السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري

لطالما كانت المرأة السورية ركناً أساسياً في بناء المجتمع وتشكيل ملامح التاريخ، من الملكات مثل زنوبيا وجوليا دومنا، إلى الثائرات والمناضلات اللواتي وقفن في وجه الاحتلال والاستبداد، لكن طريقها لم يكن سهلاً وبلغت التحديات التي واجهتها ذروتها في الأزمة السورية، فكيف تطور دور المرأة السورية عبر العصور؟ وما مستقبلها في ظل التغيرات السياسية الراهنة؟

السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
السوريات من المحاربات والثائرات إلى المهمشات في المشهد السوري
الخميس 6 آذار, 2025   03:45
مركز الأخبار
ميديا حنان

لعبت المرأة السورية دوراً حيوياً في مختلف مراحل التاريخ، بدءاً من الحضارات القديمة وحتى العصر الحديث. كانت حاضرة بقوة في السياسة، والثقافة، والمجتمع، والثورات، وأسهمت في تشكيل ملامح سوريا عبر العصور. ومع ذلك، شهدت أوضاع المرأة تحولات متباينة، تراوحت بين التقدم والريادة في بعض الفترات، والتراجع بفعل السياسات المقيدة لحقوقها في فترات أخرى.

ملكات وقائدات عبر التاريخ

لطالما كانت سوريا موطناً للحضارات ومهداً للإبداع، وأرضاً للنساء حكمن وصنعن التاريخ. ولا يمكن الحديث عن الأنوثة في سوريا دون التطرق إلى المرأة السورية التي لعبت دوراً أساسياً في بناء المجتمع، وجسّدن عبر العصور رمز القوة التي كتبت التاريخ بلمسة من الحكمة والجرأة، ومن أبرز الملكات اللاتي حكمن سوريا منذ العصور القديمة مع مدة حكمهن.

الملكة شمس-إيلي (2330 ق.م)

كانت ملكة شمس-إيلي حاكمة في مدينة إيبلا القديمة (قرية تل مرديخ في إدلب حالياً) قرابة 2330 ق.م وكانت تعد واحدة من أقدم واقوى الممالك في بلاد الشام ومركزاً تجارياً وثقافياً مهماً، لم يتم ذكر تفاصيل كثيرة عنها إلا أنه يعتقد أنها كانت ملكة أو ربما زوجة أحد ملوك إبلا، ولعبت دوراً مهماً في الحياة السياسية، وخلال فترتها ازدهرت المملكة قبل أن يتم تدميرها على يد الأكاديين بقيادة الملك سرجون الأكادي أو حفيده نرام سين.

كما تركت شمس- إيلي إرثاً مهماً من السجلات المكتوبة على الألواح الطينية، والتي كشفت الكثير عن حضارة إيبلا.

الملكة جوليا دومنا (193 - 217 م)

كانت الملكة جوليا دومنا من مدينة حمص وزوجة الإمبراطور الروماني سيتيموس سيفروس، وتولت إدارة شؤون الإمبراطورية الرومانية حيث كان لها نفوذ كبير في السياسية والثقافة، وبحسب الأبحاث فإن الملكة جوليا حكمت كإمبراطورة نحو 24 عاماً من خلف الستار.

جوليا ميسا (218 - 224 م)

جوليا ميسا تعد شقيقة جوليا دومنا واستطاعت أن تحكم الإمبراطورية الرومانية 7 سنوات ولعبت دوراً حاسماً في عودة عائلتها للحكم في روما وتعد من أهم النساء في البلاط الإمبراطوري، ومن ثم خلفتها ابنتها جوليا ماميا في الفترة 222-235م وكانت تتمتع بنفوذ سياسي قوي وامتد حكمها 13 عاماً.

الملكة زنوبيا (267 - 272 م)

تعد الملكة زنوبيا من أشهر ملكات سوريا اللاتي حكمن مملكة تدمر، حيث تزوجت زنوبيا في عام 258م من ملك بالميرا سبتيموس أذينة، وبعد مقتل زوجها أصبحت الملكة وبدأت بإدارة بلادها.  وسّعت زنوبيا حدود البلاد التي امتدت إلى العراق وفلسطين ومصر. لم تقبل زنوبيا السيادة الرومانية وأرادت الاستقلال، الأمر الذي أدى إلى تدهور العلاقات بينها وبين روما.

