بعد 10 قرون من الخيبات والمآسي الكرد يقودون سفينة السلام في انتخابات تركيا 2023

أنفقت تركيا، خلال 40 عاماً 3 ترليون دولار على إبادة الكرد، هجّرت منهم ما يزيد عن مليون كردي قسراً، وقتلت عشرات الآلاف منهم على الهوية، واليوم يسعى الكرد الذين لهم كلمة الفصل في الانتخابات، إلى صناعة السلام وإزاحة حكم رجل طغى لمدة عقدين، تعرضوا فيهما لشتى أنواع التمييز والعنصرية.

بعد 10 قرون من الخيبات والمآسي الكرد يقودون سفينة السلام في انتخابات تركيا 2023
السبت 13 مايو, 2023   22:44
مركز الأخبار ـ أحمد سمير

تشهد تركيا انتخابات برلمانية ورئاسية، تعدّ مصيرية وتاريخية بالنسبة للشعب الكردي الذي سُلبت منه أرضه في اتفاقية لوزان المشؤومة، قبل 100 عام، فما الاتفاقات التي أُبرمت بينهم وبين الكرد، وما المجازر التي ارتكبوها بحق الكرد، وكيف يتطلع الكرد إلى هذه الانتخابات بعد عنصرية على أساس الهوية لحسمها؟

لم يُنصف الشعب الكردي، أحد أعرق شعوب العالم، على مر التاريخ، حيث جزئ موطنه كردستان الممتد من جبال زاغروس إلى طوروس المطلة على ميزوبوتاميا، مهد الحضارات الإنسانية، باتفاقات دولية إلى أربع أجزاء.

متى دخل الأتراك إلى المنطقة وجاوروا الكرد؟

كان الكرد في عهد الدولة المروانية الدوستكية (990-96/1084م)، يديرون أقوى إمارة، مركزها شمال كردستان وتمتد إلى جنوب وغرب كردستان، عاصمتها (ميافارقين) آمد اليوم.

تتسم جغرافية كردستان بغنى مواردها الطبيعية وثرواتها الباطنية، لذلك دائماً ما كانت محط أنظار مختلف القوى، ومع مطلع القرن 11، وجد الكرد أنفسهم أمام واقع جديد، ومجاورين لأناس جدد يبحثون عن موطن لهم.

اتفاقية 1000 عام

 قبل أن تطأ قدم أي تركي هذه الأرض، تعرضت (ميافارقين) لأول محاولة غزو من قبل القبائل التركية (1042)، استبسل الكرد في الدفاع عن أرضهم ببسالة وردوا الغزاة على أعقابهم.

دعا السلاجقة الكرد إلى الاتفاق معهم لمواجهة البيزنطيين الذين ينوون إنهاء وجودهم المتنامي في آسيا الصغرى بجيش جرار قوامه عشرات الآلاف. وشارك الكرد في هذه المعركة بـ 10 آلاف جندي وقاوموا بشجاعة إلى جانب 4 آلاف جندي سلجوقي في معركة ملاذ كرد التي وقعت بالقرب من بحيرة وان، وانتهت بهزيمة البيزنطيين.

لولا همة وشجاعة الكرد، كان البيزنطيون سيفنون السلاجقة ويمحوا آثارهم، لكن لم يذكر أي دور للكرد في هذه المعركة، وتم تصويرها على أنها انتصار للسلاجقة.

حكم الكرد إمارة (ميافارقين) لأكثر من 100 عام، حتى خسرت استقلالها وأصبحت تابعة للسلجوقيين، التي أدخلت المنطقة في حالة عدم استقرار؛ نتيجة نقل خلافاتها الآسيوية إلى المنطقة.

تقسيم كردستان عملياً لأول مرة

من السلاجقة إلى العثمانيين، هيأت معركة جالديران 1514، فرصة لتوطيد علاقات تركية كردية جديدة، بعد طرقة فأس تلقاها الكرد في الرأس، كان العثمانيين يعلمون جيداً أن أي معركة مع الصفويين دون مشاركة الكرد ستكون خاسرة.

بعد المعركة، تمت مكافأة الكرد الذين كانوا يتطلعون لتنظيم شؤون إماراتهم ويعانون من مضايقات الصفويين، إلى تجزئة موطنهم كردستان إلى قسمين وهنا بدأت القضية الكردية تطفو على السطح.

