في ذكرى استشهاد عمر المختار.. هل ليبيا بحاجة إلى قائد جديد للمقاومة؟

تحلّ اليوم السبت 16 أيلول، ذكرى إعدام البطل الليبي المقاوم عمر المختار، ذلك الخمسيني الذي لم يمنعه كِبر سنّه من رفع راية المقاومة في وجه أعداء بلاده ومستعمري وطنه، اليوم وفي ظل ما تشهده ليبيا من دمار وخراب ومقتل قرابة 20 ألف مواطن في ساعات؛ بسبب فشل الحكومات الليبية المتصارعة على الحكم.. هل يمكن أن نرى مختار جديداً يحرر ليبيا من احتلال الميليشيات وفساد الساسة والأحزاب؟

في ذكرى استشهاد عمر المختار.. هل ليبيا بحاجة إلى قائد جديد للمقاومة؟
السبت 16 يلول, 2023   03:53
القاهرة - محسن المصري

فجأة ودون مقدمات، عادت ليبيا لتحتل صدارة نشرات الأخبار العالمية ووكالات الأنباء الدولية، وهذه المرة ليس بسبب الانتخابات التي ينتظرها الليبيون منذ عقود دون معرفة موعدها، ولا بسبب صراع سياسي لم يتوقف منذ أكثر من عقد من الزمن، أو حرب جديدة طالما اشتعلت نتيجة صراعات الميليشيات المسلحة التي تسيطر على مقاليد الأمن في البلاد.

على الرغم من كل ما تشهده ليبيا من أزمات سياسية وعسكرية، فإن تصدّرها عناوين وكالات الأنباء العالمية هذه المرة جاء بعد مقتل أكثر من 5 ألف شخص وفقدان عشرات الآلاف وتدمير مدن وأحياء بكاملها جراء الإعصار المدمر الذي ضرب البلاد.

اللافت للنظر أن كارثة ليبيا الجديدة جاءت قبل أيام من الاحتفال بيوم الشهيد الذي يوافق 16 أيلول من كل عام ذكرى إعدام البطل عمر المختار أسد الصحراء وقائد المقاومة ضد الاحتلال الإيطالي والبريطاني في ليبيا، في إشارة واضحة على حاجة ليبيا لاستحضار فكر المقاومة للتخلص من فساد الساسة وأمراء الحرب في ليبيا.

وتعيش ليبيا منذ أكثر من 10 سنوات حالة من الفوضى السياسية والعسكرية، حيث تسيطر الميليشيات المسلحة على معظم مناطقها، كما يوجد فيها حكومتان إحداهما ترفض تسليم السلطة منذ شهور، والأخرى غير معترف بها دولياً، بالإضافة إلى وجود برلمان شرق ليبيا ومجلس أعلى للدولة غربها، فضلاً عن وجود قوات أمنية في الغرب وأخرى في الشرق، إلى جانب ميليشيات موالية لزعماء الأحزاب والكيانات السياسية، وهو ما جعل ليبيا أشبه بكيانات منفصلة الضحية الوحيدة فيها المواطن.

كارثة دانيال

واجتاح إعصار دانيال يوم الأحد 10 أيلول، مناطق شرق ليبيا مخلّفاً فيضانات مدمرة أدت إلى خسائر كبيرة في الأرواح، وحسب وسائل إعلام، بلغ عدد الضحايا في مدينة درنة الساحلية بين 18 و20 ألف شخص، استناداً لعدد المباني والأحياء التي دُمّرت، خاصة أن الفيضانات حدثت خلال الليل والناس نيام.

ووفقاً لتقارير صحفية، جرفت السيول بيوتاً بأكملها بمن فيها من عائلات، واختفت أحياء بكل ملامحها، ونزح عشرات الآلاف من الأشخاص، ولا تزال الجثث التي لم تُنتشل من تحت الأنقاض أو في البحر غير معروفة الهوية والعدد، وبقاؤها في مياه السيول يزيد من خطر الإصابة بالأمراض.

وهناك حالة من الغضب في الأوساط الليبية تجاه تعامل السلطات مع الكارثة، خاصة بعد إعلان المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة الخميس 14 أيلول أنه كان من الممكن تفادي سقوط معظم الضحايا، مشيرة إلى قلة التنظيم في ظل الفوضى المخيّمة في ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي.

ما شهدته درنة من دمار وخراب بسبب كارثة تسبّب فيها البشر قبل الحجر، يذكرنا بما عاصرته ليبيا أثناء الاحتلال الإيطالي، ففي كتابه "بنغازي في فترة الاستعمار الإيطالي" يصف المؤرخ وهبي البوري حال المدن الليبية أثناء الاحتلال بأنها "مدن أشباحٍ دمرتها القنابل"!

هذا التشابه الحاصل بين ماضي ليبيا المأساوي تحت الاحتلال، وحاضرها المؤسف في ظل أمراء الحرب والفساد يقودنا على الحديث عن شخصية ليبية غيّرت مسار التاريخ ووقفت بكل حزم أمام محاولات الاحتلال استباحة الأرض والثروات وقادت الثورة والمقاومة ضد الاستعمار إلى أن استشهد على يد أعدائه رافعاً شعار "نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت".

