حكومتان في السودان.. مخاوف من تكرار السيناريو الليبي

تصاعدت المخاوف في الشارع السوداني من احتمالية استنساخ السيناريو الليبي في تعدد الحكومات بالبلاد، وسط مخاوف من انزلاق السودان لخطر التقسيم؛ خاصة مع انتشار تقارير عن توجه البرهان وحميدتي لتشكيل كلٍّ منهما حكومة مستقلة بمناطق نفوذه. فماذا ينتظر السودان وما خطورة هذا السيناريو؟

حكومتان في السودان.. مخاوف من تكرار السيناريو الليبي
الأربعاء 27 يلول, 2023   02:56
القاهرة - محسن المصري

حالة من الجدل يشهدها الشارع السوداني في ظل تقارير تتحدث عن نية طرفي الصراع تشكيل حكومة مستقلة، وهو ما يثير المخاوف من تكرار السيناريو الليبي في البلد الذي يشهد مواجهات عسكرية منذ قرابة 6 أشهر، بين قيادة الجيش برئاسة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التابعة لنائب رئيس مجلس السيادة السابق، محمد حمدان دقلو الشهير بـ حميدتي.

وتبدو الحاجة ملحة لتطبيق الفيدرالية في السودان، حيث يخشى البعض من تعرض السودان لخطر التقسيم؛ خاصة بعد تلويح قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو - حميدتي، بتكوين سلطة موازية عاصمتها الخرطوم، في حال أقدم رئيس مجلس السيادة، قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، على تكوين حكومة في مدينة بورتسودان شرق البلاد.

ويعتبر سيناريو الحكومتين حال تطبيقه شبيه الصلة بما تشهده ليبيا، التي يوجد بها حكومة مدعومة من البرلمان في الشرق، وأخرى في طرابلس العاصمة، فضلاً عن وجود أجهزة أمنية وميليشيات بكل منطقة، وشهدت ليبيا خلال السنوات الماضية أكثر من صراع عسكري بين الفرقاء والجماعات الليبية المسلحة، انتهى بهم الأمر لتقسيم غير معلن.

وبحسب مراقبين، فإن الوضع في السودان أخطر من ليبيا وفرص التقسيم حال وجود حكومتين كبيرة؛ خاصة مع التنوع العرقي والقبلي الموجود في السودان.

سيناريو وارد

وترى نائب رئيس المركز العراقي للدراسات الأفريقية، الدكتورة فريدة البنداري، أن تكرار السيناريو الليبي في السودان أمر وارد؛ خاصة أنه مع اندلاع القتال، قام الجانبان بتقسيم العاصمة، ولقي مئات المدنيين حتفهم في القتال، وفرَّ أكثر من 700 ألف آخرين من منازلهم.

وقالت لوكالتنا: "ما يرجح سيناريو لبيبا في السودان أن الجانبين متساويان بشكل كبير، فعلى الجانب العسكري استولت قوات الدعم السريع مؤخراً على القاعدة العسكرية في مروى بشمال السودان، بينما دمرت القوات المسلحة السودانية موقعاً لإعادة الإمداد لقوات الدعم السريع في شمال غرب السودان، وبعد أيام فقط من استلام قوات الدعم السريع شحنة أسلحة من مجموعة فاغنر الروسية عبر قاعدتها في جنوب ليبيا، هاجمت القوات المسلحة السودانية قاعدة عمليات حميدتي في دارفور.

وأشارت خبيرة الشؤون الأفريقية إلى أنه "مع وجود قوات قتالية متساوية، يمكن أن يكون السودان مستعدًا لفترة طويلة من القتال".

وتابعت "من الناحية المالية، فإن الجانبين أيضاً متكافئان بشكل جيد.، حيث يستفيد حميدتي وقوات الدعم السريع من الثروة الهائلة التي جمعها الجنرال من عمليات تعدين الذهب التي يسيطر عليها هو وعائلته في دارفور. في حين يستفيد البرهان والقوات المسلحة السودانية من شبكة واسعة من الشركات والزراعة وإنتاج النفط إلى تصنيع الأسلحة – التي تغذي الإيرادات إلى الجيش".

