خبراء يستبعدون حدوث تدخّل في النيجر

استبعد خبراء حدوث تدخّل عسكري في النيجر، بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم الذي يعتبر آخر حلفاء فرنسا غرب أفريقيا، داعين باريس إلى مقاربة جديدة في التعاطي مع الدول الأفريقية؛ لأن دورها ونفوذها شارف على الانتهاء في أفريقيا.

خبراء يستبعدون حدوث تدخّل في النيجر
الجمعة 11 آب, 2023   02:38
القاهرة - محسن المصري

تتسارع الأحداث في النيجر عقب الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكم الرئيس محمد بازوم واحتجازه من قبل قيادات عسكرية في البلاد، وسط تباين في ردود الفعل الدولية من فكرة التدخّل العسكري من أجل إسقاط الانقلاب وإعادة النظام الدستوري.

وكانت مجموعة "إكواس" التي تتألف من زعماء 15 دولة غرب أفريقيا قد أمهلت عسكر النيجر أسبوعاً، انتهى الأحد 6 آب، لإعادة بازوم إلى منصبه وفك الاحتجاز المفروض عليه منذ 26 تموز، وإلا سيواجهون تدخّلاً عسكرياً محتملاً، وهو ما قابله المجلس العسكري الحاكم في النيجر بإغلاق المجال الجوي للنيجر، وتعهّد بالدفاع عن البلاد.

وعلى الرغم من انتهاء مهلة إكواس لم يتم الإعلان عن تحرك عسكري، خاصة في ظل مخاوف دولية من أن يفاقم التدخّل العسكري في النيجر الاضطرابات في واحدة من أفقر مناطق العالم، والتي تعاني من أزمة جوع وتحارب لإنهاء أعمال عنف أودت بحياة الآلاف وأجبرت الملايين على النزوح، وسيشعل فتيل حرب طاحنة، قد تتحوّل إلى حرب بالوكالة بين القوى الكبرى.

وتدعم فرنسا فكرة التدخّل العسكري في النيجر، خاصة أن الرئيس المعزول بازوم يعتبر آخر حلفاء باريس في غرب أفريقيا، بعد أن أطاحت انقلابات عسكرية في بوركينا فاسو ومالي مؤخراً بزعماء محسوبين على فرنسا.

وحسب مراقبين، فربما تكون فرنسا أكبر الخاسرين ممّا تشهده دول غرب أفريقيا عموماً، والنيجر خصوصاً؛ نظراً لما تمتلكه الأخيرة من ثروات أهمها اليورانيوم الذي تستغله باريس في إضاءة شوارعها فضلاً عن تصدير الطاقة للعالم وتصاعد الرفض الشعبي الأفريقي للنفوذ الفرنسي في دول الساحل الأفريقي مقابل القبول بالوجود الروسي والصيني، وهو ما ظهر في المظاهرات الداعمة لانقلاب النيجر الذي رُفعت فيها أعلام روسيا.

فرنسا وأفريقيا

وأكد الباحث التونسي المقيم في باريس نزار الجليدي أن ورقة فرنسا قد انتهت في عموم أفريقيا، مشيراً إلى أن الصوت الأعلى في أفريقيا الآن هو رفض الاستغلال المهين والرؤية الفرنسية للهيمنة والاستعمار".

وقال لوكالتنا "فرنسا مدينة الأنوار، أصبحت مهددة بالظلام، خاصة أنها تعيش من اليورانيوم الذي تستخرجه من النيجر، كما أن 70% من مبيعات فرنسا من الطاقة التي تصدرها للعالم تستخرج من أفريقيا وتحديداً النيجر".

ويرى الجليدي الذي يحمل الجنسية الفرنسية أن "باريس يجب أن تدخل مرحلة من الدبلوماسية بعد أن خسرت كل شيء، وبعد أن أصبح العودة إلى المكانة نفسها التي كانت فيه شبه مستحيل"، مؤكداً أن "فرنسا لن تتدخّل عسكرياً في النيجر".    

