​​​​​​​تقييمات القائد عبد الله أوجلان عن المرحلة التي سبقت اتفاقية أضنة

مرّ ربع قرن على توقيع اتفاقية أضنة بين الدولة التركية المحتلة والدولة السورية في عهد الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد ولا تزال قائمة حتى اليوم. سبق توقيع الاتفاقية بين الدولتين خروج القائد عبد الله أوجلان من سوريا وهي المرحلة التي وصفها القائد بالمؤامرة الدولية.

​​​​​​​تقييمات القائد عبد الله أوجلان عن المرحلة التي سبقت اتفاقية أضنة
الثلاثاء 17 تشرين الأول, 2023   20:34
مركز الأخبار

خرج القائد عبد الله أوجلان من سوريا في الـ 9 من تشرين الأول عام 1998 وبعد 11 يوماً وفي 20 تشرين الأول من العام ذاته وقعت اتفاقية أضنة بين دولة الاحتلال التركي وسوريا.

بمناسبة الذكرى السنوية الـ 25 لاتفاقية أضنة نستعرض لكم جزءً من تقييمات القائد عبد الله أوجلان عن تلك المرحلة.

"المعادلةُ التي كانت سائدةً أثناء المرحلة التي أدت إلى خروجي من سوريا، أكثرُ لفتاً للأنظار. فالرؤية التي أخرجَتني من سوريا، ترتكز مجدداً في مضمونها إلى تضارُبِ الأهميةِ الفائقةِ التي أَعَرتُها دوماً لعلاقاتِ الصداقةِ مع سياسةِ إسرائيل تجاه الكرد. فإسرائيلُ التي عَوَّلَت على رُبُوبِيَّتِها وزعامتها للقضية الكردية، وخاصةً بعد الحرب العالمية الثانية، كانت قد أضحَت بالغةَ الحساسية تجاهها، لدرجةٍ لن تحتملَ معها طرازاً ثانياً من الحلِّ فيما يتعلقُ بالقضيةِ الكرديةِ التي بدأَ وقْعُ صداها يتسعُ طردياً متمثلاً في شخصي. ذلك أن طرازي في الحل لَم يَكنْ يتناسبُ إطلاقاً مع حساباتِهم. عليَّ ألاّ أنكرَ دورَ الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) التي دَعَتني بشكلٍ غيرِ مباشر إلى طريقتها في الحل. ولكني لم أكن مستعداً أو منفتحاً لذلك، أخلاقياً كان أم سياسياً. لم تَرغَب الإدارةُ السورية العربية تجاوزَ شكلِ العلاقات التي يغلب عليها الطابع التكتيكي مع قيادة PKK، علماً أن رئاسة حافظ الأسد تحققت اعتماداً على صراع الهيمنةِ بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي. هذا ولَم يَكن (حافظ الأسد) قادراً على الحفاظ على أية علاقةٍ تكتيكية، في ظلِّ الأجواءِ الحَرِجةِ البارزةِ مع انهيار الاتحادِ السوفييتيّ. فعندما كان يُحَقِّقُ التوازنَ مع تركيا من خلالي (عبر PKK)، كان يبحث بأحدِ المعاني عن ردٍّ على التهديداتِ التي تُلَوِّحُ بها الجمهوريةُ التركيةُ ضد سوريا منذ عام 1958 من جهة؛ وعلى انحيازِها المتطرفِ لإسرائيل من جهة ثانية. وباعتبار أن PKK أداةٌ مناسِبة في هذا الشأن، فقد أفسحَ بذلك المجالَ أمام إمكانيةِ إقامةِ علاقةٍ تكتيكية معه على المدى الطويل. حيث لم يكن يُرادُ لهذه العلاقةِ أنْ تَبدوَ وكأنها تُمهِّدَ الطريقَ لسياسةٍ كرديةٍ ثانية. وبذلك، لم تتمكن مساعي الحُكّامِ الأتراكِ من التأثير في هذا السياق.

هذا التذكيرُ الموجَزُ وحده كافٍ للإشارة إلى أنّ إسرائيل هي القوةُ الأساسية التي أَخرَجَتني من سوريا. ولا ريب أنّ التهديداتِ السياسيةَ الأمريكيةَ والضغوطَ العسكريةَ التركيةَ أيضاً لَعبَت دورها في ذلك. علينا ألاّ ننسى أنّ إسرائيل كانت ضمن معاهداتٍ سريةٍ مع تركيا منذ أعوام الخمسينيات. وللمرة الثانية، كان التحالفُ المناهِض لـPKK يكتملُ بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل والجمهوريةِ التركية، من خلالِ التوقيعِ على معاهدةٍ مُلحَقةٍ تحت مسمّى "مكافحة الإرهاب" عام 1996.

