العسكر إلى الثكنات.. هل ينجح الاتفاق الإطاري في إعادة السودان للحكم المدني؟

توصلت الأطراف السودانية، قبل أيام، إلى "اتفاق إطاري" يمهد إلى نقل السلطة من المكون العسكري إلى المدني، فما أهمية هذه الاتفاق؟ وهل سيتم تنفيذه على عكس المرات السابقة؟

العسكر إلى الثكنات.. هل ينجح الاتفاق الإطاري في إعادة السودان للحكم المدني؟
الخميس 8 كانون الأول, 2022   02:04
القاهرة - محسن المصري

"العسكر للثكنات" بهذه العبارة هتف رئيس مجلس السيادة السوداني، عبد الفتاح البرهان، خلال خطابه أثناء مراسم توقيع الاتفاق الإطاري للانتقال السياسي، الاثنين الماضي.

هتاف البرهان جاء استنساخاً لما ردده المحتجون ضد سياساته والمطالبين بخروج الجيش من المشهد السياسي بعد انقلاب تشرين الأول /أكتوبر 2021 الذى أطاح فيه البرهان نفسه بالحكومة المدنية التي كان يقودها عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني في ذلك الوقت.

وشهد السودان الاثنين الماضي، اتفاقاً إطارياً بين المكون العسكري في مجلس السيادة الحاكم في السودان وقوى إعلان الحرية والتغيير -المجلس المركزي- ومجموعات متحالفة معها، يمهد لنقل السلطة لمدنيين، وإنهاء الأزمة المستفحلة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من عام.

وقوبل الاتفاق بترحيب دولي وإقليمي على اعتبار أنه يمثل خطوة تقود إلى تأسيس سلطة مدنية انتقالية تعمل على إنهاء أزمة البلاد.

ورغم الترحيب الدولي إلا أن هناك تخوفات من عدم الالتزام ببنوده خاصة مع عدم وجود ضامن يلزم الأطراف بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.

ويري مراقبون أن الاتفاق قد يمثل خطة في تكوين مسار جديد بالسودان في ظل أزمات كبيرة يعانيها الشعب خاصة على الأوضاع الاقتصادية، محذرين في الوقت نفسه من أن يتحول الاتفاق إلى بوابة لحدوث انشقاقات وخلافات جديدة بين مؤيديه ومعارضيه تعصف بما تبقى من استقرار بالسودان.

لا ضمانات للالتزام

ويري الخبير المصري بالشأن الإفريقي، رامي زهدي، أن الاتفاق الإطاري الموقع بين المكون العسكري والمدني بالسودان يعتبر بداية لمسار جديد يمكن أن يتم من خلاله تجاوز فرص عديدة ضائعة مرت على السودان، دفع فيها الشعب السوداني ومازال يدفع كل الفواتير.

وقال لوكالتنا إن الاتفاق يمكن أن يساهم في استدراك ما فات ومواجهة ما هو قادم من تحديات.

وأشار إلى أنه رغم أن الاتفاق بدا متفائلاً، إطارياَ في العموم، إلا أن هناك أمالاً كبيرة في أن يتحول إلى اتفاق تفصيلي واقعي وجادي، لافتاً إلى أنه لا يمكن إغفال جودة الصياغة وتوافقها مع تطلعات الشعب والقوى السياسية.

وبحسب الخبير المصري فإن المعيار في نجاح الاتفاق هو الالتزام والتنفيذ، وأن يفي كل طرف بمسؤولياته وتعهداته، مشيراً في الوقت نفسه إلى أنه لا يمكن إغفال الشك في تحقيق ذلك.

وشدد زهدي على أن جدية التنفيذ مطلوبة من الجميع، سواء المؤسسة العسكرية أو الأطراف المدنية، مؤكداً أنه رغم كل التحديات فإن الأمم العظيمة تمتلك قدرات الصمود والوقوف بعد السقوط، وهو ما تحاوله الأن قوى السودان الوطنية، ومؤسساته العسكرية والشرطية وجموع أبناء الوطن أملاً في التخلي عن المصالح القبلية والعشائرية والفئوية وتغليب مصالح الوطن فوق الجميع.

ووفق الخبير المصري فإن هناك جزء شديد الأهمية في الاتفاق جاء عبر التأكيد على جيش مهني واحد، ملتزم بالعقيدة العسكرية الموحدة، وقائم بواجباته في حماية حدود الوطن والدفاع عن الحكم المدني الديمقراطي، وربما صياغة البند واستخدام كلمة مهني قومي ليست من قبيل الصياغة اللغوية المناسبة فقط ولكن مستهدف جداً إخراج المؤسسة العسكرية خارج دائرة أي صراع سياسي أو غيره، وأن تبقى فكرة راسخة دائماً في عقيدة الجيش أن الوطن فوق كل شيء.

وحول قدرة الاتفاق على حل الأزمات بالشارع السواني وضمانات الالتزام ببنوده، استبعد الخبير المصري نجاح الاتفاق في حل أزمات السودان باعتبار أن الأزمات في الشارع السوداني أعمق من يحلها أي اتفاق أو توافق، لأنها ليست أزمات سياسية فقط، بل الأكثر خطورة أنها أزمات اقتصادية ومجتمعية والأكبر هو فقدان الثقة بين جميع الأطراف، لكن بالتأكيد الاتفاق لو أحسن الالتزام به فهو خطوة حاسمة لطرح مسار لحل الأزمات على المدى الزمني المتوسط والطويل بحسب كلامه.

وأعرب عن أسفه لعدم وجود أي ذكر لقواعد الإلزام أو التصرف في حال الإخلال بما تم التعهد به، مشيراً إلى أن كل ما ذكر في الاتفاق كان جيداً جداً من الشكل والمضمون، لكن بدون تنفيذ جاد لن يفيد ذلك في أي شيء.

مزيد من الانقسام

بدوره يرى الباحث السوداني في العلاقات الدولية، عباس صالح، أنه رغم أن الاتفاق يعكس الحاجة لإنهاء حالة الانسداد الخطيرة بالبلاد، إلا أنه في الواقع سيعمق من الصراعات والانقسامات بين كافة المكونات على المشهد الحالي.

وتوقع الباحث السوداني خلال حديث خاص لوكالتنا أن يزداد الصراع والتصعيد بين داعمي الاتفاق والمناهضين له، فضلاً عن اختلاف المشاركون فيه لاسيما وأنه مليء بالثغرات مما يتسبب في فشله على غرار ما سبق من تفاهمات.

وبحسب صالح فإن الاتفاق الإطاري يعتبر أقل تمثيلاً مقارنة بالاتفاقات السابقة رغم الدعم الدولي والخارجي الكبير.

وأشار إلى أنه لا يمكن المجازفة بالقول إن هذه الاتفاقية ستلبي طموحات الشعب، معتبراً أنه تم هندسة العملية عبر مساومة بين نخب حزبية ضيقة والأطراف الخارجية الداعمة لهذه النخب بمعزل عن إرادة الشعب، بل ويتم تجنب كل ما شأنه تجسيد الإرادة الشعبية عبر انتاج كتلة تمثيلية حقيقية كخيار الانتخابات الذي يمكن أن ينتج ممثلين منتخبين عبر إرادة شعبية حقيقية يتمتعون بالشرعية اللازمة لإنجاز مهام الفترة الانتقالية.

(ي ح)

ANHA