بدأت روما بالتحرك في عام 272م وشنت حملة عسكرية ضد بالميرا. وبعد معركة طويلة وقعت زنوبيا أسيرة بيد الرومان. وقبلت بالأسر مقابل "عدم تدمير بالميرا". واحتفالاً بنصرهم قام الرومان بتقييد زنوبيا بالسلاسل ووضعوها في قفص، أرادوا عرضها بهذا الشكل وأخذها إلى إيطاليا. ولكن كرسالة وجهتها زنوبيا إلى السلطات تقول فيها "لن أسمح لكم بإتمام هذا الانتصار" شربت السم وأنهت حياتها.

وعلى مدار التاريخ هناك أسماء لنساء أخريات حكمن سوريا إلا أن حكمهن لم يكن بطريقة مباشرة ولم تبرز أسماؤهن في صفحات التاريخ كأخريات ومن بينهن "الأميرة جوليا سوفيا في القرن الثالث الميلادي والأميرة دروسيلا السورية في القرن الأول الميلادي. فلم تكن المرأة السورية ملكة أو حاكمة فقط إنما كاهنة، وقاضية، وكاتبة، وشاركت في إدارة المجتمعات، مثل نساء أوغاريت وإبلا اللاتي لعبن دوراً بارزاً في النشاط الاقتصادي والثقافي.

الأميرة ضيفة خاتون1186-1242

خاتون كانت سلطانة حلب وابنة الملك نجم الدين أيوب. كانت امرأة قوية الشخصية، رغم تعرضها للاضطهاد المستمر. لعبت دورًا مهمًا في حكم حلب، حيث حكمت حلب لمدة ست سنوات من 1236 حتى 1242.

وُلدت ضيفة خاتون في قلعة حلب عام 1186، وكان والدها هو الملك سيف الدين أبو بكر محمد بن شكر أيوب بن شاذي بن يعقوب. نظرًا لوجود ضيف لدى والدها، سُميت "ضيفة"، مما جعلها تُعرف لاحقًا باسم الأميرة ضيفة. كانت زوجة الملك الظاهر غازي ووالدة روشن بدرخان (1909-1992).

المرأة السورية في العصور الإسلامية

إلى جانب دور المرأة في الحضارات القديمة، لعبت المرأة دورها في العصور الإسلامية والعثمانية حيث أسهمت في مختلف المجالات مثل العلم والسياسة والأدب. الإسلام منح المرأة حقوقاً عظيمة مقارنةً بالمجتمعات السابقة، وأسهمت النساء في بناء الحضارة الإسلامية بشكل فعال، منهن "أسماء بنت يزيد الأنصارية"، التي لقبت بــ "خطيبة النساء" وهي من "الصحابيات الجليلات" اللواتي عشن بدمشق، وقيل أنها شاركت في معركة اليرموك وقاتلت بنفسها، "وأم درداء الصغرى" وكانت من أشهر الفقهيات في العهد الأموي، وكانت تعد من كبار محدثي الشام في القرن الأول الهجري، وكانت تدرّس في المسجد الأموي بدمشق، وكان الرجال والنساء يأتون لطلب العلم منها، حتى أن عبدالملك بن مروان كان يجلس في مجلسها، وهند بنت عتبه التي تلقب بالمرأة القوية.

المرأة السورية في الثورات والنضال الوطني

لم تكن المرأة السورية بعيدة عن النضال، بل كانت في الصفوف الأمامية دائماً، سواء في المقاومة ضد الاحتلال أو في دعم "الثوار"، فلم يقتصر دورها في الثورة السورية الكبرى 1925-1927 وبرزت أسماؤهن في صفحات التاريخ.

نازك العابد (1887-1959)

كانت نازك العابد من أوائل النساء السوريات اللواتي انخرطن في النضال ضد الاحتلال الفرنسي، عرفت بأيقونة النضال ضد الاستعمار كما شاركت في معركة ميسلون عام 1920 إلى جانب يوسف العظمة وكانت المرأة الوحيدة في المعركة، كما أسست "جمعية نور الفيحاء" لدعم تعليم الفتيات وتمكينهن.

