​​​​​​​أصبحت كلماته عهداً لرفاقه

"لن يتمكّن العدو من دخول عفرين إلّا بالمرور فوق أجسادنا، لن يدخل العدو عفرين ما حييت". في الذكرى السنويّة الـ 5 لاستشهاد كاركَر إيريش، أصبحت كلماته عهداً لرفاقه.

​​​​​​​أصبحت كلماته عهداً لرفاقه
السبت 18 آذار, 2023   01:24
مركز الأخبار - جاني غمكين

يصادف اليوم الذكرى السنويّة الـ 5 لاحتلال عفرين. استمرّت الهجمات التي بدأتها دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها على عفرين في الـ 20 من كانون الثاني عام 2018 حتّى احتلال مركز مدينة عفرين في 18 آذار من العام ذاته. تمّ احتلال أرض التاريخ والثقافة، لكنّ مقاومتها أضافت صفحةً جديدةً على صفحات التاريخ، فخلال 58 يوماً من المقاومة، سُطّرت أمام ثاني أكبر جيشٍ في الناتو ملاحم بطوليّة تردّدت صداها في العالم، ولهذا سُميت بـ "مقاومة العصر". ولاشكّ أنّ من أطلق عليها هذه الاسم هم ذاتهم أولئك الأبطال الذين قادوها وسطّروها.

ومن هؤلاء الأبطال؛ دوندار بوزان (الاسم الحركي: كاركّر إيريش) الذي سطّر كغيره من القياديين في مقاومة العصر ملاحم بطوليّة استمّرت لـ 58 يوماً. أنجز كاركَر إيريش خلال سنوات نضاله الطويلة، بطولاتٍ لا حصر لها وفقد خلالها كلتا ساقيه، ومن هنا كانوا يطلقون عليه في عفرين "كاركَر المصاب". وقد تصرّف دائماً خلال حياته كأسمه ونضاله، ليستشهد خلال الساعات الأولى لليوم الـ 58 للمقاومة أي في الـ 18 من آذار عام 2018.  

10 سنوات من أجل عفرين

وُلد دوندار بوزان (إيريش كاركَر) عام 1975 في مدينة ميردين في باكور كردستان (شمال كردستان). ونشأ في كنف عائلةٍ وطنيّة، لذا تعرّف على حركة التحرّر الكردستانيّة مبكّراً والتحق في صفوفها، وذلك في تسعينات القرن الماضي. وفي عام 1996 تولّى القيام بالأعمال الاجتماعيّة في عموم روج آفاي كردستان وعفرين تحديداً، كما خاض أعمال تنظيم الشعب في مدينة حلب. وبقي في هذه المناطق حتّى عام 1999 أي حتّى مؤامرة 15 شباط الدوليّة، وقد كان معروفاً ومحبوباً لدى الأهالي. مع ثورة 19 تموز عام 2012، عاد إلى روج آفا مرّةً أخرى وواصل عمله من حيث توقّف. وناضل في عفرين كقيادي في وحدات حماية الشعب حتّى يوم استشهاده.

في الذكرى السنويّة الـ 5 لاستشهاد كاركَر إيريش، تحدّث رفيقه كاركَر عفرين عن نضاله وشخصيته.

"كان مصدراً للمعنويات العالية"

استهلّ كاركَر عفرين حديثه قائلاً: "كان يُسرُّ بتدريب الأشخاص" ثمّ تابع حديثه عن رفيقه قائلاً: "كان ذو شخصيّة تتمتّع بالانضباط العسكري.، كما كان شخصاً اجتماعيّاً جدّاً. لذا كان الجميع يتعامل معه بجديّة بالغة. كانت له قدرة على جعل الناس تصغي إليه، وكان يعمل ليل نهار. وكان يولي أصدقاءه في حلب وعفرين اهتماماً كبيراً، ويزورهم. كان يولي اهتماماً كبيراً بالمجتمع وآراء الأهالي وانتقاداتهم ويتصرّف على أساسها. وكان يعرف كيفية التعامل مع مختلف الفئات العمريّة. كان وجوده يشكّل مصدراً للمعنويات والهمّة العالية".

