"العصرانية الديمقراطية هي الحل المستدام ضمن معمعة الشرق الأوسط"

أكد القائد عبد الله أوجلان أن أزمة الشرق الأوسط تتعمق مع تبعية الحداثة الرأسمالية وانتهاج الدولة القومية، وشدد "العصرانيةُ الديمقراطيةُ خيار يُشَكِّلُ طريقَ الحلِّ المستدامِ والوطيدِ ضمن معمعةِ الشرقِ الأوسط".

"العصرانية الديمقراطية هي الحل المستدام ضمن معمعة الشرق الأوسط"
الخميس 6 حزيران, 2024   04:01
مركز الأخبار

حوّلت الصراعات المتفاقمة منطقة الشرق الأوسط إلى بركة للدماء يدفع ثمنها شعوبه، وفي ظل انسداد أفق الحل، قدم القائد عبد الله أوجلان عدة أطروحات في المجلد الخامس "مانيفستو الحضارة الديمقراطية"، حلاًّ لهذا الصراع.

تشييدُ الدولِ القوميةِ العربيةِ وإسرائيل

وفي المجلد الخامس وضمن الفصل السابع الذي يحمل عنوان "أزمة الشرق الأوسط وحل العصرانية الديمقراطية"، ذكر القائد بأن "أحدُ المصادرِ الأخرى لأزمةِ الشرقِ الأوسط، هو تشييدُ الدولِ القوميةِ العربيةِ وإسرائيل بشكلٍ متزامن. حيث استَخدَمَت إنكلترا الشيوخَ العربَ ككبشِ فداء، عندما باشرَت بالتمشيطاتِ العسكريةِ على الإمبراطوريةِ العثمانيةِ بدءاً من مطلعِ القرنِ التاسع عشر. كما استَخدَمَت رجالَ الدينِ الأرثوذكسيين ذوي الأصولِ الإغريقيةِ في البلقان، وآزَرَت تشييدَ الدولةِ القوميةِ اليونانية؛ مُسَرِّعةً بذلك من انهيارِ الإمبراطوريةِ في بلادِ البلقان. وبدأَت بنفسِ النشاطِ في شبهِ الجزيرةِ العربيةِ الموجودة جنوبَ الإمبراطورية، والمتسمةِ بموقعٍ استراتيجيٍّ على طريقِ الهند. إذ باشرَت بدعمِ الدولتيةِ القوميةِ العربية، مستفيدةً من مساندةِ الشيوخِ الذين يمثلون قمةَ الهرمِ لعلماءِ الدين المسلمين. وكانت لها في نفسِ الوقتِ محاولاتٌ مثيلةٌ مع زعماءِ الطرائقِ الدينيةِ (وعلى رأسِهم النقشبنديين والقادريين) المنحدرين من مدينةِ السليمانيةِ عن طريقِ كردستان أيضاً. وأَحكَمَت رقابتَها طردياً على جنوب المملكةِ الإيرانية.

وهكذا، فإنّ المرحلةَ المبتدئةَ بالتمردات، قد استمرّت مع أنظمةِ الانتدابِ بعدَ الحربِ العالميةِ الأولى، لتنتهيَ إلى التشييدِ التامِّ للدولِ القوميةِ مع الحربِ العالميةِ الثانية. وتمَّت تصفيةُ الإمبراطوريةِ العثمانيةِ في تلك الأثناء، ليتكوَّنَ (أو ليَتمَّ تكوينُ) فراغٍ شاسعٍ في المنطقةِ حصيلةَ ذلك. وبعكسِ ما فعلَت في بلادِ الهند، لَم تستقرّ إنكلترا في المنطقةِ كقوةٍ استعماريةٍ مباشرة. لكنها في الوقتِ عينِه لَم تتركْ أيةَ قوةٍ منافسة. فهدَفَت إلى تشييدِ الجمهوريةِ التركيةِ وهيكلتِها بمَعِيّةِ أنظمةِ الانتدابِ العربيةِ ضمن ذاتِ الإطار (كان المحورُ الرئيسيُّ للنقاشاتِ الدائرةِ في مؤتمرِ سيواس متعلقاً بالانتدابِ الإنكليزيِّ أو الأمريكيّ) وفي نفسِ التاريخ (1920). لكنّ السلوكَ الراديكاليَّ الذي اتَّبَعَه مصطفى كمال (موقفُه الشبيهُ جداً بالموقفِ الجمهوريِّ الراديكاليّ، الذي سلكَه الجبليون، أي روبسبيير ورفاقُه في الثورةِ الفرنسية، ضد المَلَكيةِ الدستوريةِ البرلمانيةِ التي كانت خطةً إنكليزية)، قد صَبَّ النتيجةَ النهائيةَ في مجرى الجمهورية. لكن، لَم يتغيرْ أيُّ شيءٍ مضموناً. فالأنظمةُ العربيةُ تحت الانتدابِ كانت قد تحولَت بعد فترةٍ قصيرةٍ إلى دولٍ قوميةٍ مشابهة. وإطلاقُ تسمياتِ المملكةِ أو الجمهوريةِ عليها لَم يُغيِّرْ من جوهرِ الدولتيةِ القوميةِ الصغرى.