روشن بدرخان 1909-1992

وُلدت روشن بدرخان في 11 تموز 1909 في قيصري، حيث كانت عائلتها منفية هناك. نشأت روشن في المنفى، وانتقلت لاحقًا مع عائلتها إلى حي الصالحية قرب دمشق عام 1913، حيث ترعرعت في بيئة تهتم بالثقافة واللغة الكردية.

أرادت والدتها أن تصبح معلمة، بينما كانت روشن مهتمة أيضًا بالصحافة. فقررت الجمع بين المجالين، وانضمت إلى معهد تدريب المعلمين العرب، وأصبحت مدرسة للغة العربية عام 1925. كما تولت مهام إدارية في المدرسة.

 شاركت مع زوجها جلادت بدرخان في إصدار مجلة Hawar الكردية، وكانت أول امرأة كردية تكتب بالأبجدية اللاتينية في المجلة.

في عام 1934، انضمت إلى رابطة اتحاد النساء، لكنها توقفت عن النشاطات بعد حضور مؤتمر القاهرة عام 1945. وفي عام 1951، ترجمت قصتين من التركية إلى الكردية. أول كتاب لها كان بعنوان "ذكريات امرأة"، والثاني "حبي وقصري".

منيرة الصالح

عرفت منيرة الصالح بالثائرة السياسية وهي واحدة من إحدى النساء اللواتي لعبن دوراً في الحراك السياسي ضد الاحتلال الفرنسي، فكانت ناشطة في دمشق وأسهمت في دعم الثورة من خلال تنظيم المظاهرات النسائية واستمرت في عملها السياسي حتى بعد انتهاء الثورة، ولم تستوفَ معلومات أوسع عن شخصيتها ونضالها في الثورة السورية الكبرى.

ثريا الحافظ (1911-2000)

ثريا الحافظ كانت من أوائل النساء اللواتي قُدن المظاهرات للمطالبة بحقوق المرأة في سوريا، أسست "منتدى سكينة الثقافي"، وهو أول تجمع نسائي ثقافي وسياسي في البلاد، وكانت من المدافعات عن حق النساء في التصويت والمشاركة السياسية.

فائزة الخطاب (1925-1992)

كانت فائزة الخطاب أول امرأة سورية تتولى منصب القضاء، وهو إنجاز تاريخي في مجتمع كان يهيمن عليه الرجال في المجال القانوني. أسهمت في تطوير التشريعات التي تخص حقوق المرأة.

وصال فرحة بكداش

كانت وصال فرحة بكري ناشطة بارزة ضد الاحتلال الفرنسي. لم تقتصر مشاركتها على التظاهر، بل قامت بتهريب الأسلحة للمقاومين وأسهمت في حماية الثوار.

غادة السمّان 

غادة أحمد السمان وهي كاتبة وأديبة سورية ولدت في دمشق عام 1942 لأسرة شامية عريقة ومحافظة، ولها صلة قربى بالشاعر السوري نزار قباني. والدها الدكتور أحمد السمان حاصل على شهادة الدكتوراه من السوربون في الاقتصاد السياسي وكان رئيساً للجامعة السورية لفترة من الوقت. تأثرت كثيراً به بسبب وفاة والدتها وهي صغيرة. كان والدها محباً للعلم والأدب العالمي ومولعاً بالتراث العربي في الوقت نفسه، وهذا كله منح شخصية غادة الأدبية والإنسانية أبعاداً متعددة ومتنوعة. سرعان ما اصطدمت غادة بقلمها وشخصها بالمجتمع الشامي الذي كان شديد المحافظة إبان نشوئها فيه.

سلمى الحفار الكزبري (1923-2006)

كاتبة وصحفية، ولدت في دمشق عام 1923 لعبت دوراً مهماً في تطوير الأدب السوري النسوي. كانت من أوائل النساء اللواتي كتبن عن قضايا المرأة باللغة العربية بأسلوب جريء، كما شاركت في النضال الثقافي والاجتماعي، وتنوعت أعمالها بين القصة القصيرة والرواية والشعر كما أنها حصلت على جائزة الملك فيصل العالمية للأدب العربي عام 1995.