العاملُ الآخر المهمّ الذي يجبُ إضافته إلى هذه المرحلة، هو اتفاقُ الجمهوريةِ التركية مع إدارةِ PDK وYNK على أساسِ مناهضةِ PKK. بمعنى آخر، اتفاقُها مع المجلس الكردي الفيدرالي المتكون عام 1992، ومع إدارته التي هي على علاقةٍ مع أمريكا وإسرائيل. لا شك أنّ حكوماتِ الجمهوريةِ التركية وقواتها المسلحة كانت تتحرك بمفهومٍ تكتيكي في ظروف تلك الأيام. ولكنْ، للتاريخ سيره الخاص. فالإدراكاتُ المتنوعة جداً تنمُّ عن تطوراتٍ مهمة. ويعود هذا الخطأ التاريخي، الذي طالما اغتاظت منه تركيا في راهننا، إلى إدراكها الضيق والسطحي والأناني والأحاديِّ الجانب.

هكذا تَحَقَّق خروجي من سوريا عام 1998، باتحاد مجموع هذه العوامل على حسابها. أقولها صراحة: إنني كنتُ منتبهاً لضرورةِ خروجي من سوريا. وقد مررتُ بمرحلةِ من الانتظارِ الزائد في هذه الساحة. إلاّ أنّ جاذبيةَ النهجِ السياسي المتنامي لأجل كردستان، والصداقةَ التي طالما سعيتُ للرقي بها إلى المستوى الاستراتيجي، كانتا وكأنهما تَأسِراني. عليَّ الاعتراف بالحقيقةِ التي تشيرُ إلى أنّ الإدارة السورية على أرفعِ المستويات كانت تشدد بإصرارٍ على مخاطرِ هذا الأمر. لكني مازلتُ أدافع عن أهميةِ وحياتيةِ الصداقة الاستراتيجية بين الشعوب. هذه هي الرؤية عينها التي وجَّهتني إلى اليونان. فتطويرُ علاقاتِ الصداقة القَيِّمة مع الشعب اليوناني، وإنْ لَم يَكُن مع الدولة اليونانية، كانت نقطةً أخرى تثير اهتمامي. فالتواصل المتبادَل مع ثقافتهم الكلاسيكية وتاريخهم المأساوي كان مهماً للغاية. وضرورةُ الصداقة معهم كانت تفرض ذاتها.

كان الطريقُ الثاني للخروجِ يتمثلُ في بلوغِ جبالِ كردستان. فمنذ نعومةِ أظافري كانوا يلقبونني بـ"Dînê çolê"، أي "مجنون البراري والجبال". ولكنّ حسابي لمُؤثِّرَين اثنَين كان يجعلني أُرجِئ هذا الدربَ إلى المرتبة الثانية. فالمنطقة التي سأكون فيها في الجبال، أي داخل الوطن، كانت ستتعرض لأشدِّ الغارات والقصفِ كأمر لا مفر منه؛ مما كان سيُلحِق أضراراً جسيمةً بالشعب والرفاق. بالإضافة إلى عاملِ ضيقِ نطاقِ العلاقاتِ هناك. ولدى وضعِ كلِّ ذلك في الحسبان، فسيُلاحَظُ أنه كان يعني التركيزَ بالضرورة على السبل العسكرية فحسب، والانزلاقَ فيها كلياً. من جانبٍ آخر، كان افتقارُ الشبيبة للتعبئةِ والتوعيةِ بشكلٍ لا يُصدَّق، وضرورةُ تدريبي وإعدادي لها بكلِّ تأكيدٍ يصدني عن التوجهِ إلى الجبال.

باختصار، فإنَّ مزاعمَ العديد من الأوساط الرسمية وغيرِ الرسمية في تركيا، والتي تقول: "حاصرناهم، انظروا كيف حقَّقنا النتائج"، لا تعكس الحقيقة كثيراً. بَيْدَ أنَّ كلَّ المحاولات الحثيثة، التي لا تزال قائمةً في سياسةِ التضييق على إيران والعراق، أدت إلى بروزِ عقيدةٍ عمياء ثابتة، بدلاً من إعطاءِ النتيجة المتوخَّاة. في حين أنّ العلاقاتِ التكتيكيةَ التي أبرمَتها تركيا مع سوريا وإيران، حُبلى بنتائجَ لا يمكن التكهنُ بها منذ الآن. ولكنْ، يمكن القول: إنّ هذه العلاقات تُعتَبَر وسيلةً لسياسةٍ تحتضن في ثناياها الكثير من الأمور. ولكن، تُرى هل حكوماتُ الجمهوريةِ التركية مستعدةٌ لتَحَمُّلِ كلِّ النتائج الناجمة عن الحسمِ بأمرِ الثنائية: "إما العلاقة مع أمريكا–الاتحاد الأوربي–إسرائيل أو مع إيران–روسيا–الصين"؟!

(م)

ANHA