رحلة 30 عاماً لامرأة في حفظ وجمع الأمثال والحكم الشعبية

شغفها بالاستماع إلى الحكم والأمثال وحفظها، دفعها وهي صغيرة، إلى البدء برحلة طويلة لجمع وتوثيق هذه الأمثال، وتقول: "إنها ذاكرتنا وأسلوب حياتنا، لنُحييها ونعيد استخدامها".

رحلة 30 عاماً لامرأة في حفظ وجمع الأمثال والحكم الشعبية
الإثنين 31 تموز, 2023   01:30
قامشلو - سلافا عبد الرحمن

تعتبر الأمثال الشعبية أو ما يرادفها بالكردية "Gotinên Pêşiyan"، أهم موروث شعبي وثقافي غير مادي للمجتمعات، ومنها المجتمع الكردي، إذ أن لها سحراً خاصاً لا يُستهان به، وقد كانت حاضرة لمئات السنوات، ولم تغب عن لسان الجدات والأجداد، ويستحضرونها في مواقف كثيرة، كما تلخص ذاكرة الشعب، وعلى الأغلب هي قصص أو مواقف مر بها السابقون، فصارت حكماً أو أمثالاً.

وتعكس الأمثال والحكم طبيعة الشعوب وتبرز مُثلها العليا، فضلاً عن أنها تقدّم خبرات يستفيد منها الإنسان في حياته؛ ووراء كل مثل قصة وسبب.

والمثل جملة مفيدة وموجزة متوارثة شفاهاً من جيل إلى جيل، وهي جمل محكمة البناء بليغة العبارة شائعة الاستعمال عند مختلف المجتمعات، ويلخص قصة عناء سابق وخبرة عابرة اختبرتها الجماعة.

وتستمر الجهود المبذولة لحمايتها من الاندثار ونقلها عبر الأجيال، وهذا ما تقوم به الخمسينية ربيعة تركي زلفو منذ عشرات السنيين.

ربيعة فتحت عينيها في قرية سنجق سعدون بعامودا عام 1968، وهي الفترة نفسها التي كان الشعب الكردي وثقافته يتعرضان لأبشع أساليب وممارسات الصهر والإنكار من قبل حكومة دمشق.

سمعته من أفواه الجدات

درست ربيعة، وهي ابنة لأسرة مكونة من 6 شابات و4 شباب، في مدرسة قرية سنجق سعدون في ريف عامودا الجنوبي حتى الصف السادس الابتدائي.

 لفت انتباهها منذ صغرها، وهي تجلس في مجالس النساء المسنّات برفقة والدتها، جمالية أحاديثهن والكلمات المنتقاة باستخدام الأمثال الشعبية.

وتقول وعلى وجهها ابتسامة تشير إلى شغفها بتلك اللحظات، عائدةً بذاكرتها إلى تلك الأيام الجميلة كما تسميها "كانت لافتة وعذبة، بسيطة وعميقة في الوقت ذاته، مثل واحد يخرج من تلك الأفواه، كان كفيلاً برسم صورة قصة كاملة، لذلك ربطتني علاقة قوية مع تلك الجلسات وبدأت بحفظ الأمثال".

30 عاماً قضتها في جمع الأمثال والحكم

حفظت تلك الشابة الكثير من الأمثال، وقامت في بداية التسعينات بجمعها كتابياً، واستمرت في تلك الرحلة إلى عام 1999، ولكن مجهودها ضاع بسبب ضياع ما دونته.

ولكنها لم تستسلم للقدر، بل حملت في يدها قلماً ودفتراً جديداً لتعود من جديد إلى كتابة ما تركه لها أسلافها من هذا الميراث.

وجمعت قرابة 1000مثل وحكمة في صفحات دفترها الآن، الذي تحمله معها أينما ذهبت، تقول عن هدفها في هذه الرحلة: "للحفاظ عليها من النسيان، إنها ذاكرة المجتمع وبوصلته، يجب حفظها وتنشئة الأجيال القادمة عليها".

وعلى الرغم من معاناة ربيعة في السنوات الأخيرة؛ جراء تعرضها لنوبة قلبية، أبعدتها قليلاً عن هوايتها، إلا أنها عادت واستكملت رحلتها، تقول عن ذلك: "لم يفارقني دفتري وقلمي طول الوقت، كانا صديقين لي في رحلتي. رحلتي أحياناً كانت شاقة، فهي تعتمد على ذاكرة قوية، وفي أحيان أخرى كنت أتذكر مثلاً في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، فكنت أتوجه إلى دفتري لكتابته رغم الظلام الدامس".

حلمها العالق!

ولحمايتها من الاندثار وإعادة استخدامها مجدداً، تحمل في جعبتها مخطوطها، ولا تتوانى في أي موقف عن استخدامه وقراءته، وتقول بشكل فكاهي: "الجميع يقول لي في أي موقف أو حديث أو قصة، يجب أن تكون ربيعة وأمثالها الشعبية وحكمها حاضرة".

وتستغل ربيعة لقاءنا بها، بقراءة عدة أمثال من كتابها بخط يدها وشرحها ومواقف استخدامها، منها:

Aqilê Sivik barê Giran e

Golikek nave Garankî xirab dike

  Ji şîr tirsiya bif kir dew

وتتمنى ربيعة زلفو، أن يتوّج جهدها بطبع ما جمعته من هذه الأمثال والحكم الشعبية في كتيب صغير.

(ك)

ANHA