بين الفكرة والتضحية.. حسين برجس وتجسيد فلسفة القائد عبد الله أوجلان

من كلمات القائد عبد الله أوجلان، استمد حسين علي برجس، يقينه بأن المقاومة وحدها تصنع التاريخ، فلم يهدأ عن مواصلة النضال منذ أول لقاء، رغم الجراح التي حفرت على جسده، ورغم الفراق الذي سلب منه أفراداً من عائلته. كان يدرك أن النضال ليس محطة، بل هو طريق لا ينتهي، وأن الأوطان لا تُستعاد إلا بعرق المناضلين وصمودهم.

بين الفكرة والتضحية.. حسين برجس وتجسيد فلسفة القائد عبد الله أوجلان
السبت 1 شباط, 2025   02:40
قامشلو
بسنة شمو

في قرية باديان الواقعة بمنطقة آليان، شمال مدينة جل آغا في مقاطعة الجزيرة، وُلد حسين علي برجس قبل 58 عاماً، ضمن عائلة عُرفت بتاريخها النضالي الطويل. لم يكن الانتماء إلى الكفاح الثوري مجرد خيار فردي، بل كان إرثاً تتناقله الأجيال في عائلة برجس، التي قدّمت 11 فرداً من أبنائها لحركة التحرر الكردستاني، استشهد منهم 6 مقاومين، بينما لا يزال آخرون على درب النضال، سواء في سجون دولة الاحتلال التركي أو في خنادق الدفاع عن حرية شعبهم.

بداية الطريق.. من التعرّف إلى الانخراط في النضال

في عام 1981، تعرّف حسين برجس على فكر حركة التحرر الكردستاني من خلال كوادر الحركة الذين كانوا يجوبون القرى لتعريف الأهالي بأهدافها ونضالها ضد سياسات القمع والإنكار. لم يكن اللقاء مجرد حادثة عابرة، بل شكّل نقطة تحول في حياة الشاب حسين، الذي ازداد تعلقه بالحركة مع انخراط أفراد من عائلته، وعلى رأسهم ابن عمه عبد القادر حسين (خابور)، الذي التحق بصفوف المقاومة عام 1991 واستشهد بعد مسيرة نضالية طويلة، إلى جانب صادق برجس، الذي اعتقلته دولة الاحتلال التركي عام 1993، وما زال يقبع في سجونها حتى اليوم.

بدأ حسين برجس النضال في العمل الجبهوي، حيث تولى مهام تنظيم الاجتماعات للأهالي، توزيع المنشورات التعريفية بالحركة، وجمع المساعدات لدعم المقاومة. ومع مرور الوقت تطورت أدواره ليعمل في النشاط الجبهوي.

"الغرفة الزرقاء" التي احتضنت المقاومة

لم يكن دعم حسين برجس مقتصراً على النشاط الجبهوي، بل تحول منزله إلى ملاذ آمن للمقاومين العابرين بين شمال كردستان وروج آفا. خصص في منزله غرفةً زرقاء، كانت معروفة بين كوادر الحركة بهذا الاسم بسبب لون جدرانها، وأصبحت رمزاً للمقاومة.

لم يكن يعلم حسين برجس حينها أن هذه الغرفة ستصبح لاحقاً مكاناً لاجتماعات عدد من قادة ثورة روج آفا من أمثال الشهداء خبات ديرك وفرهاد ديرك وابنته تولهلدان التي كانت قد انضمت إلى حركة حرية كردستان بعد المؤامرة الدولية على القائد عبد الله أوجلان.

ملحمة نهر دجلة.. شرارة النضال المتصاعد

كان حسين برجس شاهداً على واحدة من أهم المعارك الملحمية في تاريخ الكفاح الكردي، وهي معركة نهر دجلة التي جرت في 4 كانون الأول 1989. ففي ذلك اليوم، حاول ثلاثة مقاومين من حركة التحرر الكردستاني (محي الدين، أحمد، وزنار) العبور إلى جبال كردستان عبر نهر دجلة، إلا أن قوات الاحتلال التركي حاصرتهم وبدأت باستهدافهم بكثافة. ورغم العتاد البسيط، قاتلوا حتى الرمق الأخير، مسطرين ملحمة صمود استمرت لساعات طويلة.

