خبراء يؤكدون أن انقلاب النيجر ضربة للنفوذ الفرنسي في أفريقيا

شهدت النيجر صباح الأربعاء انقلاباً جديداً على السلطة، بعد أن احتجزت عناصر تابعة للحرس الوطني في القصر الرئاسي الرئيس محمد بازوم، ووزير داخليته حمادو أدامو سولي، قبل أن تعلن مساء اليوم ذاته "عزله من السلطة". ويؤكد خبراء أن الانقلاب ضرب للنفوذ الفرنسي في أفريقيا.

خبراء يؤكدون أن انقلاب النيجر ضربة للنفوذ الفرنسي في أفريقيا
الإثنين 31 تموز, 2023   02:36
القاهرة – محسن المصري

أعلن عسكريون يطلقون على أنفسهم اسم "المجلس الوطني لحماية الوطن"، الأربعاء 26 تموز 2023، الإطاحة بنظام رئيس النيجر بازوم وتعليق العمل بالدستور "بسبب تدهور الأوضاع في البلاد"، وفقاً لبيان تلاه أحدهم عبر التلفزيون الرسمي بالعاصمة نيامي.

كما أعلن الجيش النيجري، الخميس، 27 تموز، دعمه لعملية الانقلاب التي أطاحت بالرئيس محمد بازوم؛ وذلك "تفادياً للاقتتال داخل صفوف القوات المسلحة"، حسب بيان وقّعه رئيس الأركان.

ويعتبر الرئيس "المعزول" محمد بازوم، أول رئيس عربي ومنتخب، يصل السلطة بشكل ديمقراطي في النيجر، حيث تم انتخابه في نيسان عام 2021، خلفاً للرئيس محمدو إيسوفو، في أول انتقال للسلطة من رئيس إلى آخر من خلال صناديق الانتخابات.

ردود الفعل الدولية

ومنذ اللحظات الأولى للانقلاب، توالت ردود الفعل الدولية المناهضة له، فيما صدر رد فعل غريب من قائد قوات فاغنر يفغيني بريغوجين، وصفه بـ " النبأ السار" في دلالة قد تؤشر على دور روسي في الانقلاب.

وحسب وسائل إعلام، وصف بريغوجين في رسالة صوتية بثّتها قواته على تليغرام، مساء الخميس، 27 تموز 2023. الانقلاب بأنه لحظة تحرير طال انتظارها من المستعمرين الغربيين، معتبراً أن "ما حدث في النيجر لم يكن سوى كفاح شعب النيجر مع مستعمريه، مع المستعمرين الذين يحاولون فرض قواعد حياتهم عليه وعلى ظروفه وإبقائه في الحالة التي كانت عليها أفريقيا منذ مئات السنين".

وأثار التسجيل الصوتي المنسوب لزعيم فاغنر الشكوك حول دور تلعبه موسكو في الانقلاب على الرئيس المنتخب في النيجر خاصة مع ظهور أعلام روسيا في المظاهرات الداعمة للانقلابين بشوارع العاصمة نيامي.

الولايات المتحدة من جانبها، أعربت عن إدانتها للانقلاب، ودعا وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، السبت 29 تموز إلى الإفراج الفوري عن رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم، واستعادة النظام الديمقراطي في البلاد.

ونقلت وسائل إعلام، عن وزارة الخارجية الأمريكية، قولها إن بلينكن أجرى اتصالاً هاتفياً مع الرئيس المخلوع بازوم، وأكد دعم واشنطن استمراره في الحكم".

وأدان مجلس الأمن الدولي الانقلاب على الرئيس، ودعا إلى الإفراج عنه، واعتبر انقلاب الجيش سبباً في تقويض جهود تعزيز مؤسسات الحكم بالبلاد.

الاتحاد الأوروبي من جانبه، أعلن السبت، 29 تموز، وقف جميع أشكال التعاون الأمني مع النيجر "بصورة فورية"، وأكدت دول الاتحاد أنها لن تعترف بالقادة العسكريين الذين نصبوا أنفسهم في النيجر.

كما ندد مجلس السلم والأمن الأفريقي، بـ "الانقلاب في النيجر"، مطالباً القادة العسكريين بالعودة إلى ثكناتهم خلال مدة 15 يوماً.

الموقف الفرنسي

حسب وسائل إعلام فرنسية، فإن باريس تعتبر أكبر الخاسرين من انقلاب النيجر، خاصة أنها من أهم حلفاء رئيس النيجر المعزول محمد بازوم، وبعزله تكون فرنسا قد فقدت آخر حلفائها المقربين في منطقة الساحل الأفريقية، بعد أن فقدت أصدقاءها في مالي، التي هزها انقلابان عامي 2020 و2021، ثم في بوركينا فاسو، التي شهدت انقلابين في 2022.

ووفقا لصحيفة لوموند الفرنسية، فإن باريس توقعت هذا السيناريو وحذرت حليفها بازوم منه، خاصة في ظل تصاعد حدة المواجهات في البلد مع بعض الجماعات المتطرفة، وهو ما من شأنه أن "يضر بمصالح الغرب ويزعزع استقرار منطقة الساحل".