إنه أسد الصحراء عمر المختار الذي تحل ذكرى استشهاده اليوم السبت 16 أيلول، والذي يحتاج الليبيون لاستحضار سيرته وتاريخه المقاوم لاستعادة دولتهم التي استبد بها الفساد، وخربها الساسة بصورة جعلت الآلاف من الليبيين جثثاً بلا مأوى ابتلعها البحر في لحظة ثم عاد ليلقيها على الشاطئ دون رحمة لتبقى شاهدة على جرائم ارتكبها ليبيون بحق شعبهم، ربما لا تقلّ بشاعة إن لم تكن تزيد، عما ارتكبه المحتل الغاشم والمستعمر الغريب.

من عمر المختار؟

في أجواء أسوأ بكثير مما تشهده ليبيا حالياً، عاش عمر المختار، الذى لا يوجد تاريخ دقيق لولادته، ولكن الشيء الوحيد المؤكد أن حياته كانت سلسلة من المقاومة والنضال، فهو الفدائي الذى حارب الاستعمار البريطاني إلى جانب المصريين، وهو المقاوم الذى ساند ثوار تشاد في مقاومة الاحتلال الفرنسي في شبابه، وهو الشيخ الثائر الذي قاد ثوار ليبيا لمقاومة الاحتلال الإيطالي لبلاده.

كما شارك في القتال الذي نشب بين السنوسية والفرنسيين في المناطق الجنوبية في السودان.

أسد الصحراء

أسد الصحراء، هكذا وصف الليبيون عمر المختار، للتعبير عن فخرهم وإعجابهم بهذا البطل الذي نُسجت حوله الأساطير التي تخلّد قوته وشجاعته حيث يُروى أنه أثناء رحلة للسودان برفقة بعض معاونيه قابلهم أسد هددهم، فبدلاً من ترك جمل للأسد كي ينصرف عنهم، امتطى جواده وأطلق سلاحه إلى الأسد وانطلق يطارده ثم عاد لهم برأسه.

وفي عام 1911، أعلنت إيطاليا الحرب على الدولة العثمانية التي كانت تحكم ليبيا ودخلت قواتها للأراضي الليبية، وفي عام 1912 أعلنت روما ليبيا مستعمرة إيطالية، ومنذ ذلك الوقت قاد المختار الذي كان يبلغ من العمر وقتها 53 عاماً، المقاومة الليبية ضد الإيطاليين لنحو 20 عاماً، أوقع خلالها خسائر فادحة في صفوف الإيطاليين.

وفي 11 أيلول 1931 تمكّن الإيطاليون من أسر عمر المختار بعد معركة قُتل فيها جواده وتحطمت نظارته.

وبعدها بثلاثة أيام في 14 أيلول، وصل القائد الإيطالي غراتسياني إلى بنغازي، وأعلن على عجل انعقاد المحكمة الخاصة في 15 أيلول 1931، وفي الساعة الخامسة مساء اليوم المحدد لمحاكمة عمر المختار صدر الحكم عليه بالإعدام شنقاً.

 المختار في عيون أعدائه

يكفي لمعرفة قيمة ومكانة عمر المختار أن تقرأ ما كتبه عنه أعداؤه، ففي مذكراته يصف القائد “غراتسياني” الذي أشرف على تنفيذ حكم إعدام عمر المختار المجاهد الليبي بأنه “أسطورة الزمان الذي نجا آلاف المرات من الموت ومن الأسر، واشتُهر عند الجنود بالقداسة والاحترام، لأنه الرأس المفكر والقلب النابض للثورة العربية في برقة، وكذلك كان المنظم للقتال بصبر ومهارة فريدة لا مثيل لها سنين طويلة”.

ويصف الجنرال الإيطالي لحظة لقائه بالمختار قائلاً "ارتعش قلبي من جلالة الموقف، أنا الذي خضت المعارك والحروب العالمية والصحراوية، وعلى الرغم من هذا كانت شفتاي ترتعشان ولم أستطع أن أنبس بحرف واحد، فانتهت المقابلة وأمرت بإرجاعه إلى السجن لتقديمه للمحاكمة في المساء، لقد خرج من مكتبي كما دخل علي، وأنا أنظر إليه بكل إعجاب وتقدير".

وقبل أن يتدلى جسده المنهك من حبل المشنقة، ألقى المجاهد الليبي عمر المختار بكلماته الخالدة خلال لقائه بالفريق أول "رودولفو غراتسياني": نحن لا نستسلم، ننتصر أو نموت، وهذه ليست النهاية، بل سيكون عليكم أن تحاربوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فإن عمري سيكون أطول من عمر شانقي.

وبالفعل صدقت نبوءة قائد المقاومة البطل وأصبحت كلماته الأخيرة ناراً أشعلت مقاومة الاستعمار في العالم العربي طيلة قرابة القرن، وألهمت الثوار روح المقاومة ضد المحتلين في المنطقة العربية وخارجها.

واليوم، وفي ظل ما تعانيه ليبيا من فساد وإفساد وصراع على السلطة وتشرذم وانقسام تبدو حاجة الليبيين ملحّة وضرورية لاستحضار سيرة ذلك البطل المختار الذي تحل ذكراه اليوم 16 أيلول.

وعلى الليبيين البحث فيما بينهم عن قائد جديد للمقاومة يسير على نهج أسد الصحراء عمر المختار ليوحد الصفوف ويواجه المحتلين والفاسدين حتى لو كانوا من نفس الوطن والطينة، فما كشفته كارثة الاعصار من فساد وخراب بليبيا يفوق ما ارتكبته قوات الاحتلال على مدار تاريخها.

(ي ح)

ANHA