تلك المعركة كانت لحظة فارقة بالنسبة لحسين، حيث زادت من عزيمته وأكدت له أن النضال ليس مجرد خيار، بل قدر يجب على كل كردي خوضه من أجل الحرية. هذه الملحمة، التي خلدت أسماء مقاتليها في ذاكرة المجتمع الكردي، أصبحت إلهاماً للشباب الكردي للالتحاق بالمقاومة، وزادت من انخراط أبناء المنطقة في صفوف النضال.

لقاء القائد عبد الله أوجلان.. نقطة تحول في المسيرة

كان حلم حسين برجس أن يلتقي بالقائد عبد الله أوجلان، الذي تحول فكره إلى نهج حياة لملايين الكرد. تحقق الحلم عام 1990 عندما التقى حسين بالقائد عبد الله أوجلان في لبنان، ثم تكرر اللقاء مرتين عامي 1994 و1995.

ويتذكر حسين كيف عززت هذه اللقاءات قناعته بأن المقاومة ليست مجرد معركة ضد الاحتلال، بل هي حركة تحرر إنسانية تسعى إلى تحقيق العدالة والمساواة لكل الشعوب.

ويقول حسين عن اللقاء: "كنا نظن أننا نناضل فقط من أجل الكرد، لكن القائد عبد الله أوجلان أوضح لنا أن النضال هو معركة ضد كل أشكال الاستبداد، وأن الشعوب المضطهدة يجب أن تتحد ضد الظلم".

وأكد حسين أن كلمات القائد عبد الله أوجلان كانت واضحة: "كلما استمريتم في تقديم التضحيات، كلما اقتربتم من حريتكم. متى توقفتم عن النضال، خافوا من الزوال".

اعتقال القائد عبد الله أوجلان وتجدد العهد

في 15 شباط 1999، تعرض القائد عبد الله أوجلان لمؤامرة دولية أدت إلى اعتقاله. لم يكن ذلك حدثاً عابراً بالنسبة لحسين، بل كان تحدياً جديداً، حيث تعهد بمواصلة النضال حتى تحقيق الحرية الجسدية للقائد. في العام نفسه، انضمت ابنته تولهلدان إلى صفوف حركة حرية كردستان، مواصلة إرث العائلة النضالي.

ورغم أن القائد عبد الله أوجلان سُجن، إلا أن أفكاره ظلت تُحرك المقاومة في كل مكان، وكان حسين جزءاً من هذه المقاومة، حيث واصل دوره كجبهوي، يعمل على نقل كوادر الحزب بين طرفي الحدود بين شمال كردستان وروج آفا.

من انتفاضات ربيع الشعوب إلى الدفاع عن شمال وشرق سوريا

مع انطلاق ثورات الشعوب في المنطقة، لم يكن الوضع في سوريا استثناءً، حيث تحولت الانتفاضة الشعبية إلى صراع دموي بفعل التدخلات الخارجية. أدرك أبناء شمال وشرق سوريا أن عليهم اتخاذ موقف مستقل لحماية مناطقهم، فبدأوا في بناء الإدارة الذاتية، وتشكيل وحدات حماية الشعب والمرأة.

وكان حسين برجس من أوائل الداعمين لهذه القوات، حيث احتضن منزله اجتماعات أوائل المنضمين لهذه القوات. لم يكن ذلك مجرد دعم رمزي، بل كان التزاماً عملياً، حيث انخرط أبناؤه وأفراد عائلته في صفوف المقاتلين للدفاع عن المنطقة ضد مرتزقة الاحتلال التركي.

مقاومة اليوم.. والتصدي لمشاريع الاحتلال

اليوم، وبعد مرور أكثر من عقد على ثورة روج آفا وشمال وشرق سوريا، يرى حسين برجس أن ما تحقق في شمال وشرق سوريا هو نتيجة لتضحيات آلاف المقاومين. لكنه يؤكد أن التحديات لم تنتهِ بعد، حيث تستمر دولة الاحتلال التركي في محاولاتها لإعادة إحياء مرتزقة داعش وفرض هيمنتها على المنطقة.

ويختم حسين حديثه قائلاً: "تعلمنا من القائد عبد الله أوجلان أن المقاومة حياة، ونحن مستعدون للنضال حتى آخر رمق من أجل الحفاظ على مشروع الأمة الديمقراطية، وتحقيق الحرية والعدالة لشعوبنا".

(ح)

ANHA