنسبة لي. لم أتردد لحظة في رفض الانصياع لهذه الضغوط السلطوية، تماماً كما فعلت حركة التحرر الكردستاني في بداياتها عندما تصدّت للمخاتير والخونة الذين كانوا يتعاونون مع الدولة التركية".

في تلك الفترة، كان أحمد يؤدي دوراً محورياً في دعم الحركة، مستخدماً سيارته "البيك آب" لنقل كوادرها بين القرى وإيصالهم إلى مناطق مثل كركي لكي وديرك.

لم يكن هذا العمل بلا مخاطر، إذ كان يعلم أن اعتقاله مع أحد كوادر الحركة يعني التعذيب والسجن وربما الموت، لكنه لم يتراجع، فقد كان يؤمن بأن دوره، مهما كان بسيطاً، جزءٌ من النضال الأكبر من أجل حرية الشعب الكردي.

لقاء القائد.. لحظة غيرت كل شيء

في عام 1990، تحقق حلم أحمد الذي طالما راوده، حينما سافر إلى أكاديمية الشهيد معصوم قورقماز في البقاع اللبناني، حيث التقى لأول مرة بالقائد عبد الله أوجلان.

وعن ذلك اليوم يقول أحمد: "عندما دخلت الأكاديمية، شعرت أنني دخلت عالماً مختلفاً. كنت في حضرة القائد، الشخصية التي طالما سمعتها في التسجيلات، وها أنا الآن أمامه مباشرة. كانت لحظة لن أنساها أبدا".

دام اللقاء الأول ست ساعات متواصلة، من الثالثة فجراً حتى الثامنة صباحاً، لكن الوقت لم يكن له أي معنى في حضرة القائد.

ويقول: "لم أشعر بالوقت، لأننا كنا مستغرقين تماماً في حديث القائد. كان يتحدث عن حقيقتنا ككرد، عن ممارسات أعدائنا ضدنا، عن كيف يريدوننا أن نكون خاضعين لهم، وكيف أن الكردي الذي يرفض الانصياع يعتبرونه خطراً".

بعد هذا اللقاء، لم يعد أحمد كما كان. ازداد ارتباطه بالحركة، وزاد نشاطه، وأصبح أكثر إصراراً على المضي في طريق النضال.

لم يكن اللقاء الأول كافياً بالنسبة له، فظلّ يترقب الفرصة للقاء القائد مجدداً، وبالفعل، تحقق ذلك عام 1991، عندما زار الأكاديمية مرة أخرى وبقي هناك 11 يوماً. مؤكداً "في كل مرة كنت أذهب، لم أكن أريد المغادرة. كنت أشعر أنني في المكان الصحيح، مع القائد الذي فتح أعيننا على الحقيقة".

القائد عبد الله أوجلان رمز النضال والحرية

اليوم، بعد مرور عقود على تلك اللحظات، لا يزال أحمد يتحدث عن القائد بإجلال وتقدير، معتبراً أن ما تحقق اليوم من مكتسبات، هو نتيجة مباشرة لنضال وفكر القائد عبد الله أوجلان.

ويضيف أحمد: "لولا القائد، لما تمكنّا من تحقيق شيء. لقد أنار لنا درب الحرية، وعلمنا أن المقاومة هي السبيل الوحيد لنيل حقوقنا. واليوم، نحن نطالب بحريته، لأنه من دونه لن يتحقق السلام الحقيقي، لا في كردستان ولا في العالم".

بهذه الكلمات، اختتم أحمد حديثه، مؤكداً أن فكر القائد عبد الله أوجلان لم يعد مجرد فكر سياسي، بل تحول إلى نهج حياة، إلى إرث تتناقله الأجيال، إلى طريق لا رجوع عنه نحو الحرية.

(ح)

ANHA