 ويعتقد الباحث أن "شمس فرنسا اقتربت فعلاً من الغروب في أفريقيا، بل هو الغروب نفسه والذي لن يكون له شروق مرة أخرى؛ لأن الصوت الأفريقي أصبح عالياً؛ رفضاً للتدخّل الفرنسي في المنطقة"، كما أن الفيتو الجزائري القوي رفضاً للتدخّل العسكري في النيجر سيمنع إطلاق أي رصاصة؛ لأن المنطقة كلها عبارة عن برميل متفجر يحتاج فقط لعود ثقاب لتشتعل بالكامل".

وأشار إلى أن زمن حماية فرنسا للمنطقة انتهى وولّى زمانه، لافتاً إلى أن "باريس بعد عقود من احتلال الساحل الأفريقي ونهب ثرواته سواء كقوة مستعمرة أو داعمة لأنظمة موالية لها تواجه الآن شبح الخروج المذلّ من المنطقة"، مشيراً إلى أن "دول أفريقيا أصبحت تفضل التعامل مع الصين وروسيا التي تتعامل بمنطق الربح للجميع عكس الغرب الذي ما زال يتعامل بالذهنية الاستعمارية القديمة".

التدخّل العسكري

وحول احتمالية حدوث تدخّل عسكري من قبل فرنسا، يعتقد الباحث "أن أي رصاصة ستطلق في المنطقة بمثابة إعلان لحرب عالمية لا يتحمّل العالم تبعاتها في الوقت الحالي، وبالتالي لن تسمح به القوى الكبرى".

ويرى أن "جميع سيناريوهات التدخل العسكري ستواجه الفشل حتى لو قررت مجموعة الإكواس الأفريقية التي تتوافق في مواقفها الآن مع الناتو وفرنسا التدخّل، فلن تستطيع أن تطلق رصاصة واحدة، خاصة بعد حالة الفشل التي واجهها عندما تدخّلت في ليبيا وجامبيا وكوت ديفوار، فضلاً عن وجود فيتو قوي من الجزائر ضد أي عملية عسكرية في النيجر"، لافتاً إلى أن الجميع يعلم قدرات الجزائر العسكرية وأنها حليف مباشر للدب الروسي وأي رصاصة ستطلق في المنطقة ستتحرك الجزائر بكل قوة، لأنها تؤمن أن كل ما يحاك بالمنطقة، في مالي وبوركينا فاسو والنيجر هو محاولات وتخطيط لتضييق الخناق عليها خاصة أنها خاصة أنها تعاني من توترات حدودية مع ليبيا والمغرب وأخيراً مع النيجر".

إلى جانب الموقف الجزائري، يشير الباحث إلى أن الموقف الأمريكي كان واضحاً، برفض أي عمل عسكري، كما أن فرنسا تراقب الموقف عن بُعد، وتريد البحث عن حل بعد أن خسرت كل شيء في أفريقيا، فضلاً عن أن الدول الأفريقية لا يمكن أن تتدخّل خاصة، وأنها تعرف أن هناك تكوين قبلي في معظم الدول، وهناك مجموعات إرهابية قد تتحرك في أي دقيقة لذلك صوت الرصاص لن يكون موجوداً وكل ما يحدث هو محاولة لتحسين شروط التفاوض وإجلاء بازوما والذهاب لعملية سياسية قد تكون معقدة جداً، خاصة مع الرفض الأفريقي المتصاعد للنفوذ الغربي في المنطقة.

واقع جديد

ويرى الخبير الجزائري عبد الرحمن هادف أن "ما يحدث في أفريقيا، وخاصة منطقة الساحل ما هي إلا ترجمة للواقع الجديد الذي يشهده العالم، في ظل وجود رغبة شديدة في تغيير المنظومة والنظام العالمي والتحوّل لواقع جديد أكثر عدالة".

