​​​​​​​كاتب عراقي: فاز أردوغان.. انهزمت تركيا

ثمة كوابيس لا يزال يتعين على تركيا أن ترزح تحت وطأتها، قبل أن تكتشف أن "الديمقراطية" ليست صندوق اقتراع. إنها منظومة القيم والمعايير التي تسبق الصندوق، وتضفي عليه المعنى الحضاري المطلوب، كيلا يكون صندوق قمامة.

​​​​​​​كاتب عراقي: فاز أردوغان.. انهزمت تركيا
الثلاثاء 30 مايو, 2023   06:01
مركز الأخبار

لو لم يفز رجب طيب أردوغان بالرئاسة لكان في طريقه إلى السجن الآن، لأنه أنفق كل ما لدى المصرف المركزي من احتياطات لكي يضمن لنفسه ذلك الفوز. هو وحاكم المصرف الذي تواطأ معه. وكان أول جواب ديمقراطي حقيقي على هذا الفوز هو أن الليرة التركية سجلت أدنى مستوى لها على الإطلاق، لأن الأسواق تعرف ماذا يحصل، بينما وضع 52 في المائة من الناخبين غباءهم في صندوق الاقتراع.

أردوغان هو "خيار الأغلبية من الناخبين". لا يوجد أدنى شك في ذلك. وتلك هي "الديمقراطية". أي أن يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع ليختاروا رئيساً من اثنين. وانتهت القصة. ربما تعتقد أن ذلك كذلك. ولكنها لم تنته حقاً.

يقول الكاتب العراقي علي الصراف في مقاله المعنون "فاز أردوغان.. انهزمت تركيا" في صحيفة العرب اللندنية أن "ثمة كوابيس ما يزال يتعين على تركيا أن ترزح تحت وطأتها، قبل أن تكتشف أن "الديمقراطية" ليست صندوق اقتراع. إنها منظومة القيم والمعايير التي تسبق الصندوق، وتضفي عليه المعنى الحضاري المطلوب، كيلا يكون صندوق قمامة. والنتيجة لا تهم بمقدار ما يهم الطريق إليها. وأعيد لكي تصحو: النتيجة لا تهم بمقدار ما يهم الطريق إليها".

فرش أردوغان طريقه إلى الفوز بالأكاذيب، والوعود الزائفة والقدرة على توجيه الإهانات والاتهامات الباطلة لمنافسه. استخدم كل وسائل السلطة لكي يدعم فرصه للفوز. رفع الأجور، ووعد بإعادة بناء ما تهدم في الزلزال في غضون عام، وقرر أن يمنح الغاز مجاناً للمنازل لمدة عام، وألغى ديوناً، على اعتبار أنه كان يعطي من مال أبيه. وكان كل ما بقي ينقص عزائمه هو أن يُخرج الأموال من جيبه لينثرها على رؤوس الناخبين، ليُثبت أنه ورث المصرف المركزي.

لم يسأله الناخبون من أين لك هذا. ليس لأنهم حمقى، ولكن لأنهم يرغبون بأن يكونوا حمقى. وحيث إنه "رئيس"، فإنه يستطيع أن يمد يده إلى خزائن المال لكي يوزع منها ما يشاء لمن يشاء. ومن بعد ذلك وقبله، فإنه قدم "إنجازات صناعية" متتالية، واشتغلت كل وسائل الإعلام الرسمية لصالحه. واصطف القضاء إلى جانبه لكي يحميه من معارضيه.

أعداد الناخبين الضخمة التي تجاوزت 85 في المائة، تقدّم إيحاءين متضاربين. الأول؛ بأن الناخبين يؤمنون بقدرتهم على اتخاذ القرار. والثاني؛ لأن هناك انقساماً حاداً داخل المجتمع يحفز طرفيه على اللجوء إلى هذه الوسيلة لحسمه.

ما هي إذن تلك الديمقراطية التي لا تقع ضحية لدوائر بربرية كهذه؟ إنها ذلك الشيء الذي يعني أن الحاكم يحكم الدولة، ولكنه لا يملكها. هذا معيار أساس من معايير بناء القواعد. وهو الذي يجعل من تداول السلطة أمراً ممكناً. وعندما لا يتوفر، فيجب ألا تستغرب لماذا يبقى حاكم مثل أردوغان يحكم بلاده لمدة ربع قرن، على الرغم من الزلزال الذي أطاح بمساكن مئات الآلاف. وعلى الرغم من 50 ألفاً من الضحايا الذين دفنوا تحت الأنقاض، وعلى الرغم من الزلزال الاقتصادي الذي أطاح بنحو 90 في المائة من قيمة العملة، وعلى الرغم مما يقارب نصف مليون موظف حكومي فقدوا وظائفهم باتهامات تتعلق بالانتماء إلى حزب منافس، وعلى الرغم من أكثر من 100 ألف مواطن مروا على سجون النظام، أو ما يزالون فيها. تحتاج إلى شعب من دون ضمير لكي يتجاهل كل ذلك.

المعيار الآخر، هو أن الدولة مؤسسة مدنية مستقلة عمّن يحكمها. ابتداء من “المدير العام” فما دون ذلك، هم موظفون مدنيون، يؤدون واجبات تكنوقراطية، يفترض ألا يكون لها أيّ علاقة بالحزب الحاكم. ربما يمتثلون لسياساته ويعملون على تنفيذ برامجه أو عقلنتها، إلا أنهم مستقلون، ويعملون في إطارات "الخدمة المدنية" بما لا يجعلهم مرتبطين بأيّ حزب حاكم.

المعيار الثالث، الأهم، هو أن القضاء كيان مستقل. إنه "دولة" لا يحكمها حاكم إلا القانون. وبالتالي، فإنه ما من قاض يسمح لنفسه أن يتلقى أوامر من أيّ جهة سياسية، لأنه هو الأعلى. وهو يحترم سلطته، لأنه يحترم نفسه، فلا يُصدر أحكامه بناء على الهوى أو "التوصيات" أو الغمزات التي يتلقاها "من فوق". القضاة الذين يتلقون أوامرهم "من فوق" يقرون سلفاً بأنهم من طينة واطئة لا تستحق أن تكون هي السلطة الأعلى.

لقد فاز أردوغان وهو يقود دولة لا تمتثل لمثل هذه المعايير. وانتخبه ناخبون لا يقرون بأهميتها أو لا يعرفون معناها أصلاً.

ولكن هؤلاء ليسوا هم كل تركيا. في هذه البلاد ثمة نخبة مثقفة كبيرة. ولأنها مثقفة، فإنها لا تستطيع، ولم تجد سبيلاً لكي تتعامل مع السلطة كملكية خاصة تابعة للحزب الحاكم.

تركيا بلد ناشئ بالنسبة إلى قيم الديمقراطية ومعاييرها. لم يتعرف عليها بعد. ولهذا السبب، فإنه يمارسها كـ "صندوق اقتراع"، لا يقترع فيه إلا الخواء.

الانقسام العنيف الذي ساق الأتراك إلى صناديق الاقتراع، هو انقسام بين تصورين مختلفين للدولة. الأول، هو دولة البرابرة التي تمارس "الديمقراطية" بوصفها عملاً من أعمال الخداع والزيف. والثاني، هو دولة لم تقم لها قائمة بعد، وما تزال مجرد حلم ليلة صيف من أحلام المثقفين.

لقد فاز أردوغان في دولته. وكان من الطبيعي أن يفوز. وانهزمت تركيا لخمس سنين أخرى.

(د ع)