تحديات شائكة بعد ولادة متعسرة.. هل تصمد حكومة العراق أم ستحدث انتكاسة سياسية؟

أغلق العراق ملفي رئاسة الجمهورية والحكومة بعد شد وجذب دام عاماً، شهد الكثير من الصدامات العنيفة، وبعد الانفراج السياسي، يتأمل العراقيون حدوث انفراج اقتصادي وأمني، إلا أن سياسيون وخبراء لا يستبعدون حدوث انتكاسة عراقية كون المشكلة ليست بالحكومات بل بطبيعة النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والقومية، بالإضافة إلى التدخلات الخارجية التي تغذي الصراع في البلاد.

تحديات شائكة بعد ولادة متعسرة.. هل تصمد حكومة العراق أم ستحدث انتكاسة سياسية؟
الإثنين 7 تشرين الثاني, 2022   01:20
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

على الرغم من إغلاق العراق لملفي رئاسة الجمهورية والحكومة بعد شد وجذب، إلا أن القلق لا زال يساور العراقيين من حدوث انتكاسة سياسية قد تعيد الأمور إلى المربع الأول.

ومنح البرلمان العراقي، يوم الخميس الماضي، الثقة لحكومة رئيس الوزراء محمد شياع السوداني لترى النور أخيراً بعد عام من التوتر الذي وصل إلى عنف دام أحياناً.

ويأمل العراقيون أن يحدث الانفراج السياسي الذي أنتج تكليف رئيس للجمهورية ورئيس للحكومة ومنح الأخيرة الثقة خلال أيام. انفراج عام للأزمات الاقتصادية والخدمية وتدهور الوضع المعيشي والاجتماعي، إلا أن هذه الحكومة تواجه تحديات كثيرة.

ولادة متعسرة

وكلّف السوداني وهو محافظ ووزير سابق منبثق من الطبقة السياسية الشيعية التقليدية، في 13 تشرين الأول / أكتوبر بتشكيل الحكومة، من قبل رئيس الجمهورية الجديد عبد اللطيف رشيد مباشرة بعد انتخابه. والسوداني مرشّح القوى السياسية المنضوية في الإطار التنسيقي والتي تعرفها بقربها من إيران.

ولم يُمثّل التيار الصدري الخصم الرئيسي للإطار التنسيقي في هذه الحكومة، فيما كان زعيمه مقتدى الصدر قد تعهّد سابقاً بأنه لن يشارك فيها.

وخلال العام الماضي، تصاعدت الخلافات والتوتر بين طرفي الأزمة: التيار الصدري والإطار التنسيقي، بشكل كبير. وفي أواخر آب/ أغسطس، تجلّت عنفاً دامياً في الشارع، قتل فيه أكثر من 30 من مناصري الصدر في اشتباكات مع الجيش وقوات الحشد الشعبي.

/ar/uploads/files/2022/11/06/182243_amar-albhadly.webp

المحلل السياسي العراقي، عمار البهادلي، تحدث لوكالتنا عن ذلك "الحكومة جاءت بولادة متعسرة غير طبيعية، وكانت رغماً عن إرادة بعض القوى السياسية، وخصوصاً التيار الصدري الذي اعتكف وانسحب من السلطة التشريعية ومن مجمل العملية السياسية لعدم رضائه عن سير مجريات العملية السياسية خاصة بعد أن طرح مشروع الأغلبية السياسية وعارضته قوى الإطار التنسيقي، وبالتالي واحدة من تحديات هذه المرحلة هو جلوس التيار الصدري على التل الذي بدأ يترقب وكأنه معارضه، لكن هذه (المعارضة) معارضة شعبية والسيد الصدر ربما يقلب الطاولة في حال كانت هناك أي هفوات أو اختلالات أو عدم النجاح للبرنامج الحكومي لحكومة السيد السوداني للمرحلة المقبلة".

تحديات كثيرة وشائكة ومعقدة

وهناك تحديات عديدة تواجه حكومة السوداني منها خلافات داخل الإطار الذي شكل الحكومة ومعارضة الصدر لهذه الحكومة، بالإضافة إلى تدهور الأوضاع الاقتصادية والأمنية.

وعن ذلك، قال البهادلي "التحديات التي تواجه حكومة السوداني كثيرة ومعقدة وشائكة، وربما يصعب على المختصين بل حتى على الطبقة السياسية جدولة هذه التحديات، هل التحدي الاقتصادي يقف على رأس هذه الأولويات، أم التحدي الأمني أم الخدمي أم السياسي، وبالتالي اليوم حكومة السوداني هي في وضع لا تحسد عليه خاصة إنها راهنت على معالجة كافة إخفاقات المرحلة السابقة وتراكمات ما بعد عام 2003".