 وحسب مراقبين، يمثل الانقلاب ضربة للنفوذ الفرنسي في أفريقيا، حيث كانت النيجر تعتبر آخر معاقل فرنسا بغرب أفريقيا. إذ يعد الرئيس المعزول بازوم، البالغ من العمر 63 عاماً، واحداً من القادة الموالين للغرب في منطقة الساحل، حيث أدت انقلابات متتالية ضد رؤساء منتخبين في مالي وبوركينا فاسو في السنوات الأخيرة إلى تقلص النفوذ الفرنسي بشكل لافت، بينما تمدد النفوذ الروسي عبر مجموعات فاغنر الأمنية الخاصة.

مشهد متكرر

ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية رامي زهدي أن ما يحدث في النيجر مشهد متكرر وأصبح شبه معتاد في القارة الأفريقية، مشيراً إلى أن النيجر نفسها منذ استقلالها عن فرنسا عام 1960 شهدت 4 انقلابات، إضافة إلى عشرات المحاولات لتي لا يمكن حصرها، فضلاً أن النيجر تقع بجوار مالي وبوركينا فاسو، وهي من أكثر الدول الأفريقية التي شهدت انقلابات عسكرية لدرجة أن بوركينا فاسو شهدت مؤخراً انقلاباً على الانقلاب في سابقة لم تحدث من قبل.

وقال لوكالتنا: "بلاد كثيرة في أفريقيا لا يوجد بها دعائم للديمقراطية أو استيعاب للرأي الآخر ولا مجال للعمل العام، وبالتالي عند حدوث أي خلاف أو صراع على السلطة يكون العمل المسلح والانقلاب على النظام هو الطريق الأسهل في معظم الدول الأفريقية"، لافتاً إلى "أن فكرة التخلص من الحاكم على أنه مصدر للأزمة هي المسيطرة، ويعتقد البعض أنه لا مجال للتخلص من الرئيس سوى بالانقلاب عليه أو قتله".

وأوضح أن: "رئيس النيجر محمد بازوم انتخب بطريقة ديمقراطية عام 2021، ألا أنه منذ انتخابه يُصنف على أنه الأوثق علاقة بفرنسا وهو ما استخدمه المعارضون له، على الرغم من أن النيجر دولة فرنسية الهوى، فالاستثمارات بها فرنسية، والتأسيس فرنسي والاحتلال كان فرنسياً".

وأشار إلى أن: "آخر انقلاب شهدته النيجر كان في فبراير 2010 وتمت الاطاحة بالرئيس مامادو تينجا وبالتالي هي دولة معتادة على الانقلابات".

الأزمة الداخلية

ويعتقد الباحث أن: "الأزمة الحالية جزء منها داخلي؛ نتيجة الأوضاع الاقتصادية"، لافتاً إلى "أنه كانت هناك محاولات لوقف التصعيد في ظل وجود رفض لبعض قرارات رئيس الدولة ووجود شكاوى متعددة في ظل تردي الأوضاع الإنسانية بالبلاد ولكن المعارضة كانت ترى أن التخلص من الرئيس هو الملجأ الوحيد".

واعتبر زهدي: "أنه من السطحية النظر لمشكلات وأزمات النيجر على أنها مرتبطة بوجود الرئيس أو رحيله فهي أعمق من ذلك بكثير"، مؤكداً أن "النيجر أحد أفقر دول العالم على الرغم من وجود ثروات كبيرة". 

ويعتقد الخبير بالشؤون الأفريقية "أنه من الوارد جداً، وجود تورط روسي في الانقلاب بالنيجر"، معتبراً أن: "إشادة رئيس فاغنر بما حدث، يؤكد تلك الشبهات ويجعل موسكو في موقف حرج".

وقال إن إصدار بيان من قبل رئيس فاغنر أمر غير موفق بالمرة، فالمفترض أن فاغنر شركة أمنية وليست جهة سياسية، وليس من المقبول تعليقها على ما حدث بالنيجر أو بأي دولة".

وأشار إلى أن: "عرض رئيس فاغنر المشاركة في تسيير الأمور وحفظ الأمن قد يؤشر على تورطها في الانقلاب".

ضربة للنفوذ الفرنسي

وترى نائبة رئيس المركز العراقي للدراسات الأفريقية فريدة البنداري أن هذا الانقلاب يعد ضربة قاسية أخرى لفرنسا في مستعمراتها الأفريقية"، لافتة إلى أن أحد السيناريوهات المتوقعة أن هناك تدخّل خارجي، خاصة أن لروسيا بعض الأصابع الداخلية، فضلاً عن أن هناك إعلام لروسيا كانت مرفوعة بالتظاهرات.

وقالت لوكالتنا: "إذ تتبعنا دور الكرملين، على مدى السنوات الثلاث الماضية، نجده وبدافع من الرغبة يسعى إلى زعزعة الاستقرار في فرنسا والأطراف الغربية الفاعلة الأخرى في دول القارة الأفريقية، وهو ما ظهر في سياق تعاطفه الضمني مع العسكريين الذين استولوا على السلطة في مالي، وبوركينا فاسو، وغينيا، الذين ينظر إليهم قادة الدول المجاورة بوصفهم تهديداً للاستقرار الإقليمي".

وتوقعت الباحثة أن يكون: "هناك رد فعل فرنسي على الانقلاب مؤكدة أن فرنسا ترتكز في استراتيجيتها الجديدة تجاه أفريقيا على النيجر في تنفيذ أهدافها الجيوسياسية، كما تعتمد عليها أيضاً في الحصول على 35% من احتياجات فرنسا من اليورانيوم لمساعدة محطاتها النووية في توليد 70% من الكهرباء".

(ي ح)