يُصادِفُ تسريعُ ولادةِ إسرائيل أيضاً في هذه المرحلة. وبالإضافةِ إلى ما ذُكِرَ بشأنِ القبيلةِ اليهوديةِ في الفصولِ السابقة، علينا التبيانُ مرةً أخرى أنّ جذورَ إسرائيل تَرتكزُ على تلك القبائل وأيديولوجيتِها (الأيديولوجية اليهودية والأديانُ التوحيديةُ والقومويات). أي إنّ إسرائيل في جوهرِها نتيجةٌ طبيعيةٌ لحروبِ الدولةِ القومية، التي أينَعَت في أعوامِ 1550 في هيئةِ دولةٍ حديثةٍ على خطِّ أمستردام– لندن، واستمرّت قُرابةَ أربعةَ قرون، مُحَوِّلةً أوروبا إلى حَمّاماتِ دم. ولَطالما لعبَت الميولُ الفكريةُ اليهوديةُ ورأسُ المالِ (الرأسمالية) اليهوديّ دوراً ريادياً في تشييدِ الدولةِ القومية. حيث كانت القناعةُ السائدةُ هي أنّ اليهودَ لن يتمكنوا من نيلِ حريتِهم أو من تأسيسِ دولةٍ إسرائيليةٍ يهوديةٍ على خلفيةِ المُثُلِ الصهيونيةِ للقومويةِ اليهوديةِ المتصاعدةِ مع الوقت؛ إلا بتمزيقِ أوصالِ الإمبراطورياتِ الكاثوليكيةِ والأرثوذكسيةِ والإسلامية. وقد أَينَعَت هذه النشاطاتُ العقائديةُ الواعيةُ والمنظَّمةُ عشيةَ وأثناءَ وإبّانَ الحربِ العالميةِ الأولى. ففي الأوساطِ المتمخضةِ عن بناءِ الدولةِ القوميةِ للجمهوريةِ التركيةِ الصغرى على أنقاضِ الإمبراطوريةِ العثمانية، إلى جانبِ بناءِ عددٍ جمٍّ من الدولِ القوميةِ العربيةِ الصغرى؛ قد أُعلِنَ عن الدولةِ القوميةِ اليهوديةِ إسرائيل رسمياً (1948)، والتي هدفَت إليها الأيديولوجيةُ الصهيونيةُ المقدسة. وكانت الجمهوريةُ التركيةُ أولَ دولةٍ قوميةٍ تعترفُ بها، وكأنها بذلك تؤكدُ جوهرَها من حيث كونِها إسرائيل بِدئية.

تشييدُ وإعلانُ إسرائيل ليس حدثاً اعتيادياً. فقد وُلِدَت إسرائيل كقوةٍ مهيمنةٍ نواةٍ لهيمنةِ الحداثةِ الرأسمالية، التي ملأَت فراغَ السلطةِ الناجمَ عن تحويلِ الإمبراطوريةِ العثمانيةِ والمَلَكيةِ الإيرانيةِ إلى دولٍ قوميةٍ صغرى تابعة، بعدَما كانتا آخِرَ قوتَين مهيمنتَين في المنطقة. وتشييدُ إسرائيل كقوةٍ مهيمنةٍ نواةٍ أمرٌ بالغُ الأهمية. فهذا ما مفادُه أنه سيتمُّ الاعترافُ بشرعيةِ الدولِ القوميةِ الأخرى في المنطقةِ في حالِ اعتَرَفَت هي بوجودِ إسرائيل كقوةٍ مهيمنة. وأنه في حالِ عدمِ اعترافِها بها، فسيجري تجييرُها وإرهاقُها بالحروبِ إلى أنْ تعترفَ بها. ونظراً لأنّ الجمهوريةَ التركيةَ ومصر والأردنّ وبعضَ دولِ الخليجِ كانت أولَ مَن اعترفَ بإسرائيل، فقد اعترفت بها دول قومية شرعية، وأُدرِجَت بالنظامِ القائمِ بناءً على ذلك. في حين لا تنفكُّ الحربُ دائرةً بين إسرائيل وحلفائِها من جهة، والدولِ الأخرى المتبقيةِ من الجهةِ الثانية. أما الحروبُ والاشتباكاتُ مع العربِ ضمن إطارِ القضيةِ الفلسطينية، ومع البلدانِ الإسلاميةِ الأخرى ضمن إطارِ إشكاليةِ الخليج؛ فهي على علاقةٍ كثيبةٍ بالوجودِ المهيمنِ لإسرائيل داخل المنطقة. إذ سوف تظلُّ هذه الاشتباكاتُ والمؤامراتُ والاغتيالاتُ والحروبُ متأججةً إلى حين الاعترافِ بهيمنةِ وسيادةِ إسرائيل.