في عام 1555، أخل العثمانيون بالاتفاقات مع الكرد، وعقدوا مع الصفويين أول اتفاقية عرفت بـ "أماسيا" تم بموجبها تقسيم كردستان وفق وثيقة تنص على تعيين الحدود، ووجهت لطمة لآمال وتطلعات الكرد في إدارة مناطقهم ذاتياً.

صفقات ومعاهدات مشؤومة انتهت بتقسيم كردستان إلى 4 أجزاء

اشتد الصراع بين القوى الدولية على كردستان مطلع القرن الـ 20، وبدأت كل من روسيا وبريطانيا وفرنسا محاولاتهم في استمالة الكرد إلى جانبهم، وفي عام 1916، اجتمع وزراء خارجية هذه الدول ودارت بينهم مباحثات سرية عن الترتيبات المقبلة لـ 100 عام لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط.

تمت المصادقة على اتفاقية سايكس بيكو في 9 و16 أيار 1916، لم ينسَ الكرد مكائد هذه القوى لتقسيم أرضهم، بعد نكثهم بالوعود التي صادقوا عليها بالاعتراف باستقلالية الكرد وتنصلوا من مسؤولياتهم الأخلاقية. وتضمنت الاتفاقية تقسيم تركة الدولة العثمانية.

حاول الكرد تدويل قضيتهم في معاهدة سيفر 1920، في نص البنود (62، 63، 64) من الفقرة الثالثة على منح الحكم الذاتي للكرد.

وكلما تم الحديث عن القضية الكردية دخل الذعر والخوف نفوس العنصريين الأتراك، فعارض كمال أتاتورك ما جاء في بنود المعاهدة ووصفها "بمثابة حكم الإعدام على تركيا".

لم ترَ المعاهدة النور وبقيت متروكة على الرفوف، لتأتي معاهدة لوزان التي تم التوقيع عليها في 24 تموز 1923 وتهيئ وتعزز المكانة التركية.

رأى الكرد أنفسهم في وضع جديد بعد أن أصبحوا موزعين عملياً بين أربع دول بدلاً من دولتين، ليبدأ فصل جديد لم ينصف الكرد الذين تعرضوا للظلم على أساس الهوية.

انتفاضات ومجازر وحشية.. "هنا دفنت كردستان الخيالية"!

لم يقبل الكرد المصير المحتوم الذي فُرض عليهم، وكردّ فعل على الخيانة الدولية التي تعرضوا لها، توالت الانتفاضات، أبرزها، انتفاضة الشيخ سعيد 1925، مجزرة كلي زيلان 1930، وانتفاضة ديرسم بقيادة سيد رضا (1937ـ 1939).

صُنفت هذه الانتفاضات التي قُمعت بوحشية، كأسوأ إبادات جماعية تعرض لها الكرد في القرن الـ 20، استشهد فيها عشرات الآلاف من الكرد، (قتلاً، وحرقاً، وشنقاً، وذبحاً، ورمياً)، محت أثر المئات من قراهم، وهجّرت مئات الآلاف قسراً.

على جبل آكري نبش الأتراك العنصريون قبراً وكتبوا على شاهدته "هنا دُفنت كردستان الخالية"، وردموه بالإسمنت.

القائد عبد الله أوجلان "كردستان مستعمرة" مسيرة مستمرة حافلة بالنضال

بعد واقع مرير فرض نفسه عقوداً، بدأ حزب جديد باستراتيجية ومفهوم جديد، يصعد إلى الأفق بريادة القائد عبد الله أوجلان.

يلتقي القائد عبد الله أوجلان رجلاً عجوز يحدثه عن كردستان مشيراً إلى جذع شجرة ميتة، يقول بلكنة مستسلمة: "الشعب الكردي كهذه الشجرة الميتة هل يمكنك إعادتها لتصبح خضراء مرة أخرى".

في أوساط يشوبها الذعر والخوف لمجرد ذكر الكرد وكردستان، طرح القائد أوجلان مقولة "كردستان مستعمرة"، في أنقرة بين رفاقه الجامعيين عندما كان يدرس في كلية العلوم السياسية، "كردستان موجودة ولكنها مستعمرة ويجب تحريرها".