على جانب الدعم الدولي، ترى الدكتورة فريدة أنه "رغم تواصل الضغط متعدد الجنسيات على الجانبين لوقف القتال، فقد بدأ بعض اللاعبين الإقليميين في الاصطفاف خلف الجنرالين المتنافسين، حيث أعربت الجارة الأقرب للسودان مصر، عن دعمها للبرهان والقوات المسلحة السودانية، وكذلك فعلت الجامعة العربية، في حين تلقّى حميدتي أسلحة من المشير الليبي خليفة حفتر ومجموعة فاغنر الروسية".

خطر التقسيم

وتعتقد الباحثة أنه "يمكن لهذه الاستراتيجية في نهاية المطاف أن تخلق سيناريو تنقسم فيه البلاد على أسس عرقية بناءً على ولائها لقوات الدعم السريع أو القوات المسلحة السودانية، ويكون ذلك تكرار للنموذج والسيناريو الليبي".

وبحسب نائب المركز العراقي للدراسات الأفريقية، فإنه خلال العقود الخمسة الأخيرة توصلت الدراسات الأفريقية والغربية والعربية إلى نتيجة مفادها أن الدول الأفريقية لم تنجح في إدارة أي تعددية ـ بل أثبتت الدول الأفريقية سوء إدارة التعددية السياسية والعرقية وتنامي الروح الانفصالية بين المكون الوطني، لافتة إلى نموذج جنوب السودان، والذي بعد سنوات وسنوات من المفاوضات والاقتتال والحروب الأهلية، لم يحل إلا بالانفصال، وكانت دارفور على وشك الدخول في عملية الانفصال لولا ثورة ديسمبر 2018 التي أنتجت الآن "حرب الجنرالات".

سيناريوهات المستقبل

وترى الدكتورة فريدة أن "انزلاق السودان السريع إلى الصراع المميت، وانقسام الحكومة بشكل عرقي هو نكسة رهيبة، كانت نتيجة سوء إدارة التسوية السياسية لعدة عقود"، مشددة على أنه "لابد من الاعتراف بأن الوسائل العسكرية لن تحل الأسباب الجذرية للصراع المستمر منذ عقود في السودان".

وحذرت من أنه "ما لم تتدارك النخبة السودانية واقعها اليوم الأليم بالتنازلات الكبرى، والبدء بالاعترافات الجريئة والتسامي والتجاوز فوق (الشجون الصغرى)، فإن سيناريو انفصال الجنوب لن يكون بعيداً مرة أخرى في السودان، وسنرى انقسامات عديدة في العاصمة رمز سلطة الدولة، وهذا فيه تنفيذ لتهديد قديم ظلت تردده الحركات المتمردة في الأطراف، أن الحرب المقبلة ستكون في الخرطوم".

وحول مستقبل السودان، ترى خبيرة الشؤون الأفريقية أنه "في ظل معطيات المشهد الحالي، فإن مستقبل السودان سيكون بين اثنين من السيناريوهات أسوأ من بعض؛ أولهما استمرار الاقتتال والحرب والانتقال إلى حرب الولايات واستمرار الحرب لفترة أطول تحمل تعقيدات كبيرة قد تؤدي إلى انهيار الدولة، وربما سمة حروب الألفية الثالثة هي الاستمرارية دون منتصر ومنهزم".

والسيناريو الثاني بحسب فريدة  "هو التقسيم، خاصة وأنه تحقق في انفصال جنوب السودان عام 2011 بعد حرب استمرت عشرين عاماً مع الشمال"، لافتة إلى أنه "ما يزيد من احتمالية هذا السيناريو هو وجود حركات مسلحة تسيطر على أراضٍ واسعة، مثل الحركة الشعبية التي تقاتل في جنوب كردفان (جنوب) والنيل الأزرق (جنوب شرق)، وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، التي تقاتل في دارفور منذ 2003."

(ي ح)