الميليشيات في ليبيا معضلة تعرقل الحلول وتقوّض الاستقرار 

لا تتوقف أزمات الميليشيات المسلحة والجماعات المرتزقة في ليبيا، وخاصة المدعومة من قبل تركيا؛ حيث تندلع الاشتباكات بشكل شبه يومي وما تكاد تتوقف في مدينة حتى تندلع في أخرى، في ظل هشاشة الوضع الأمني بمعظم المدن الليبية. فهل يمكن الحديث عن انتخابات أو عودة للدولة الليبية في ظل انتشار هذه الميليشيات والجماعات المسلحة؟

الميليشيات في ليبيا معضلة تعرقل الحلول وتقوّض الاستقرار 
الثلاثاء 29 آب, 2023   00:42
القاهرة - محسن المصري

شهدت الأيام الماضية، اشتباكات عنيفة في طرابلس بين ميليشيات موالية للحكومة وأخرى موالية للمجلس الرئاسي، في مشهد يكشف عن حجم المأساة التي تعيشها ليبيا.

وبحسب وسائل إعلام ليبية، فقد وقعت اشتباكات بين مسلحين تابعين إلى اللواء 444 التابع لوزارة الدفاع في حكومة الدبيبة، وقوة الردع الخاصة التابعة للمجلس الرئاسي، وهما القوتان العسكريتان الأكثر نفوذاً في العاصمة طرابلس؛ حيث بدأ القتال الذي أسفر عن 55 قتيلاً ونحو 150 جريحاً، عقب احتجاز قوة الردع الخاصة، التي تسيطر على مطار معيتيقة الرئيسي في طرابلس، قائد اللواء 444 محمود حمزة، أثناء محاولته السفر إلى مدينة مصراتة.

وأثارت اشتباكات طرابلس المخاوف من عدم قدرة الدولة الليبية على إجراء انتخابات ينتظرها الليبيون منذ أكثر من عقد من الزمان، خاصة أن الاشتباكات تزامنت مع انفراجات في المسار السياسي بالوصول إلى توافق بين مجلسي النواب والأعلى للدولة، على بعض النقاط الخلافية في قوانين الانتخابات، والدفع بأخرى إلى اللجنة المشكلة من المجلسين (6+6) لإعادة البت فيها من جديد.

ووفق تقارير دولية، ينتشر في ليبيا أكثر من 2000 "ميليشيا" مسلحة، ساهمت تركيا وحدها في نقل قرابة 19 ألف مرتزق سوري إلى الأراضي الليبية، إضافة إلى حوالي 10 آلاف متطرف من حاملي جنسيات مختلفة.

انتهاكات متكررة

وهذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها طرابلس اشتباكات بين ميليشيات تابعة لمؤسسات رسمية، ففي 12 من أيار الماضي، اندلعت اشتباكات عنيفة بين ما يسمي كتيبة "فرسان جنزور" و"كتيبة 55" من منطقة صياد التابعة لقبائل ورشفانة غرب طرابلس، استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة، مما تسبب في إغلاق الطرقات والمحال التجارية، وحالة هلع بين سكان المدينة.

وبعدها بأيام وبالتحديد في 29 أيار اندلع قتال عنيف، بين "قوات جهاز الردع" و"اللواء 444" المواليين لحكومة ما تسمى الوحدة الوطنية، وسط العاصمة طرابلس، مما أثار حالة من الرعب والفزع بين المواطنين.

وأغلقت ميليشيات مسلّحة في وقت سابق الطريق الساحلي الرابط بين العاصمة طرابلس ومدينة الزاوية، احتجاجاً على العملية العسكرية التي أطلقتها حكومة ما تسمى الوحدة الوطنية لملاحقة المهرّبين.

الدور التركي

وتخضع معظم مدن الغرب الليبي وفي مقدمتها طرابلس العاصمة، لسيطرة "الميليشيات" المسلحة المدعومة من الحكومة والمجلس الرئاسي.

وتورطت تركيا في الصراع الليبي؛ حيث تدخلت بشكل كبير في الأزمة، وانحازت إلى جانب حكومة ما تسمى الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج في ذلك الوقت، وقعت معها اتفاقية عسكرية في نوفمبر 2019 وبموجبها تدفق عشرات المرتزقة والمسلحين الموالين لتركيا لداخل ليبيا وفشلت كل المحاولات الدولية لطردهم حتى الأن.

وأجمع خبراء ومراقبون على أن انتشار الميليشيات المسلحة في ليبيا يعرقل جهود حل الأزمة ويهدد ما تبقى من سيادة الدولة الليبية، خاصة مع تكرار الاقتتال والاشتباكات بين قادة الميليشيات واستعانة السياسيين والأحزاب بالميليشيات لتعزيز سطوتهم.