من هنا، لن نستطيعَ فهمُ أسبابِ إنشاءِ اثنتَين وعشرين دولةً قوميةً عربيةً بمنوالٍ صحيح، ما لَم نفهم الهيكلةَ السياديّةَ للحداثةِ الرأسماليةِ داخل الشرقِ الأوسطِ بعينٍ صائبة. بمعنى آخر، محالٌ تحليلُ الحداثةِ الرأسمالية، التي تمّ تأسيسُها في الشرقِ الأوسط، بعينٍ سليمةٍ من منظورِ الشروحِ التاريخية، اليمينيةِ منها واليسارية، أو الدينيةِ والمذهبية، أو الإثنيةِ والقومويةِ للنزعةِ الاستقلاليةِ لدى البورجوازيةِ الصغيرةِ ذاتِ الطابعِ الدولتيِّ القوميّ. وتأسيساً على ذلك، فإنّ إدراكَ القضيةِ العربيةِ كما هي في الواقعِ القائم (مثلما الحالُ بشأنِ الإدراكِ السليمِ لقضايا الجمهوريةِ التركيةِ والجمهورياتِ والجماعاتِ التركياتيةِ الأخرى)، يتطلبُ أولاً الفهمَ الصحيحَ لموضوعِ بناءِ وتأسيسِ هيمنةِ الحداثةِ الرأسماليةِ في الشرقِ الأوسط. حيث لا يمكنُ فهمُ قضيةِ أيةِ دولةٍ أو مجتمعٍ بناءً على الذهنياتِ المعنيةِ بالتاريخِ والمجتمع، والتي تستهزئُ بالحقائقِ من قبيلِ "التشييدِ البهيِّ للدولةِ القوميةِ" الفلانيةِ بمنوالٍ مجردٍ ومنفرد. بالتالي، ومثلما لا تتعلقُ القضيةُ العربيةُ بإسرائيل فقط، فإنه لا يُمكنُ اختزالُها إلى مستوى القضيةِ الفلسطينيةِ– الإسرائيليةِ فحسب. في حين أنّ أعقدَ وأولى القضايا التي تعاني منها المجتمعاتُ العربية، تنبعُ قبلَ كلِّ شيءٍ من تقسيمِ العربِ إلى اثنتَين وعشرين دويلة قومية. فهذه الدولُ الاثنتان والعشرون لا تستطيعُ الذهابَ في دورِها أبعدَ من كونِها تنظيماً عميلاً جماعياً للحداثةِ الرأسمالية. ووجودُها بحَدِّ ذاتِه يُعَدُّ الإشكاليةَ الرئيسيةَ على الإطلاقِ بالنسبةِ للشعوبِ العربية. بالتالي، فالقضيةُ العربيةُ مرتبطةٌ ببناءِ وتأسيسِ الحداثةِ الرأسماليةِ في المنطقة. ولا إشكالية جدية إلا في هذا الإطار، أي ارتباطاً بإسرائيل بوصفِها قوةً مهيمنةً في المنطقةِ ارتباطاً بالحداثةِ الرأسمالية.

"القوى التي أشادت إسرائيل والدول القومية العربية هي نفسها"

لكن، علينا ألا نتغافلَ عن أنّ القوى التي شادَت إسرائيل هي نفسُها التي شادَت الدولَ القوميةَ العربيةَ الاثنتَين والعشرين. بالتالي، فتجاذُباتُها وتنافُراتُها مع إسرائيل تتسمُ بماهيةِ التمويه. ونظراً لتشاطُرِها النظامَ المهيمنَ عينَه من حيث المضمون، فإنّ تناقضاتِها معها لن تَكونَ ذات معنى، مهما كانت جدية، إلا إذا تجرأَت على الخروجِ من إطارِ الحداثةِ الرأسمالية. (...)