وضع الحجر الأساس لنهج المقاومة والانتصار

توجّه الشهيد كاركَر إيريش إلى عفرين عام 2012 بصفته قياديّاً للإيالة، آنذاك تعرّف إليه كاركَر عفرين وتأثّر به. ويقول كاركَر عفرين إنّ الشهيد كاركَر إيريش قد اهتمّ بالأكاديميات والتدريب أيضاً إلى جانب تنظيم القوات العسكريّة والاجتماعيّة، فقد كان يقدّم تدريباتٍ في الأكاديميات والألوية والكتائب ويحضّر للحرب من جهة ويتولّى الأعمال الشعبيّة في القرى والنواحي والمدن ويعقد الاجتماعات من جهةٍ أخرى.  

المعارك والهجمات التي شهدها عام 2013

هاجمت مجموعات المرتزقة عفرين عام 2013 وحاولوا احتلال بعض مناطقها. وشهدت مناطق قسطل جندو (كري قسطله، جبل بارسا خاتون)، جندريسه وشيراوا معارك ضارية. وقد أحبط القيادي كاركَر إيريش هذه الهجمات مع مقاتليه. وتحدّث كاركَر عفرين عن هذه المرحلة قائلاً: "كان الرفيق كاركَر يقود المعارك، ويتفقّد المقاتلين واحداً بواحد، ويسأل عن أحوالهم ويرفع من معنوياتهم، لقد لعب دوراً مهمّاً جدّاً".

حملة الشهباء

في عام 2016، انطلقت حملة تحرير مناطق الشهباء من قبضة المرتزقة، وقد شارك كاركَر إيريش في هذه الحملة ولعب دوراً مهمّاً في تحرير المناطق هناك. واستذكر كاركَر عفرين الذي كان أيضاً، آنذاك أحد قيادي وحدات حماية الشعب في الشهباء تلك الأيام قائلاً: "كان الرفيق كاركَر قياديّاً لإيالة عفرين قرابة العام. كان يدرّب القوات في عفرين من جهة ويرسل قوات المؤازرة إلى الشهباء من جهةٍ أخرى. وقد قاتل المقاتلون الذين أرسلهم الرفيق كاركَر على الجبهات الأماميّة وكانوا يقودون المعارك. وأينما وجد الرفيق كاركَر، حلّت الجديّة، التنظيم، الروح الرفاقيّة وعطر الثوريّة. كان رفيقاً مصاباً في الحرب. ولكن ورغم إصابته إلّا أنّه كان يتصرّف بروح الشباب".

ملحمة العصر

قبل 5 أيام من بدء هجمات دولة الاحتلال التركي ومرتزقتها على عفرين في الـ 20 من كانون الثاني عام 2018، أي في الـ 15 من كانون الثاني من العام ذاته، تمّ فرز الشهيد كاركَر فتوجّه إلى إقليم الجزيرة. وقبل ذهابه، زار جميع الجبهات، الأفواج، والكتائب وودّع المقاتلين والتقط الصور معهم. لكن عندما بدأت الهجمات على عفرين قال: "لقد بقيت في عفرين لسنوات، وها هي اليوم تتعرّض للهجمات، أستطيع القيام بالكثير هناك" وعاد إلى عفرين خلال الأسبوع الأوّل للحرب بناءً على إصراره.

"مغادرة الرفيق كاركَر لعفرين وعودته إليها جرت كلها خلال 12 يوماً" بهذه الكلمات تحدّث كاركَر عفرين عن إصرار رفيقه وتابع قائلاً: "عندما عاد، شارك في قيادة المعارك، واستعدّ للقتال مع مجموعته في جندريسه، راجو، موباتو، شرا ومركز مدينة عفرين. ومع وصول المعارك إلى محيط المدينة، أخذ الرفيق كاركَر على عاتقه مسؤوليّةً كبيرة كقائد للمعارك داخل عفرين. ولكن يمكن للمرء التعبير عن موقفه خلال الحرب".

