خلافات وملفات عالقة.. مسار التقارب السعودي – الإيراني تحت الاختبار

يتواصل تقدّم مسار التقارب بين السعودية وإيران، على الرغم من وجود الكثير من الخلافات والملفات العالقة في عدة دول في المنطقة والتي شكلت محل خلاف وصراع خلال السنوات الماضية، فكيف ستتأثر هذه الملفات بهذا التقارب؟

خلافات وملفات عالقة.. مسار التقارب السعودي – الإيراني تحت الاختبار
السبت 22 نيسان, 2023   02:32
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

في خطوة إضافية على طريق مسار تطبيع العلاقات بين السعودية وإيران اجتمع وزيرا خارجية السعودية وإيران في الصين في أول لقاء رسمي على أعلى مستوى دبلوماسي بين البلدين منذ أكثر من سبعة أعوام.

وأكد الطرفان على أهمية متابعة تنفيذ اتفاق بكين لاستئناف العلاقات بينهما بما "يسهم في تحقيق الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط"، واتفقت الرياض وطهران الشهر الماضي على إنهاء خلافهما الدبلوماسي وإعادة فتح السفارات في اتفاق مهم توسطت فيه بكين.

وكانت طهران والرياض قد أعلنتا في 10 آذار، عن الاتفاق بعد سبع سنوات من القطيعة إثر مهاجمة البعثات الدبلوماسية السعودية في إيران، على خلفية إعدام رجل الدين السعودي نمر النمر.

وأكدت السعودية وإيران في بيان مشترك، عقب لقاء بين وزيري خارجية البلدين "على أهمية متابعة تنفيذ الاتفاق بين البلدين وتفعيله، بما يعزز الثقة المتبادلة ويوسع نطاق التعاون، ويسهم في تحقيق الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة".

توقيت مهم

وعلى الرغم من مرور أسابيع عدة على هذا الاتفاق، إلا أن النقاش لا يزال مستمراً حول دوافع كل منهما للاتجاه إلى التقارب بعد سنوات طويلة من العداء، وذلك لاستقراء تأثيرات هذا التقارب على جبهات الصراع في المنطقة بين الطرفين.

الباحث في الشأن الإيراني، هاني سليمان أشار إلى أن لقاء وزراء الخارجية يؤكد أن هذا المسار ينبع من إرادة حقيقية من جانب الطرفين لاستكمال الخطوات والتأكيد على طي صفحة الماضي، لكن سليمان يؤكد أن ذلك "ليس معناه بأنه لن يكون هناك بعض الخلافات والتفاصيل لكن في النهاية نستشعر إرادة مشتركة ورغبة في استكمال هذا المسار".

وحول توقيت هذا المسار، أكد سليمان أن "هذه الفترة مهمة جداً لأنها فترة حساسة بعد اتفاق كان مفاجئاً ولم يكن هناك وقت طويل من الترتيبات حيث أعلنت الصين في مطلع مارس عن استضافة المحادثات ثم فجأة وجدنا اتفاق ببنود مختلفة لاتفاقية 2001 واتفاقية 1998 وبنود عديدة كانت مفاجأة للبعض، وبالتالي جملة الرسائل المتبادلة والخطوات المتسارعة التي اتخذها الطرفان ولقاء بكين الذي تم يؤكد أن هناك مساحة توافق كبيرة وأن هذا المسار يختلف عن السابق وأن هناك نية جدية وخطوات إيجابية من الطرفين".

دوافع الطرفين

وعن الدوافع أوضح سليمان أن كل طرف لديه دوافعه، الجانب السعودي يريد إنهاء المسار العالق في اليمن وتهدئة الأجواء مع إيران وفق ضمانات معينة، خاصة أن الولايات المتحدة الأميركية باتت غير قادرة على إدارة العلاقات مع طهران، وليس لديها استراتيجية واضحة وهناك محاولة ابتزاز واضحة للجانب السعودي، إلا أن السعودية نجحت في بناء استراتيجية واضحة أكثر استقلالاً وقدرة على التأثير في المحيط الإقليمي والدولي وتبني سياسة خارجية متوازنة قائمة على إقامة علاقات استراتيجية مع دول كروسيا والصين وأيضاً تحكمها في أوبك ومسألة النفط ومحاولة الاستفادة من فترة دونالد ترامب ومواجهة إدارة جو بايدن وخاصة بعد الحديث عن ملفات حقوق الإنسان ومحاولة استغلال هذا الملف.

وأضاف "أنا أرى أن السعودية استفادت من الخبرة وباتت قادرة على إدارة علاقاتها بشكل أكثر استقلالية وندية حتى مع الولايات المتحدة في هذا التوقيت، وبالتالي هي لا تعتمد على واشنطن وارتأت أن تدير علاقاتها مع إيران بشكل أحادي ومستقل بوساطة صينية وإعادة هندسة المصالح وفقاً لمقاربات مختلفة وفاعلين إقليمين ودوليين مختلفين".

أما بالنسبة لإيران وفق سليمان "تريد الخروج من عزلتها السياسية والدبلوماسية وحالة التقوقع، وذلك عبر تهدئة مع الجانب الخليجي والسعودي، سنوات المواجهة أضاعت على إيران الكثير من الفرص ورأت أن من مصلحتها التكيف مع إعادة هيكلة وهندسة العلاقات على المستوى الدولي والتنظيم العالمي الجديد، وبالتالي باتت الصين وروسيا فاعلين مهمين جداً، ومن مصلحتهم التقارب مع الجانب الخليجي وإعادة تشكيل تحالف حتى ولو بشكل غير مباشر في مواجهة الولايات المتحدة الأميركية والغرب".

