التطبيع المصري – الإيراني يسير ببطء

شهد مسار التطبيع بين مصر وإيران نوعاً من التباطؤ، ما يشير إلى أن تطبيق التفاهمات بشكل عملي اصطدم بمعوقات عديدة. فما الأسباب؟

التطبيع المصري – الإيراني يسير ببطء
الثلاثاء 15 آب, 2023   02:13
القاهرة - محسن المصري

مع الزخم الذي أحدثه اتفاق إعادة العلاقات الدبلوماسية بين السعودية وإيران برعاية صينية في آذار الماضي، بدأت تقارير عديدة تتحدث عن تحركات ووساطات لتطبيع العلاقات بين القاهرة وطهران.

وجاءت تصريحات المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في 29 أيار، خلال لقائه سلطان عمان في طهران، بترحيبه بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع مصر، كدليل جديد على وجود تحركات على أعلى مستوى لإعادة العلاقات بين البلدين.

وكانت العلاقات المصرية الإيرانية قد دخلت في نفق مظلم منذ قيام الثورة الإسلامية، خاصة بعد استقبال مصر لشاه إيران السابق وأسرته ودفنه بالقاهرة، وهو ما ردت عليه طهران بإطلاق اسم خالد الإسلامبولي قاتل الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، على أحد أشهر شوارعها.

محاولات تقارب

وخلال السنوات الأخيرة، كانت هناك محاولات كثيرة للتقارب بين البلدين، وحدثت تحولات في الخطاب الإعلامي، وظهرت نوايا الطرفين في إنهاء القطيعة؛ حيث تم إزالة اسم قاتل السادات من شوارع طهران، في حين خفّت النبرة المعادية لإيران من الإعلام المصري.

وحسب بعض التقارير الإخبارية، فقد زار وفد استخباراتي إيراني القاهرة في تموز 2021 ودخل في مباحثات مع نظرائه المصريين بجهاز المخابرات العامة.

كما عقد اجتماع أمني خلال زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى عمان في حزيران 2022، حيث اجتمع مسؤولون مصريون وإيرانيون على هامش الزيارة.

كما عقد اجتماع آخر غير مُعلن عنه بالقاهرة في تشرين الثاني 2022، شارك فيه مدير المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل، وعلي سلاجقة نائب الرئيس الإيراني الذي شارك في قمة المناخ "كوب 27" (COP27) التي عقدت بشرم الشيخ في تشرين الثاني 2022 والتقى وزير الخارجية المصري سامح شكري.

كما تحدثت تقارير عن نجاح الوساطة العمانية والعراقية في ترتيب عدة جلسات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين في بغداد منذ آذار الماضي، فضلاً عن إعلان وزير الخارجية الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، عن تفاؤله بشأن آفاق تحسين العلاقات مع مصر، وشدد على أهمية اتخاذ البلدين إجراءات متبادلة لتعزيز العلاقات.

وعلى الرغم من كل اللقاءات والتحركات والوساطات والتصريحات الرسمية وغير الرسمية، لم تأخذ العلاقات بين مصر وإيران الشكل الرسمي، وما زال قطار التطبيع يسير بسرعة السلحفاة، منتظراً دفعة دبلوماسية لم تأتِ حتى الأن.

وحسب مراقبين، فإنه وعلى الرغم من أهمية التقارب بين القاهرة وطهران للبلدين، إلا أن هناك عدة ملفات عطلت استكمال تطبيع العلاقات، وهو ما يتطلب جدية أكثر من الطرفين نظراً لما يمثله عودة العلاقات من أهمية استراتيجية لكل من مصر وإيران.

خيار استراتيجي

ويرى خبير الشؤون الإيرانية الدكتور إياد المجالي، أن "خيار التطبيع بين القاهرة وطهران بات أولوية لصانع القرار السياسي في كلا البلدين، مع تطور شكل التحالفات الإقليمية جراء الأزمة الأوكرانية وتراجع دور الولايات المتحدة في المنطقة".

وقال لوكالتنا: "مصر كغيرها من بعض دول المنطقة تعاني من أزمات اقتصادية مركبة ومعقدة، ويشكل فتح أفق التقارب مع طهران جزءاً مهماً من دعم جوانب اقتصادية حيوية، واستعادة العلاقات بين القاهرة وطهران من شأنه أن يسهل تدفق السياح الإيرانيين إلى مصر، مما قد يسهم بتوفر العملة الصعبة التي تشتد حاجة البلاد إليها. علاوة على ذلك، ستستفيد مصر بشكل كبير من توسيع صادراتها من البضائع إلى السوق الإيرانية".

وأكد أن التطبيع مع القاهرة يمثل لطهران خياراً استراتيجياً تفرضه المتغيرات التي توالت على المسرح السياسي، خاصة أن استعادة العلاقات مع مصر وتطبيعها سيحبط جهود العزلة التي تحاول الولايات المتحدة وإسرائيل فرضها على إيران، فضلاً عن أن إقامة علاقة طبيعية مع مصر من شأنه أن يمهد الطريق لتعزيز التعاون الاقتصادي والوصول إلى السوق المصري الواسع، ما يوفر إمكانات كبيرة للمنتجات الإيرانية. وهذا بدوره سيؤدي إلى زيادة العائدات المالية لطهران ويساعد في التخفيف من أزمتها الاقتصادية.

وأشار إلى ان "التباطؤ القائم بخطوات تطبيق اتفاق وتطبيع سياسي اقتصادي بين الطرفين يتطلب جهوداً دبلوماسية تعالج القضايا المشتركة وتحدد الإطار الرئيسي للتعاون قبل الإعلان عن هذا التطبيع".

توقف مفاجئ

بدوره، أكد الباحث المتخصص في الشؤون الإيرانية، محمد عبادي، أنه من المعروف أن الدبلوماسية المصرية العريقة ذات خطوات ثقيلة خاصة في الملفات الشائكة، كملف تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إيران عقب اتفاق التهدئة بين إيران والمملكة العربية السعودية في آذار الماضي برعاية صينية".

وقال لوكالتنا: "كان من المتوقع أن يكون هناك اتفاق مماثل بين مصر وإيران، خاصة مع دخول الوساطة العمانية على الخط، والإشارات الإيرانية المستمرة التي تغازل الحكومة المصرية المرحبة بعودة العلاقات".

ويعتقد عبادي أنه "كان من المفاجئ أن يتوقف الحديث عن المصالحة المصرية الإيرانية، وهذا ما يمكن تفسيره بعدة أسباب، الأول أن المصالحة السعودية الإيرانية لا تزال تحت الاختبار، وبحاجة إلى وقت لإثبات جدية إيران في السلام ورغبتها في التهدئة داخل الإقليم".

والسبب الثاني بحسب الباحث "هو التعقيدات الإيرانية في الملفات الدولية مثل البرنامج النووي والعقوبات المفروضة على إيران، والسبب الثالث هو محدودية المكاسب التي يمكن أن تحصل عليها مصر من الإقدام على هذا الاختراق التاريخي في العلاقات الفاترة منذ وصول نظام الثورة الإسلامية والقطيعة السياسية في عهد الرئيس المصري الأسبق محمد أنور السادات".

وأشار إلى أن "هذا ما يضعنا أمام خيار تجميد الحديث عن أي محاولة جادة للتصالح الشامل في الوقت الراهن، خاصة مع إرجاء خطوات التطبيع المتسارعة بين الرياض وطهران".

(ي ح)

ANHA