هدية عبد الله.. مسيرة أم ثورية على درب الشهادة

الشهيدة هدية عبد الله، الأم المثالية والثورية التي عرفت بالفداء، رفضت البقاء في المنزل وأبناؤها، كما وصفتهم قبل مغادرتها للمنزل، بحاجة إلى المساعدة نتيجة القصف الجوي التركي على قرية تقل بقل في ناحية ديرك، لتصل معهم إلى درب الشهادة.

هدية عبد الله.. مسيرة أم ثورية على درب الشهادة
الأربعاء 7 كانون الأول, 2022   20:37
قامشلو- سلافا عبد الرحمن

ليست كل ثورة تخلق أمهات ثائرات؛ ففي ثورة 19 تموز 2012 في روج آفا وشمال وشرق سوريا، شاركت النساء والأمهات في الصفوف الأمامية للثورة، وقدمن الغالي والنفيس في سبيل قضيتهن وقضية شعبهن، وأصبحن مصدراً للإلهام حتى باتت تعرف الثورة، بثورة المرأة.

تكالبت على هذه الثورة جهات عديدة، حاولت وتحاول نسفها وضرب مكتسباتها التي تحققت بتضحيات آلاف الشهداء. وقد ارتكبت دولة الاحتلال التركي، منذ انطلاقة الثورة، عشرات المجازر بحق شعب شمال وشرق سوريا، واستهدفت رائداتها وروادها.

آخرها مجزرة قرية تقل بقل التابعة لناحية ديرك في مقاطعة قامشلو، التي ارتكبتها دولة الاحتلال التركي ليل (19-20 تشرين الثاني المنصرم)، فقد استهدفت جمعاً من الأهالي كانوا متوجهين إلى مكان قصفته طائراتها في القرية، وذلك لإسعاف جرحى القصف الأول، ما أسفر عن استشهاد 11 مواطن/ـة من أهالي الناحية، بينهم مراسل وكالتنا عصام عبد الله، وإصابة 6 آخرين.

باع طويل من النضال

لكل مواطنة ومواطن استشهدوا في هذه المجزرة، مسيرة حافلة بالنضال ضمن صفوف الثورة، ومنهن الأم هدية عبد الله أحمد ذات (48 عاماً).

هدية عبد الله أحمد من مواليد قامشلو 20 أيار عام 1974، هي الابنة الثالثة لأسرة مكونة من 12 فرداً.

انتقلت أسرتها إلى ناحية ديرك، حيث درست هناك إلى الصف الثالث الابتدائي، ثم انتقلت الأسرة إلى العاصمة السورية دمشق، بسبب الظروف المعيشية السيئة، حالها كحال آلاف الأسر التي اضطرت للسفر من أجل تأمين معيشتها.

تركت مقاعد الدراسة بسبب العادات والتقاليد التي كانت تمنع تعلم الفتيات آنذاك، تزوجت سنة 1987 ورزقت بـ 6 أطفال (3 بنات و3 أولاد).

تعرفت هدية عبد الله "أم هوكر"، على حركة حرية كردستان عن طريق زوجها زهر الدين خليل في أعوام التسعينات، وانخرطت في العمل الجبهوي بحي زورآفا في دمشق، وكعضوة ضمن مجلس الحي.

عقب اندلاع ثورة 19 تموز 2012 في روج آفا وشمال وشرق سوريا، عادت هدية عبد الله إلى مسقط رأسها في قامشلو للالتحاق بصفوف الثورة.

بدأت العمل ضمن مؤتمر ستار عام 2014. وتطوعت في حملات تحرير شمال وشرق سوريا من مرتزقة داعش، كحملة الشدادي، وحملة "الإنسانية والأمن" التي أطلقتها قوى الأمن الداخلي في مخيم الهول بمساندة قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب ووحدات حماية المرأة في 28 آذار من العام 2021.

زرعت بذور الوطنية في أبنائها

يقول زهر الدين خليل، زوج هدية عبد الله "هي شهيدة كردستان وليست شهيدة الأسرة فقط"، تحدث مطولاً عنها، بأنها كانت إنسانة حنونة ورؤوفة وعطوفة، محبة للخير، ومحبوبة من الجميع، مضيفاً "مهما تحدثت عنها لن أتمكن من إنصافها".

وازنت بين عملها ومنزلها، إذ أعطت كل ذي حق حقه، كافحت من أجل قضية شعبها المنادي بالحرية، استمعت إلى مشاكله ومطالبه وساهمت في إيجاد حلول لها. كما أولت اهتماماً كبيراً بأبنائها وبناتها بزرع بذور الوطني فيهم.

