قاضي محمد أيقونة النضال الكردستاني ومؤسس جمهورية مهاباد

احتل قاضي محمد مكانة بارزة في التاريخ الكردي من خلال تأسيسه جمهورية مهاباد في واقع معصوف بالأزمات واضطراب المصالح الدولية، حيث لا يزال إرث الجمهورية قائماً ويلهم الكردستانيين كنقطة مضيئة في مسيرة الشعب الكردي.

قاضي محمد أيقونة النضال الكردستاني ومؤسس جمهورية مهاباد
الأحد 31 آذار, 2024   03:28
كوباني
زانا سيدي

ما إن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها عام 1945، حتى اتضحت معالم الشرق الأوسط الجيوسياسية، إذ بدأت الدول المنتصرة في تلك الحرب الضروس (الحلفاء)، بتقاسم مناطق النفوذ في الدول التي كانت متحالفة مع ألمانيا النازية، وعلى رأسها إيران، حيث أصبح جنوبي البلاد تحت السيطرة والهيمنة البريطانية والشمال الغربي ولاسيما شمال كردستان (روجهلات كردستان) أصبح خاضعاً للهيمنة السوفيتية، بعد أن خرج عن سيطرة القوات الإيرانية، التي كانت تتحرك أساساً بموافقة بريطانيا.

جمهورية مهاباد الكردية التي تأسست عام 1946 بطليعة قاضي محمد، تحتل مكانة بارزة في التاريخ القومي الكردي، وساهمت في صعود الحس القومي لدى الشعب الكردي وكذلك في استمرارية النضال في المراحل اللاحقة.

ولد قاضي محمد في مهاباد عام 1900 لعائلة ميسورة الحال، وتمتع بثقافة عالية وقراءة سليمة للواقع الاجتماعي والسياسي للمنطقة، إلى جانب تعمقه في أمور الشريعة الإسلامية والفقه والدين، وإتقانه للعديد من اللغات الفارسية، التركية، العربية والفرنسية والانجليزية إلى جانب لغته الأم (الكردية)، والعمل طيلة سنوات حياته على محاربة الفقر والأمية في مسقط رأسه ونشر الثقافة والقضاء على الجهل الذي اعتبره سبباً رئيساً فيما يعانيه الكرد من مجازر وظلم يرتكب ضدهم، وإبراز الانتماء القومي بين الأوساط الاجتماعية.

بدأ قاضي محمد نضاله السياسي مطلع الثلاثينيات من القرن الماضي، عندما انضم إلى جمعية خويبون التي تأسست عام 1927.

أعقب ذلك تأسيس قاضي محمد للحزب الديمقراطي الكردستاني مطلع العام 1945 إلى جانب عدد من رفاقه، وكانت أبرز أهداف الحزب العيش إلى جانب الأقليات الأخرى بإخاء وديمقراطية والسعي لتحويل إيران إلى دولة لامركزية ديمقراطية.

في الـ 22 من كانون الثاني من عام 1946 رفع العلم الكردي لأول مرة في أكبر ساحات مدينة مهاباد الكردستانية (جارجرا)، وأعلن عن قيام جمهورية مهاباد مع انتخاب قاضي محمد رئيساً للجمهورية بحضور وفود كردستانية من مختلف المناطق وإلقاء محمد لكلمته الشهيرة أمام حشد من الجماهير آنذاك، إلى جانب تشكيل حكومة وتسمية رئيس وزراء وتشكيل برلمان.

ما إن رأت جمهورية مهاباد النور مطلع عام 1946 حتى وجدت نفسها محاطة بجوارٍ ينظر إليها بعيني الريبة والعداوة، بدءاً من طهران ومروراً بأنقرة والهيمنة البريطانية حتى جمهورية أذربيجان التي تربصت بها، محاولة ضم مهاباد إلى سلطتها، ما شكل عبئاً إضافياً على الجمهورية الوليدة (مهاباد) وهدد ديمومتها بقوة.

فعلى الرغم من النداءات المتكررة من قاضي محمد للحوار مع طهران بوصفه رئيساً لمنطقة حكمٍ ذاتي والتفاهم على مستقبل منطقة كردستان، إلا أنها لم تلقَ آذاناً مصغية، حيث رفضت طهران التفاوض أو الحوار بشكلٍ قطعي.

وقبل الهجوم على جمهورية مهاباد فرضت إيران بقياده الشاه محمد رضا البهلوي المدعوم غربياً، حصاراً اقتصادياً خانقاً أدى لتدهور الأوضاع الاقتصادية والعسكرية والمعيشية للسكان، تزامن ذلك مع انخفاض مستوى الدعم المعنوي والسياسي المقدم من قبل السوفييت للأقليات في إيران نتيجة صفقات متبادلة مع دول الحلفاء، حيث قرر السوفييت الانسحاب من شمالي إيران أواخر عام 1946.

في الـ 15 من كانون الأول 1946 اجتاحت القوات الإيرانية جمهورية مهاباد وسط مقاومة، حيث اعُتقل قاضي محمد والعديد من القياديين في الجمهورية، وحكم عليهم بالإعدام في محكمة هزيلة، حيث نفذ حكم الإعدام في الـ 31 من آذار عام 1947 في ساحة جارجرا في مدينة مهاباد وأعلن القضاء على الجمهورية.

وعند تنفيذ الحكم، أراد الجلادون أن يعصبوا عينيه إلا أنه رفض، حيث قال "أنا لا أشعر بالعار لكي تعصب عيني أمام أمتي ووطني الحبيب، أنا أريد أن أنظر إلى وطني الجميل والحبيب في آخر لحظة من حياتي".

بعد 11 شهراً على تأسيسها راحت جمهورية مهاباد ضحية المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية للقوى الدولية، التي اتفقت على وضع نهاية لها، حيث نتج عن الضغوطات البريطانية والأمريكية انسحاب السوفييت من شمال إيران وترك الجمهورية الحديثة تواجه مصيرها أمام جحافل الجيش الإيراني المدعوم غربياً آنذاك، والتي وظفت كل قوتها في سبيل النيل من الجمهورية الكردية.

عقب 77 عاماً خلدت ذاكرة تلك الجمهورية إنجازات كبيرة، باعتماد اللغة الكردية في الدراسة والإعلام، والسماح للمرأة بالمشاركة السياسية والثقافية، فضلاً عن إعلاء علم يمثل الشعب الكردي، وتسمية الجيش المدافع عن الجمهورية بالبيشمركة والذي كان موضع فخر واعتزاز بالنسبة لسكان الجمهورية.

وتعد جمهورية مهاباد فصلاً بارزاً في حركة الاستقلال الكردية، على الرغم من أن هذه الجمهورية لم تعش طويلاً، إلا أن إرثها لا يزال قائماً في المجتمع الكردي، ولا يزال يلهم الشعب الكردي في جميع أنحاء العالم.

 (د)

ANHA