التخطيط للعمليّة الفدائيّة

توضّح أقوال الشهيد كاركر كـ "عفرين هي أكثر مدينة وطنيّة ففي كردستان، لا يمكن للعدو أن يدخل عفرين إلا بالمرور فوق أجسادنا، غير ذلك لا يمكنه الدخول إليها. لن يتمكّن العدو من دخول عفرين طالما أنا حي" سبب كلّ هذه الصفات.

واستذكر رفيقه كاركَر عفرين تلك الأيام قائلاً: "يومها تقدّم العدو من طرف جندريسه وشرا، ولم يبقى تحت سيطرتنا سوى ممرّاً واحداً. كان الرفاق متواجدون في جبل هاوار، ناحية موباتو وقرب ناحية بلبله. تقدّم العدو من محورين (سهل جندريسه وشرا) ولم يترك سوى ممرّاً ضيّقاً. لم يهاجموا لبضع أيام. آنذاك صدر أمرٌ بالانسحاب، وانسحب معظم الرفاق، وسادت حالة من الفوضى، فلم يكن الخروج من المدينة مرضياً. وقد قال الرفيق كاركَر آنذاك’ لن انسحب مهما حصل، سوف أقاتل هنا، لن أسمح للعدو بدخول عفرين، لن يدخل العدو عفرين ما حييت ‘أعدّ حزاماً ناسفاً وفخّخ سيارته وحمّلها بالمتفجّرات، وخطّط لتنفيذ العمليّة الفدائيّة. ليلة الـ 18 من آذار أُصيب عددٌ من الرفاق، فهرع الرفيق كاركَر لإسعافهم. وكانت هجمات العدو عنيفة، ومركز المدينة يشهد مجزرة شنيعة، والطائرات لا تغادر سماء المنطقة، وفي ظلّ كل ذلك ساعد الرفيق كاركَر في نقل الجرحى، لكنّه بقي هناك".

"تحدّثت معه قبل 15 دقيقة من استشهاده"

أشار كاركَر عفرين إلى أنّه تحدّث مع الشهيد كاركَر إيريش قبل 15 دقيقة من استشهاده، وتابع حديثه قائلاً: "تحدّثت معه عبر الهاتف حوالي الساعة 23:50، بعدها لم نتمكّن من التواصل معه، فاستفسرنا من الرفاق، فأخبرونا أنّ مسيّرة تركيّة مفخّخة قد استهدفت سيّارته حوالي الساعة 00.5-6 أي اللحظات الأولى من يوم الـ 18 من آذار. حاول الرفاق الوصول إليه لإنقاذه عدّة مرّات، لكنّ الطائرات استمرّت بالقصف، وكانت السيّارة مفخّخة ومحمّلة بالمتفجّرات فانفجرت. وهكذا استشهد الرفيق كاركَر".

لن تبقى أرض أمثال كاركر للمحتلّين

أشار كاركَر عفرين إلى أنّ أنّهم سيحيون ذكرى رفيقهم واختتم حديثه قائلاً: "يتُبع الآلاف اليوم نهج الرفيق كاركَر، وأصبح الناس يسمّون أبناءهم كاركَر تيمّناً باسمه. نحن بصفتنا رفاقه ندين لأهالي عفرين بتحريرهم من المحتلّين. حكاية الرفيق كاركَر هي حكاية عفرين. استذكر جميع القياديين والمقاتلين الذين استشهدوا خلال مقاومة العصر. ونعد بأنّ أرض الكادحين، وأرض السائرين على خطا أفستا وبارين وسنان لن تبقى للمحتلّين. سوف ننتقم لهم".

ANHA