وشاركت في الصفوف الأولى للمظاهرات المنددة بهجمات دولة الاحتلال التركي على شمال وشرق سوريا، وباقتراح منها نصبت قوات حماية المجتمع - المرأة بالتنسيق مع مؤتمر ستار، خيمة اعتصام، تحت شعار "أين عدالتكم وضميركم"، أمام مبنى مفوضية الأمم المتحدة في مدينة قامشلو، للمطالبة بفرض حظر جوي على المنطقة، استمرت 34 يوماً (من 12 آب وحتى 14 أيلول من العام الجاري).

لورين زهر الدين خليل تحدثت عن والدتها هدية عبد الله لوكالتنا، قائلة "زرعت فينا بذور الوطنية، كيف نكون أناساً صالحين، وندافع عن قضيتنا".

وأضافت "لم تكن أماً فقط، بل كانت صديقة وأختاً ومعلمة، ومثلي الأعلى، كانت بالنسبة لي محل فخر، حتى في بعض الأحيان وأثناء مرافقتي لها في أداء عملها كنت أتمنى أن أصبح مثلها في المستقبل".

"ضع يدك على ضميرك ووجدانك وعلى هذا الأساس قم بأداء واجباتك"، كانت هدية عبد الله تردد هذه الكلمات على مسامع ابنتها كتحفيز لها على أداء واجباتها على أكمل وجه.

وفي انتقاد لورين للصمت الدولي حيال جرائم الاحتلال التركي بحق شعب شمال وشرق سوريا، وصفت مواقف القوى الدولية "بالمخزية والمعيبة"، وقالت "ما ذنبنا لنحرم من أمهاتنا، وتُرتكب بحقنا المجازر، ونهجَّر من أرضنا".

'الحماية الذاتية للمرأة'

/ar/uploads/files/2022/12/07/171646_shyryn-frhw.webp

تعرفت شيرين فرحو، ناجية من مجزرة ديرك، على الشهيدة هدية في بدايات الثورة عام 2013، حيث تولتا معاً مهمة تنظيم المجتمع وحماية المرأة، قالت شيرين بصدد ذلك: "كانت تجمع حوالي 20 امرأة في منزلها، وتبدأ بشرح مفهوم وضرورة الحماية الذاتية للمرأة".

وأضافت: "كانت تملك روحاً فدائية، متعلقة بأفكار حركة حرية كردستان وبرفاقها في النضال، حيث لم يكن روحها ملكاً لها، بل كان ملكاً لنضالها، وقضية تحرر المرأة كانت من أولوياتها".

أكدت على تمسك الشهيدة هدية حتى لحظة استشهادها في مجزرة تقل بقل مع 10 مواطنين بينهم مراسل وكالتنا عصام عبد الله، بقضيتها وبرسالتها الداعية إلى الحرية"، وعبّرت بالقول "ستبقى خالدة في ذاكرتنا فهي رفيقتي في النضال على مدار 10 سنوات، ولن أنسى مواقفها الرفاقية".

وفي لقاءات سابقة للشهيدة هدية مع وكالتنا، عاهدت على رفع وتيرة النضال حتى الوصول إلى الهدف المنشود، فقد بقيت تحت خيمة الاعتصام 34 يوماً، ولم تغادرها، في حديث لها أكدت: "لن نتوقف عن فعالياتنا ونشاطاتنا، حتى وإن انتهى الاعتصام، وسنواصل بعزيمة وإصرارٍ مقاومتنا حتى تحقيق أهداف الشهداء".

بالعودة إلى ليلة المجزرة، في تمام الساعة 12:30 منتصف ليل (19-20 تشرين الثاني الفائت)، استيقظت هدية على صوت انفجار وقع في قرية تقل بقل التابعة لمنطقة كوجرات بناحية ديرك، نقل زهر الدين خليل جملة قالتها زوجته لأطفالهما "أنتم أطفالي ولكن الذين تحت القصف هم أيضاً أبنائي يجب أن أساعدهم وأنقل الجرحى".

وتابع "ذهبت برفقتها مع عدد من المواطنين إلى موقع القصف لنقل الجرحى، وأثناء مغادرتنا عاود الاحتلال التركي قصف الموقع"، ما أدى إلى استشهادها".

وأعرب عن إدانته لصمت القوى الدولية جراء صمتها على جرائم الاحتلال التركي، معاهداً مع ابنته لورين مواصلة درب الشهيدة هدية وجميع شهداء الحرية حتى تحقيق النصر.

وشيّع الآلاف من أهالي إقليم الجزيرة في 21 تشرين الثاني الفائت، جثامين الشهداء 11 إلى مثواهم الأخير في مزار الشهيد خبات ديرك.

(ي م)

ANHA