أحيا القائد عبد الله أوجلان شعور البؤساء، المنسيين في أغوار التاريخ، ويدفئ وينير طريقهم المليء بالأشواك، ويعيد الحياة إلى عروق هذه الشجرة اليابسة.

سلك حزب العمال الكردستاني الذي تأسس في 27 تشرين الثاني 1978، نهجاً مغايراً ليس كلاسيكياً وتقليدياً، واتخذ مبدأ حرب الشعب الثورية لمقارعة الاحتلال التركي.

لم تتمكن السلطات التركية المتعاقبة على الرغم من استخدامها كل قوتها، النيل من عزيمة هذا الحزب الذي ينشد للسلام لحل القضية الكردية بطرق سلمية وديمقراطية.

كمن يبيع الأوهام لنفسه، كانت تركيا قد تفكر لوهلة أنها وباعتقال القائد عبد الله أوجلان، ستتخلص من القضية الكردية، لكن حصل العكس.

سمعة ملطخة بالدماء

بدأت العنصرية تعيد إنتاج نفسها، ملطخة بالدماء الكردية في القرن الـ 21 مع صعود أردوغان إلى السلطة 2003، مستغلاً كارثة الزلزال المدمر الذي أخفق حكومة بولند أجاويد في التعامل معها 1999 وراح ضحيتها 17 آلف شخص.

حمل أردوغان حكومة أجاويد مسؤولية التقصير لعدم مراعاته شروط البناء، وآنذاك، قال أردوغان، رئيس حزب العدالة والتنمية، إن "الزلزال مشكلة الحكومة، وبهذا الزلزال تنتهي الحكومة".

كان القائد عبد الله أوجلان قد أطلق من معتقله، مرحلة جديدة لإحلال السلام عام 2013، وأخفق أردوغان في حل القضية الكردية وصعّد من لهجته لإبادة الكرد.

كوباني أول ساحة لإعلان الحرب ضد الكرد

اختيرت مدينة كوباني كي تكون أول ساحة لإعلان الحرب ضد الكرد، عبر السماح لمرتزقة داعش باستخدام حدودها، إبان الهجوم عليها عام 2014. لكن أردوغان وداعش تلقوا هزيمة مدوية على يد مقاتلي وحدات حماية الشعب والمرأة.

انتقلت الحرب ضد الكرد إلى شمال كردستان، شهد النصف الثاني من عام 2015، استشهاد مئات الكرد في تفجيرات نسبت إلى مرتزقة داعش كانت الدولة التركية تقف خلفها.

هجرات قسرية على أساس الهوية لتتريك المناطق الكردية

بلغ عدد حملات الهجرات القسرية منذ عام 1915 إلى ما يزيد عن 14 حملة، 6 منها نفذت في عهد أردوغان، عام 2016، حملة التهجير الحضرية، في آمد ونصيبين وجزير وكفر وشرناخ.

مع بروز الفكر القومي بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، وضعت دولة الاحتلال التركي خطة لصهر الشعب الكردي في بوتقة الثقافة التركية تحت مسمى "إصلاح الشرق"، لتتريك المناطق الكردية 1925.

مليون كردي مهجّر قسرياً

شن جيش الاحتلال التركي حملة عسكرية، أدت إلى تدمير كامل حي سور القديم في مدينة آمد، وإفراغه من سكانه في عملية استمرت حتى ربيع 2016 وتوسعت إلى مدن أخرى في جزير ونصيبين ولجة، وأدت في نهاية المطاف إلى تشريد ما يزيد عن نصف مليون كردي.

في عام 2018 وبعد احتلال تركيا لمدينة عفرين، هجّرت معظم سكانها الكرد قسراً، والذين يزيد عددهم عن 300 ألف، وتم توطين غرباء مكانهم السكان الأصليين.

في عام 2019، شُن هجوم آخر وهذه المرة على منطقة سري كانيه وتل أبيض، وهجّر معظم سكان المدينتين قسراً والذي يفوق عددهم 400 ألف.

3 ترليون دولار تكلفة الحرب ضد الكرد خلال 40 عاماً

إلى ذلك، قاد الاحتلال التركي هجوماً لم يتوقف منذ 40 سنة على جبال كردستان، مستخدماً جميع الأسلحة، بما فيها الكيماوية.