وأضاف "بالتالي إيران كانت منفتحة على ضغوط روسية وصينية وبعد مفاوضات لتهدئة الأوضاع مع السعودية، وخاصة أن هناك تحركات عربية وسعودية مهمة ومسألة عودة سوريا إلى الجامعة العربية أو تقاربات معينة مع روسيا والصين مع الخليج ربما يقف في طريقها المأزق الإيراني، وبالتالي أنا أرى أن المصالح تلتقي وحتى لو لم يكن هناك قناعة إيرانية كاملة لكن على الأقل النظام الدولي بات مختلفاً وهناك تنازلات معينة باتت مفروضة على أطراف مختلفة؛ لأن الاستمرارية بهذه الإشكالية وبهذا الواقع لن يفيد أي دولة، إن لم تستطع تحقيق مكاسب كاملة في ظل هذه الصدامات والرهانات الجامدة والمعقدة وفي ظل التحديات الداخلية لكل طرف وخاصة إيران التي تواجه العقوبات وتواجه عزلة وبالتالي تريد تغيير هذا الواقع".

تأثيرات مرتقبة

وعلى الرغم من كل هذه اللقاءات، إلا أن الجميع ينتظر تأثيرات هذا التقارب على الأرض، حيث كانت السعودية وإيران تتصارعان في عدة دول من المنطقة وخاصة سوريا والعراق ولبنان.

وحول ذلك يقول سليمان: "نحن بصدد مرحلة جديدة قد تكون مرحلة جس النبض واستشعار حسن النوايا لكن في النهاية أنا أرى أن كل طرف يأخذ خطوات متعجلة ومتسارعة، وهذا من شأنه أن يعجل بتقريب المسافات بشأن ملفات المنطقة".

هذا الاتفاق حسب سليمان، سينعكس بشكل إيجابي على العديد من الملفات وفي مقدمتها الملف اليمني؛ لأن السعودية لديها دور مهم وأيضاً إيران التي تدعم الحوثيين، وبالتالي هذا التوافق سينعكس بشكل سريع على الملف اليمني على مساحات كبيرة.

أما بخصوص الملف السوري، فيرى سليمان أن "أصبحت سوريا تأخذ أولوية مهمة وباتت السعودية تقود جولات ومباحثات؛ للتمهيد لعودة دمشق كما حصل خلال قمة جدة، حيث تقود السعودية دوراً دبلوماسياً في تقريب وجهات النظر، لكن بالتأكيد ستكون هناك خلافات خاصة بالميليشيات الإيرانية الموجودة في سوريا ومصيرها والنفوذ الإيراني في الداخل السوري والشركات والميليشيات والتغيير الديمغرافي وغيرها من القضايا التي ستكون محل نقاش في الفترة القادمة".

وأشار في هذا السياق إلى أن "هناك تصعيد إيراني مع الجانب الأميركي كان بشكل محسوب طوال الوقت، لكن بعد هذا الاتفاق مع السعودية، اتخذ الأمر بُعداً جديداً وشكل آخر للمواجهة تنطلق من الندية الشديدة ومحاولة تغيير شديد اللهجة في الخطاب الإيراني وأيضاً حجم المواجهات واستهداف المصالح الأميركية المباشرة وبعض العاملين مع الجانب الأميركي في الداخل السوري تحديداً، وأنا أرى أنه تحوّل مهم وربما استندت إيران إلى تعاونها العسكري القوي مع روسيا في الفترة الأخيرة ودعم الصين لها اقتصادياً وفتح باب خلفي للتكيف مع العقوبات والتبادل الاقتصادي والتجاري، وأيضاً الاتفاق مع السعودية كضوء أخضر لمواجهة مع الجانب الأميركي والضغط عليه؛ للإعلان عن أنها قادرة على قيادة علاقات مع الأطراف الأخرى لتقوم بالمزيد من الضغط في مواجهة واشنطن". 

هاني سليمان تحدث عن تأثير هذا التقارب على الوضع في لبنان، قائلاً: "الوضع هناك لا يختلف كثيراً لأنه من المعروف دعم إيران لحزب الله اللبناني وكانت إيران تلعب هناك دوراً في المسار السياسي بشكل مهم، وبالتالي وجود تفاهمات معينة من خلال وجود توافق نسبي بين المكون السني الممثل بالسعودية وأيضاً إيران، أنا أرى أن ذلك من شأنه تهدئة الأجواء ويبحث عن صيغة مشتركة قد تكون مفيدة لمستقبل لبنان. وبالتالي ستكون هناك ملفات حاضرة وبقوة وهذا الأمر ينطبق أيضاً على العراق حيث إن نفوذ إيران هناك قوي".

وأضاف "بالتالي إجمالاً الاتفاق السعودي – الإيراني وجملة التفاهمات ستكون في محل اختبار دائم طوال الوقت هل إيران فعلاً قادرة على التخلي عن الاستثمار في ميليشياتها وفكرة تصدير الثورة وفي الجانب الآخر نجاح هذا المسار يتوقف أيضاً على ماذا تريد السعودية من إيران وهل يمكن تحييد دور الميليشيات أو على الأقل إعطاء مساحات وهوامش تحرك محددة بعيداً المصالح السعودية وهذه إشكالية كبيرة جداً وستكون محل خلاف في المباحثات المقبلة".

(ي ح)

ANHA