زيارة الرئيس الصيني للسعودية وانعكاسها على العلاقات العربية - الأميركية

عكست زيارة الرئيس الصيني، شي جين بينغ إلى السعودية، مؤخراً وعقد قمة مع ملكها وولي عهدها وكذلك عقد قمة صينية - عربية والتوقيع على اتفاقات وشراكات تجارية بمليارات الدولارات بشكل جلي تقارباً أوسع بين حلفاء الولايات المتحدة القدامى مع بكين؛ الأمر الذي أخاف أميركا من هذا التمدد الصيني في عمق الشرق الأوسط، في وقت تنشغل فيه إدارة الرئيس جو بايدن بالتحرك العسكري الروسي في أوكرانيا وتداعياته المختلفة.

زيارة الرئيس الصيني للسعودية وانعكاسها على العلاقات العربية - الأميركية
السبت 24 كانون الأول, 2022   03:36
بيروت – زياد أبو غزالة

تطورت العلاقات الصينية - العربية تطوراً كبيراً خلال العقدين الأخيرين؛ نتيجة تحول الصين إلى مصنع للعالم وثاني قوة اقتصادية فيه بعد الولايات المتحدة الأميركية؛ إذ تجاوز حجم المبادلات التجارية بين الصين والدول العربية عام 2021 ما قيمته 300 مليار دولار، حسب الرئيس الصيني في كلمته التي ألقاها في قمة الرياض العربية - الصينية، أي أنها تضاعفت نحو عشر مرات خلال أقل من عقدين.

وتشغل الدول العربية مكاناً بارزاً في مبادرة "الحزام والطريق" الصينية، التي تستثمر الصين فيها أكثر من تريليون دولار، أغلبها في مجال إنشاء الموانئ والطرق السريعة والسكك الحديدية؛ لتسهيل التجارة مع بلدان العالم، ومن ضمنها الدول العربية.

وأثارت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى السعودية، انتقادات أميركية ليست بالمفاجئة مع تحذير البيت الأبيض للمملكة شريكها الاستراتيجي بالمنطقة، من أن محاولة بكين توسيع نفوذها في العالم "لا تتلاءم" مع النظام الدولي، فكيف تنظر الولايات المتحدة إلى زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للسعودية؟

العلاقات السعودية - الأميركية

وعن التقارب السعودي - الصيني، قالت المتخصصة بالسياسات الأميركية وشؤون الشرق الأوسط، ماريا معلوف: "مع أن عوامل موضوعية حكمت التطور الأخير في العلاقات الصينية – الخليجية وفي مقدمتها التغير الذي طرأ على أنماط الإنتاج والاستهلاك في أسواق الطاقة العالمية، وتحول الصين إلى أكبر مستورد للطاقة في العالم؛ نتيجة نموها الصناعي والاقتصادي الكبير في السنوات التي تلت انضمامها إلى منظمة التجارة الدولية عام 2001، فإن جزءاً مهمّاً من تطور العلاقات الصينية - الخليجية، والصينية - السعودية خصوصاً، يرتبط بمنحنى العلاقات مع واشنطن".

وأضافت ماريا، لوكالتنا أن "العلاقات السعودية – الأميركية، تواجه تحديات متزايدة خلال السنوات الأخيرة، ارتبط بعضها بتغير طبيعة المصالح الأميركية في المنطقة، وارتبط بعضها الآخر بتلاشي أهمية الصيغة التي حكمت العلاقة تقليدياً بين واشنطن والرياض والتي قامت منذ العام 1945 على معادلة "الأمن مقابل النفط".

وتابعت: "تزعزع الثقة في العلاقة بين دول الخليج وواشنطن؛ دفع إلى محاولة تنويع شراكاتها الدولية خاصة مع الدول التي باتت تعتمد على الخليج مصدراً رئيساً للطاقة، أي الصين تحديداً. وقد أخذت الاستدارة السعودية نحو الصين منحىً أعمق مع وصول إدارة الرئيس بايدن إلى البيت الأبيض في تشرين الثاني/ نوفمبر 2020. وكان الأخير قد أطلق خلال حملته الانتخابية تصريحات معادية للحكم في السعودية، وأبدى رغبته في إعادة إحياء الاتفاق النووي مع إيران، وعند استلامه السلطة أخرج الحوثيين من قائمة المنظمات الإرهابية، وأوقف تصدير الأسلحة الهجومية إلى السعودية، وبدأ بالضغط عليها؛ لوقف الحرب في اليمن".

هل تستبدل دول الخليج تحالفها مع واشنطن؟

وأكدت ماريا أن "الولايات المتحدة الأميركية لم تتعامل مع دول الخليج كدول ذات سيادة، وكانت وما زالت تبحث عن مصالحها في المقام الأول، حتى خلال الحرب الروسية على أوكرانيا فقد أرادت عزل روسيا على حساب مصالح دول الخليج المصدرة للنفط؛ لذلك فقد فشلت إدارة الرئيس، جو بايدن في فرض مطالبها على الدول الخليجية؛ للتأثير على قرارات إنتاج النفط، وهذا مؤشر على ضعف النفوذ الأميركي في العالم ومنه في الدول العربية والخليجية. ثم إن إدارة بايدن تبتعد عن المملكة المتمثلة اليوم بولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ لأنها تريد إدانة المملكة بالوقوف وراء اعتداءات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2011. لذلك لم تعد واشنطن هي المهيمن الأول عالمياً فيما باتت الرياض تتوجه شرقاً؛ للبحث عن نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب".

واختتمت ماريا حديثها بالقول: "الصين لا تسعى إلى ملء الفراغ بل، إن التعاون الصيني - العربي لا يتناقض مع أي آليات تعاون أخرى في هذه المنطقة، فما تريده الصين؛ هو تحقيق المصالح المشتركة من خلال هذا التعاون وتعميقه، ولا تستهدف أي طرف ثالث، كما أن التعاون يأتي بنية مشتركة من كلا الطرفين".

ومع أن دول الخليج العربية وخاصة السعودية، ما زالت لا تملك خيار استبدال تحالفها الأمني مع واشنطن بآخر مع بكين - خاصة أن الصين، ما زالت لا ترغب في ذلك ولا تقوى عليه أيضاً؛ إذ إن ما يهمها أساساً هو التبادل التجاري بوصفه جزءاً من تجارتها العالمية - فإن حجم المصالح الذي يربط دول الخليج العربية بالصين بات كبيراً إلى درجة يصعب التخلي عنها.

وتحاول السعودية استخدام علاقتها مع الصين، أداة ضغط على الولايات المتحدة التي تبدي قلقاً متزايداً من تنامي نفوذ الصين في المنطقة، لكن هذا لا يمنع وجود ارتياح سعودي أكبر في التعامل مع الصين؛ لأنه – على عكس التعامل مع الولايات المتحدة - لا يأتي مرتبطاً بأيّ شروط، خاصة في مجال حقوق الإنسان، وهي مشكلات تعانيها الصين بالدرجة نفسها.

(ي ح)

ANHA