وأوضح "السوداني يضع على خارطة الأولويات معالجة ملف الفساد السياسي خصوصاً إن هناك شخصيات تقع على رأس هرم السلطة متورطة في هذا الفساد، فهل سيستطيع السوداني الضرب بيد من حديد؟ وهل سيواجه السوداني رؤوس الفساد الكبيرة التي لا زالت متربعة في العديد من المناصب التنفيذية؟".

وأضاف "هناك التحدي الأخر وهو الاقتصادي وما يتعلق أولاً، بموازنة 2023 وما طبيعة هذه الموازنة؟ وكذلك كيف سيكون تحديد أبواب هذه الموازنة وما هو حجم الموازنة خاصة، إن التسريبات تشير إلى أن الحجم المالي للموازنة هو من 120 إلى 130 مليار دولار، فكيف سيتم توزيع أبواب وفصول هذه الموازنة بين البابين الاستثماري والتشغيلي لا سيما في ظل دولة مثل العراق هي دولة ريعية؟".

وحول هذه النقطة، أوضح البهادلي "هناك تذبذب في أسعار النفط العالمية وربما سنكون معرضين لهزة أخرى في انخفاض سعر النفط بعد تحديد التحالف السباعي لأسعار النفط الروسي ربما سنكون أيضاً أمام منزلق هبوط أسعار النفط وهذه كلها تحديات في ظل بطالة تكاد تصل نسبتها إلى 40% وفقر بنسب مرتفعة في العراق، هذه الأزمات والتحديات تحتاج إلى دراسات وأناس متخصصين في هذه الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والخدمية وبالتالي هذا التحدي سيكون أيضاً في سلم الأولويات بالنسبة لحكومة السيد السوداني للمرحلة المقبلة".

هل ستكمل حكومة السوداني مدة الولاية الطبيعية؟

ومع هذه التحديات، بدأ العديد من المراقبين بوضع عمر محدد لحكومة السوداني وسط الحديث عن خيارات منها عودة المتظاهرين إلى الشارع بالإضافة إلى احتمالية إجراء انتخابات مبكرة.

يرى البهادلي أن "ذلك يتوقف على مدى نجاح السوداني في تطبيق برنامجه الحكومي الذي تضمن 23 محور، توزعت بين المحاور التشريعية والتنفيذية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأمنية والخدمية وبالتالي إذا ما تمكن السوداني من النجاح في تطبيق هذه النقاط ربما ستكمل حكومته ما تبقى من مدة الولاية الطبيعية، أما إذا أخفق فربما سيكون هناك رأي آخر إما للتيار الصدري أو للإرادة الشعبية أو كذلك للإرادة السياسية عامة".

وتابع البهادلي" المجتمع الدولي يترقب مدى إمكانية نجاح حكومة السوداني في تحقيق برنامجها الحكومي من عدمه وإلا فسيكون هناك انتخابات مبكرة، وإن كانت هذه الانتخابات تحتاج إلى سقوف زمنية معينة وتهيئة ظروف مناسبة وأقصد بهذه الظروف أن تكون هناك تشريعات قانونية وتخصيصات مالية ومستلزمات فنية تتعلق بالقانون الانتخابي وترسيم الدوائر الانتخابية وكذلك ما تحتاجه المفوضية العليا المستقلة للانتخابات من مستلزمات لوجستية. هي بحاجة إلى أوقات وفترات زمنية وتخصيصات مالية وتشريعات قانونية داخل قبة البرلمان".

النظام السياسي العراقي يحتاج إلى إعادة نظر بالمجمل

وعلى الرغم من الحديث عن نتائج هذا الانفراج السياسي، إلا أن مراقبين يؤكدون بأن مشكلة العراق ليست في تغيير الحكومة بل في طبيعة النظام السياسي الذي أقر في العراق منذ ما بعد الغزو الأميركي للعراق.

ويعتمد النظام السياسي في العراق على المحاصصة الطائفية والسياسية والقومية حيث تتقاسم الطبقة السياسية الحاكمة مناصب وثروات البلاد فيما يعاني الشعب العراقي بكافة مكوناته من سوء الأوضاع المعيشية والاجتماعية والأمنية.

أشار البهادلي إلى "أن النظام السياسي هندس بطريقة مكوناتية؛ أي أخذ بنظر الاعتبار الأوزان المجتمعية للمجتمع العراقي الذي يتكون من مزيج من الأعراق والقوميات والمذاهب والأديان وبالتالي بني على النسبية أي أن هذا النظام وخصوصاً فيما يتعلق بالمادة 76 من الدستور التي تشترط على رئيس مجلس الوزراء حتى تمرر كابينته الوزارية الحصول على الأغلبية المطلقة، وهذه الأغلبية لم تحقق لأي حزب في الانتخابات منذ عام 2003 ولغاية هذه اللحظة بسبب تركيبة المجتمع العراقي أولاً وبسبب خراطة النتائج البرلمانية ثانياً وبسبب الاشتراطات الدستورية".