 ليلى نصير (1941-2023)

تُعتبر ليلى نصير من أبرز الفنانات التشكيليات في سوريا، وقدمت أعمالاً تعكس قضايا المرأة والإنسانية بأسلوبها الفريد، حيث ولدت في بلدة الحفة شمالي اللاذقية وتعد من رواد الفن التشكيلي في سوريا.

سنية صالح

من يذكر سنيّة صالح، الــشاعرة الــمفردة الــتي صمتت قبل الأوان؟ صدور أعمالها الكاملة في دمشق، بتقديم من خالدة سعيد، مناسبة لإعادة اكتشاف صاحبة "ذكر الورد" التي عاشت في ظل رفيق دربها محمد الماغوط، واتخذت من الشعر عزاءً وملاذاً. 

دعد حداد 1937-1991

من بين ثلاثة أجيال في حركة الشعر السوري الحديث كانت الأصوات المتفردة والمختلفة قليلة، بينما كانت الأكثرية الساحقة - أو المسحوقة - متشابهة، أو ضائعة في المسافة التي تفصل بين متاهة الغموض ومتاريس الأيديولوجيا الرثة. 

منذ منتصف السبعينات إلى أول التسعينات الماضية كانت دعد حداد تنشر بين حين وآخر قصائد مختلفة مشحونة بهموم وأحلام شخصية وإنسانية وصور شعرية مبتكرة. 

ألفت الإدلبي (1912-2007)

كاتبه سورية ولدت في مدينة دمشق وتعد من أكبر الأديبات العرب انتشر أدبها في العالم ونالت قصصها شهرة عربية وعالمية واسعة وترجمت قصصها إلى أكثر من 15 لغة اجنبية.

المرأة خلال الأزمة السورية (2011-حتى الآن)

شهدت سوريا خلال السنوات الأخيرة تحولات سياسية واجتماعية عميقة أثرت بشكل مباشر على مختلف فئات المجتمع وكان للمرأة النصيب الأكبر من التحديات التي فرضتها هذه المتغيرات، فقد أدت الأزمة إلى تراجع دور المرأة في الحياة العامة، إلا أنها شاركت في الحراك الشعبي وعارضت نظام البعث، واستخدمت سلطات دمشق آنذاك العنف بحقهن كأداة لقمع حراكهن. واعتقل العديد منهن، كما بقي مصير عدد آخر منهن مجهولاً، ومن بينهن، الصحفية والمحامية السورية رزان زيتونة التي اختطفت في الـ 9 من كانون الأول 2013، كما لم تعلن أي جهة مسؤولية اختطافها حتى يومنا الراهن. إلى جانب تعرضها للعنف والتهجير والاعتداء.

ومع إسقاط نظام البعث ووصول أبو محمد الجولاني للحكم، فرضت سياسات جديدة قلصت من دور المرأة وحقوقها، وقيدت الحريات الشخصية والتعليمية، كما ألغيت العديد من الإصلاحات القانونية التي كانت تدعم المرأة، كما أدى إلى تراجع كبير في مشاركتها السياسية والاجتماعية، بالإضافة إلى الإقصاء والتهميش في العديد من المجالات والتي أثارت موجة من الانتقادات والاحتجاجات، مما يحمل هذا الوضع للعديد من التساؤلات الذي ستلعبه المرأة في هذا النظام السياسي الجديد وهل سيكون لها مكان في النظام السياسي الجديد.

ويصعب التنبؤ بشكل واضح حول مصير المرأة هل سيتم تجاهل حقوقها كما في أفغانستان؟ أم ستظل سوريا دولة تتسع لجميع الفئات المجتمعية بما فيها المرأة؟ المرأة في سوريا تحمل تاريخاً طويلاً من الكفاح والمشاركة في الحياة السياسية، ولكن التحديات التي ستوجهها ستكون كبيرة، خاصة في ظل وصول حكام متشددين إلى دمشق، ما يشكل تراجعاً خطيراً في مسيرة النساء، يستدعي استعادة حقوقهن وتعزيز دورهن في بناء مستقبل سوريا.

(ي م)

ANHA