تركيا أنفقت خلال 40 عاماً من الحرب، 3 ترليون دولار لإبادة الكرد.

ميزانية ونفقات الجيش من 5 إلى 23 مليار دولار

كانت ميزانية الجيش في 1990 تقدر بـ 5 مليار و315 مليون دولار، وفي 1999 ارتفعت إلى 9 مليار و952 مليون دولار، وفي عام 2022 بلغت نفقات الجيش 23,4 مليار دولار، ويتم تصنيف تركيا في المرتبة 15 عالمياً بالإنفاق العسكري.

نكث للوعود

تبدأ اليوم العملية الانتخابية الرئاسية المصيرية في تاريخ البلاد، التي تعاني أزمات اقتصادية واجتماعية وثقافية يرثى لها، هز الزلزال المدمر في 6 شباط ثقة الناخبين بأردوغان بعد فشله في مساعدة المنكوبين، ونكسه للوعود التي جاء بها إلى الحكم قبل 20 عاماً. 

حروبه الخارجية لغزو المنطقة ينهك بالاقتصاد

أردوغان الذي تفرّد بالحكم وأبرز عضلاته في الشرق الأوسط وخارجها لغزوها، ودعم مرتزقة داعش والإخوان المسلمين، واحتل أراضي سوريا، وأرسل دعماً عسكرياً إلى ليبيا وأذربيجان لإظهار تركيا كدولة إقليمية قوية تعاني اليوم من أزمة اقتصادية حادة.

أردوغان يسبّب الصدع لدول الناتو

السياسة التي تتبعها تركيا لا تروق للكثيرين، وشراؤها للدفاعات الجوية من روسيا أدى إلى فرض عقوبات أميركية عليها استهدفت صناعة الأسلحة.

تثير السياسة التركية وتقربها من روسيا، صدعاً لدول الناتو التي تشكك في مدى التزام تركيا إزاء الحلف، واعتراضها على طلبي السويد وفنلندا للانضمام إليه.

يتنافس 3 مرشحون على الانتخابات الرئاسية التي تجرى اليوم، وهم كمال كليجدار أوغلو، ورجب طيب أردوغان، وسنان أوغان. 

يسعى الكرد إلى صناعة السلام في الانتخابات

ينتاب الخوف والقلق أردوغان من أصوات ملايين الكرد الذين يتعامل معهم على أنهم "إرهابيون" وأخفق في حل قضيتهم، وسيلعب الكرد دوراً مصيرياً في حسم نتائج الانتخابات.

لهذا تستمر الإبادة السياسية بحق الكرد، حيث اعتقل مؤخراً عشرات الصحفيين والسياسيين، كي لا تكون لديهم القدرة على التأثير في الانتخابات.

يقدر عدد الناخبين الكرد في تركيا ما بين 12 إلى 15 % من إجمالي أصوات الناخبين، والبالغ عددهم قرابة 65 مليون ناخب، يسعى الكرد إلى صناعة السلام في هذه الانتخابات، بعد خيبات أمل وطعنات تلقوها في الماضي على أساس الهوية.

ولجأ حزب الشعوب الديمقراطي إلى حزب الخضر اليساري كي لا يتعرض للإغلاق ومنع أعضائه من العمل السياسي، وبذلك تم تشكيل تحالف الكدح والحرية الذي يضم أحزاب الشعوب الديمقراطي والخضر اليساري والعمل التركي.

لهم كلمة الفصل في الانتخابات

بعد مرور 100عام على تقسيم كردستان في معاهدة لوزان المشؤومة، يتطلع الشعب الكردي إلى واقع جديد يغيّر حكم الرجل الواحد في تركيا، الفرصة مؤاتية وسانحة لإنهاء حكم طاغي، استمر عقدين من الزمن.

بعد خيبات وظلم على أساس الهوية، ينشد الكرد صناعة السلام في هذه الانتخابات التي لهم كلمة الفصل فيها، ويتطلعون إلى إقامة علاقات وطيدة مع الشعوب المجاورة لهم في إطار إقامة إدارات ذاتية ديمقراطية لا مركزية ضمن تركيا الجديدة تصون حقوق الجميع.

(ل م)

ANHA