وأوضح لوكالتنا: "ما يحدث في دولة مثل النيجر وقبل بوركينا فاسو ومالي وغيرها من دول أفريقيا نتيجة طبيعية لتباين الأولويات بين الدول التي كانت تستعمر تلك البلدان، وتريد الاستمرار في نهب ثرواتها مقابل رغبة من الدول الأفريقية وقياداتها الجديدة في الخروج من عباءة الاستعمار واستغلال موارد البلدان لصالح شعوبها وتحقيق التنمية في الصحة والتعليم والغذاء".

وتابع: "أفريقيا التي تعتبر من أغنى القارات تعاني تأخّراً كبيراً في التنمية؛ لذا أصبح من الضروري أن يتم تدارك هذا الواقع، ومؤخراً العديد من الدول شهدت تحوّلاً في النظام السياسي وحدثت الكثير من الانقلابات كما في النيجر ومالي وبوركينا فاسو وأفريقيا الوسطى وهناك رغبة لتغيير الواقع، خاصة أن هذه الدول تعتبر من أفقر الدول في العالم على الرغم من امتلاكها الكثير من الثروات".

العالم الثالث

 وأكد الخبير الجزائري أن: "فرنسا ستعاني أزمات كبيرة في ظل تزايد الرفض الشعبي داخل الدول الأفريقية لوجودها، مستدلاً بكلمة سابقة للرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك " فرنسا بدون أفريقيا أشبه بدولة من العالم الثالث"، مشيراً إلى أن هناك تخوفات كبيرة من السلطات الفرنسية لحدوث انقطاع تام للعلاقات بين فرنسا والدول الأفريقية التي تستغل فرنسا معظم ثرواتها، خاصة النيجر التي تمتلك ثروات طبيعية كبيرة كانت تتحصل عليها فرنسا".

ويعتقد هادف أن "ما يحدث في أفريقيا هو تصحيح للوضع والذهاب لمنظومة جديدة للتخلص من الهيمنة الفرنسية ووضع أسس لتنمية اجتماعية واقتصادية عادلة ومستدامة متوقعاً أن يتزايد ذلك في السنوات القادمة وتتخلص أفريقيا من السيطرة الفرنسية والغربية بشكل عام".

وشدد على "ضرورة تغليب لغة العقل والحكمة والعمل على تطوير علاقة جديدة" لافتاً إلى أنه "على فرنسا أن تدرك أن الأمور تغيّرت وأن أفريقيا تحتاج تطوير بلدانها والبنى التحتية ومجالات الطاقة والصناعة، وعليها تغيير المنهجية في التعامل مع دول الساحل وأن تتعلم الصين وروسيا اللتان تعملان على ضخ استثمارات كبيرة في أفريقيا تحقق مصالحهما وفي نفس الوقت تخدم الشعوب الأفريقية وهو ما جعل وجودهما مرحباً به".

 وحول احتمالية حدوث تدخل عسكري، أكد الخبير الجزائري أنه لن يكون هناك تدخّل عسكري، نظراً للتأثيرات السلبية الكبيرة التي يمكن أن يخلفها هذا التدخل سواء كان من فرنسا أو من مجموعة إكواس، مشيراً إلى أن الجزائر أعلنت موقفاً رسمياً واضحاً، عبر الرئيس تبون، ترفض فيه التدخّل العسكري، وبالتالي مجموعة الإكواس لا يمكن أن تغامر؛ لأنها تدرك أن التدخّل سيكون له تداعيات لا تتحمّلها المنطقة.

وعن مدى صحة القول إن شمس فرنسا بدأت تغيب عن أفريقيا، يرى الباحث أن: "الواقع الجيوسياسي في المنطقة اليوم، يقترب من إعلان نهاية زمن الإمبريالية أحادية القطبية وتأسيس منظومة جديدة"، مشيراً إلى أن "فرنسا تعتبر أحد رموز الإمبريالية وسيكون من الصعب أن تحافظ على مكانتها في الساحل الأفريقي، وعليها أن تعترف بذلك، وتفكر في مقاربة جديدة للوجود والتعامل مع دول المنطقة".

(ي ح)