وأضاف " العوامل التي دفعت إلى التوافقية أو المحاصصة والتي يعبر عنها في الأدبيات السياسية بالحكومات الائتلافية وإن كانت اتخذت شكلاً أو منحى أخر تارة بالوحدة الوطنية وتارة بالمحاصصة وتارة بالتوافقية، هو طريقة صياغة الدستور العراقي النافذ لعام 2005 فحتماً اليوم الدستور العراقي والنظام السياسي بشكل عام يحتاج إلى إعادة نظر بالمجمل وهنالك الكثير من فقرات الدستور تحتاج إلى تعديل لكن اليوم الذي يقف حائلاً أمام هذا التعديل هو أن الدستور العراقي  دستور جامد وهنالك أحكام ونصوص دستورية حاكمة تعقد موضوع تعديل المواد الدستورية".

وأوضح "هو ليس مثل الدساتير المرنة التي يصوت عليها داخل المجالس النيابية بالأغلبية البسيطة أو المطلقة وبالتالي يصار إلى هذا التعديل لكن في الحالة العراقية يحتاج إلى استفتاء عام وهذا أسوء وأعقد ما في الموضوع، وهذا الاستفتاء العام يشترط موافقة أغلبية ثلاث محافظات وفي حال اعتراض أي من هذه المحافظات الثلاث بنسبة معينة سيكون هذا الاعتراض هو أشبه بالفيتو وبالتالي لن يمرر التعديل في هذا الاستفتاء الشعبي فضلاً عن الاشتراطات الأخرى التي تتعلق بموافقة أغلبية معينة داخل البرلمان ورئيس الجمهورية من أجل تحديد الفقرات الدستورية التي يراد إعادة صياغتها أو تعديلها".

الدبلوماسية العراقية ضعيفة أمام التدخلات الخارجية

إضافة إلى التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية، هناك التدخلات الخارجية في العراق وخاصة من الأطراف الإقليمية كتركيا وإيران.

ومنذ سقوط نظام صدام حسين، تعمل كل من تركيا وإيران على تنفيذ مصالحهما في العراق، لكن مراقبين يرون؛ بأن الدور التركي هو الأخطر على العراق وتعمل إيران على دعم بعض القوى والأحزاب العراقية، إلا أن تركيا تعمل على إقامة القواعد العسكرية واحتلال المناطق العراقية، وتتحدث دوماً بأن هذه المناطق جزء من الميثاق الملي.

ويتفق البهادلي مع هذه الرؤية "إيران تتدخل في الملف الأمني والسياسي، لكن بدأت حدة هذه التدخلات تخف أكثر من الأعوام السابقة بعد أن صدح الرأي العام الداخلي والدولي وعبر عن استيائه من التدخل الإيراني في أكثر من سابقه بالعراق، بدأت حدة هذه التدخلات تقل تدريجياً. لكن هذا لا يعني أن التدخل انتهى تماماً".

وأضاف "بالنسبة لتركيا استمرت تدخلاتها العسكرية وهذه الثكنات العسكرية لا زالت موجودة على الأراضي العراقية على الرغم من مذكرات الاحتجاج التي تسلمت للسفير التركي وإلى مجلس الأمن وغيرها من الأساليب الدبلوماسية إلا أنها لا زالت تتدخل بين الفينة والأخرى، ولليوم لا زالت الدبلوماسية العراقية هي ضعيفة وتحتاج أن يكون لها رد فعل مناسب على هذه الأفعال والتدخلات".

وشدد البهادلي على "إضافة إلى القنوات الدبلوماسية يجب أن يفعل الخيار الاقتصادي لأنه لا يمكن الحديث عن تفعيل الخيار العسكري، اليوم العراق لا يمتلك الترسانة العسكرية التي يمكن من خلالها أن يواجه دول بحجم القوات العسكرية التركية أو الإيرانية وبالتالي يمكن الضغط على تركيا وإيران من خلال الورقة الاقتصادية، إما بإيقاف التعاون الاقتصادي وكذلك ما يتعلق بالاستيراد والتصدير خاصة اليوم هناك نسب كبيرة من حجم الصادرات والواردات ما بين العراق وتركيا من جهة والعراق وإيران من جهة أخرى، بالتالي تشكل هذه المسألة ورقة ضغط على كلتا الدولتين لإيقاف هذه التجاوزات العسكرية السافرة وكذلك التدخلات في الشأن السياسي العراقي".

(آ)