أقوى من الحكومة

وقال الباحث السياسي أحمد عرابي: "إن ما حدث في العاصمة طرابلس مؤخراً من اشتباكات مسلحة بين مجموعتين مسلحتين مواليتين لحكومة الوحدة الوطنية، يعيد قضية التنافس بين الجماعات المسلحة وعدم وجود قيادة موحدة لها، وكذلك فوضى السلاح في المنطقة الغربية من البلاد".

وأوضح عرابي لوكالتنا أن "الاشتباكات تؤكد غياب القيادة والسيطرة على جهاز الأمن المفتت في غرب ليبيا، والوضع الحرج للحالة الأمنية في البلاد"، لافتاً إلى أنها "عصفت باستقرار العاصمة طرابلس الهش"، مشيراً إلى أن: "هذه التطورات الأخيرة تقوّض جهود خلق ظروف ملائمة لإجراء الانتخابات، وتُظهر الحاجة لانتخابات شرعية وتوحيد المؤسسات العسكرية والأمنية، كما تكشف كيف رسخت المجموعات المسلحة نفوذها وسلطتها في البلاد، مع استمرار المنافسة فيما بينها على السلطة منذ الإطاحة بمعمر القذافي في عام 2011".

وأشار إلى أن: "الاشتباكات في طرابلس أظهرت أن حكومة الوحدة الوطنية لم تعد تمسك بزمام الأمور، وأن المنافسة أصبحت أشد، مع اندماج عدد من التشكيلات المسلحة الرئيسية التي باتت تملك سلطة ونفوذاً أكبر هناك، مشدداً على أنه من الضروري مساءلة المجموعات المسلحة التي ترتكب العنف ضد المدنيين في البلاد لمنع تكرار هذه الاشتباكات وما ينتج عنها من رعب وفزع وانتهاك لحقوق المواطنين".

ويعتقد الباحث أن: "انعدام الاستقرار في ليبيا له تأثير ملحوظ على الوضع في المنطقة بأسرها من سواحل شمال أفريقيا إلى منطقة الساحل؛ إذ فتح غياب السيطرة على الحدود مسارات جديدة للهجرة غير النظامية والمجموعات المسلحة من منطقة جنوب الصحراء إلى البحر المتوسط".

موقف دولي

وترى الباحثة في الشؤون الليبية مروة محمد أن: "الاشتباكات المسلحة في طرابلس لم تكن الأولى وهي تتجدد من وقت لآخر بسبب المنافسة بين الجماعات المسلحة التي تسعى إلى بسط سلطتها".

وقالت لوكالتنا: "الأهم أن الغرب وتحديداً أوروبا، عليهم أن يحددوا موقفهم، وأي الأطراف يدعمون، والكف عن دعم حكومة رهينة الفصائل المسلحة في العاصمة الليبية".

وبحسب الباحثة: "لا يوجد أي قائد سياسي قادر على إخضاع الفصائل المسلحة لسيطرة الدولة، كما أن المجتمع الدولي يركز على الحاجة إلى دفع مجلسي النواب والأعلى للدولة باتجاه الاتفاق حول القواعد الانتخابية ومن ثم إجراء الانتخابات في أقرب وقت".

وأشارت إلى أن: "الاشتباكات الأخيرة هي في الواقع صورة لعدم استقرار كبير"، لافتة إلى أن "الأسوأ هو قيام الجبهات السياسية المختلفة بدعم تلك الجماعات المسلحة لتنعم بالحماية ولمحاولة لتأمين مناصبها".

ورغم كل ذلك، تعرب الباحثة عن تفاؤلها بمستقبل ليبيا قائلة: "متفائلة بالتطورات الأخيرة على المستوى السياسي والاقتصادي مع اجتماع بنغازي الثلاثي الذي جمع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، وقائد الجيش الوطني الليبي المشير خليفة حفتر، ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح، بالإضافة لتوحيد المصرف المركزي الليبي، بعد سنوات من انقسامه"، معتبرة أن: "هذه التطورات تبشر بإمكان حدوث انفراجات في الأزمة وتمهد الطريق لجلوس الأطراف السياسية على طاولة المفاوضات".

وشددت مروة على أنه قد: "حان الوقت للتعجيل بوضع خطة شاملة وواضحة لخروج كافة الميليشيات من ليبيا برعاية الأمم المتحدة، وعلى تركيا أن تعلن دعمها لمثل هذه الخطة؛ لأنه بدون خروج الميليشيات لن تكون هناك حكومة قوية بإمكانها إدارة شؤون البلاد".

وطالبت الباحثة تركيا: "أن توضح بشكل علني أي الأطراف تدعم وما مصير الاتفاقات العسكرية التي تم إبرامها مع طرابلس في وقت سابق، وإن كان هناك إمكانية لإعادة تعريف هذه الاتفاقيات".

 وحول مصير الانتخابات، ترى الباحثة أنه" "لن تكون هناك انتخابات على الأقل هذا العام، ما لم يتم إنجاز كافة القوانين المتعلقة بالانتخابات والتوافق حول نقاط الخلاف في هذا الشأن".

(ي ح)

ANHA