إذا لَم يتخطَّ تبعيتَه للحداثةِ الرأسمالية، فلن يتخلصَ الصراعُ العربيُّ–الإسرائيليُّ أو الفلسطينيُّ–الإسرائيليُّ من التشبُّهِ بصراعِ الفأرِ والقِط. فما يتجلى في النتيجةِ هو هدرُ طاقةِ الحياةِ لدى الشعوبِ العربيةِ قاطبةً في معمعانِ هذه الاشتباكاتِ الواضحةِ النتيجةِ سلفاً، والتي تدورُ رحاها قرابةَ قرنٍ بأكملِه. ولو لَم تُفتَعَلْ هذه الاشتباكاتُ والصراعات، لَكان هناك وطنٌ عربيٌّ نظيرٌ لعشرةِ أمثالِ اليابان من حيث وارداتِه النفطيةِ فقط. أهمُّ نتيجةٍ نستخلصُها من هذا التشخيص، هي أنّ منهجيةَ الدولةِ القوميةِ في الشرقِ الأوسطِ ليست منبعَ حلٍّ للقضايا الوطنيةِ والاجتماعيةِ الأساسيةِ حسبما يُزعَم. بل إنها منبعُ تصعيدِ وتجذيرِ وتفاقُمِ وعُقمِ هذه القضايا. ذلك أنّ الدولةَ القوميةَ لا تحلُّ القضايا، بل تنتجُها. بل وأبعد من ذلك، فالنظامُ نفسُه لا يقتصرُ على تأليبِ دولِ الشرقِ الأوسطِ على بعضِها بعضاً. بل إنه وسيلةٌ لتأجيجِ النزاعات بين مجتمعاتها أيضاً إلى أن تَخُورَ قواها. (...)

"العصرانيةُ الديمقراطيةُ أصحّ خياراً للشعوب العربية وإسرائيل"

لا يُمكنُ الحديثُ عن المحورِ الرئيسيِّ الثاني في حلِّ القضايا العربية، إلا على خلفيةِ تجاوُزِ الحداثةِ الرأسمالية. إننا نتحدثُ عن الانقطاعِ عن النظامِ القائم. إذ يتحتمُ المعرفة يقيناً أنه يَصعبُ على الراديكاليةِ الإسلاميةِ أو الإسلامِ السياسيِّ أنْ يُشَكِّلا حداثةً بديلة. حيث ليس باستطاعةِ الإسلامِ أنْ يلعبَ دورَه كثقافة، إلا في ظلِّ حياةٍ تَسودُها عصرانيةٌ بديلةٌ للحداثةِ الرأسمالية. وأقوى وأصحُّ خيارٍ للشعوبِ العربية، هو براديغما العصرانيةِ الملائمةِ للحقائقِ والوقائعِ التاريخيةِ والاجتماعيةِ لشعوبِ الشرقِ الأوسطِ جمعاء. والعصرانيةُ البديلةُ من أجلِ الشعوب، هي العصرانيةُ الديمقراطيةُ التي لَطالما كافحَت ضد الحداثةِ الرأسمالية، والتي تتألفُ من الأمةِ الديمقراطيةِ ومن مجموعِ الحركاتِ الاشتراكيةِ والأيكولوجيةِ والفامينيةِ والثقافية. (...)

على إسرائيل أنْ تخلقَ التوازنَ مع دولٍ قوميةٍ شرقِ أوسطيةٍ متسالمةٍ معها في ظلِّ هيمنتِها هي، وقد تَبَدّى للمَلأِ مدى صعوبةِ ذلك انطلاقاً من الأسبابِ التي حاولنا سردَها. أو أنْ تضعَ تجاوُزَ الحداثةِ الرأسمالية نُصبَ عينَيها، إنْ كانت تودُّ الخلاصَ من حالةِ الأَسْرِ للنظامِ الذي أَوجَدَته. وتُعدّ العصرانيةُ الديمقراطيةُ خياراً يُشَكِّلُ طريقَ الحلِّ المستدامِ والوطيدِ ضمن معمعةِ الشرقِ الأوسط. ليس لأجلِ القضيةِ اليهوديةِ فحسب، بل ولأجلِ قضيةِ دولةِ إسرائيل المُحاطةِ بالوحوشِ القومويةِ والدينيةِ المتشددة، التي خلقَتها بكِلتا يدَيها.

(آ)