​​​​​​​التوافق على انتخاب رئيس لبناني ينتظر توافقات إقليمية ودولية

أخفق مجلس النواب اللبناني، للمرة الرابعة، في انتخاب رئيس جديد للبلاد، خلفاً لميشال عون الذي تنتهي ولايته في 31 أكتوبر/ تشرين الأول، ووفقاً لمراقبين، فإن التوافق على انتخاب رئيس جديد للبنان ينتظر توافقات إقليمية ودولية، وربما يرتبط باتفاق مرتقب لترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، بوساطة أميركية.

​​​​​​​التوافق على انتخاب رئيس لبناني ينتظر توافقات إقليمية ودولية
السبت 29 تشرين الأول, 2022   02:12
بيروت – زياد أبو غزالة

مع انتهاء ولاية الرئيس ميشال عون الأسبوع المقبل في 31 تشرين الأول/ أكتوبر، بدأ النواب منذ 29 أيلول/ سبتمبر الماضي، الإجراءات الهادفة إلى انتخاب خلف له، وللمرة الرابعة على التوالي فشل النواب الإثنين الماضي في العملية. وتشير الانقسامات إلى استمرار لَيْ الأذرع حول هذا المنصب المخصص للمسيحيين الموارنة، علماً أنه خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة، ظلت أرض الأرز بدون رئيس لمدة 29 شهراً.

ويعتبر فشل البرلمان الذي يضم 128 نائباً، في التوافق على مرشح حتى الآن، مؤشراً بأن العملية الانتخابية قد تستغرق وقتاً طويلاً، ما يزيد من تعقيدات الوضع في البلاد الغارقة في أزمة مالية خانقة، وحيث نادراً ما تُحترم المهل الدستورية المحددة.

انطواء الطبقة السياسية

تعاني الطبقة السياسية اللبنانية من انطواء شديد يجعلها غير قادرة فعلياً على التوصل إلى أرضية توافق، يمكن من خلالها، انتخاب رئيس جديد خلفاً للرئيس عون، أو تشكيل حكومة جديدة بديلة لتلك التي يقودها حالياً نجيب ميقاتي، رئيس حكومة تصريف الأعمال منذ 22 أيار/ مايو الماضي، وهو تاريخ بدء ولاية البرلمان الجديد.

وفي السياق، دعت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا، خلال زيارة إلى بيروت في 14 تشرين الأول/ أكتوبر، المسؤولين اللبنانيين إلى تجنب الفراغ الرئاسي والإسراع في انتخاب خلف للرئيس عون.

وقالت كولونا: "يجب احترام الاستحقاق الدستوري، إنها حاجة ماسة للبنان"، مشددة على أن "لبنان لم يعد يستطيع أن يتحمل الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة".

تفاهمات محلية وإقليمية

وعن أهم الصفات المطلوبة محلياً ودولياً، حسب المحلل السياسي غسان جواد، للرئيس اللبناني الجديد "أن يكون قادراً على جمع اللبنانيين وإقامة الحوار بينهم وأن يتمتع بإمكانية التواصل مع الخارج إقليمياً ودولياً".

وأضاف جواد لوكالتنا، أنه "منذ الاستقلال وحتى اليوم لعبت الظروف الإقليمية والدولية دوراً في اختيار رئيس الجمهورية، وتلك الظروف أوصلت أحياناً شخصيات إلى سدة الرئاسة لم تكن معروفة أو مرشحة".

وأكد جواد أن "هذه تجربة النظام في لبنان، لطالما كانت شخصيات مرشحة، لكن عندما يحين موعد الاستحقاق تصبح في مكان آخر ولا تنال الأصوات المطلوبة، بالمقابل يفوز مرشح آخر لم تكن لديه أي حظوظ".

وتابع أن "أكثرية الشخصيات التي تبوأت رئاسة الجمهورية طوال الاستحقاقات الـ 13 الماضية جاءت نتيجة نوع من التسويات والتفاهمات المحلية والإقليمية وبفضل وجود قبول دولي".

قلق من تكرار الفراغ

ومنذ اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى 15 عاماً من الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، لم تُنجز غالبية الاستحقاقات الدستورية في موعدها، نظراً إلى التعقيدات والخلافات السياسية المتكررة.

وما يفتح باب التكهنات أكثر حول هذا الاستحقاق الدستوري هو أن أبرز زعماء الأحزاب المسيحيين الموارنة لم يعلنوا صراحة ترشحهم للرئاسة بعد، مثل سمير جعجع وجبران باسيل (صهر عون) وسليمان فرنجية.

والمعطيات الواردة من داخل البرلمان تعكس محاولات للتوافق على مرشح، خشية مقاطعة نيابية لجلسات الانتخاب، والحؤول دون انتخاب الرئيس الرابع عشر للبنان منذ استقلاله عن فرنسا عام 1946 ضمن المهلة المحددة.

ويتم انتخاب رئيس الجمهورية بغالبية ثلثي أعضاء البرلمان المؤلف من 128 عضواً، أي 86 نائباً في الدورة الأولى، وبالأغلبية المطلقة في الدورة الثانية أي 65 نائباً.

توحيد المعارضة

رئيس حزب الكتائب، النائب سامي الجميّل، قال للصحافيين في البرلمان: "ما زلنا نعمل على توحيد صفوف المعارضة حول اسم واحد، لكننا نواجه صعوبات، ونأمل رص الصفوف في الأيام المقبلة مع اقتراب الاستحقاق في الحادي والثلاثين من الشهر".

في المقابل، قال النائب عن حزب الله، حسن فضل الله: "إلى الآن لا يوجد توافق، ولا يوجد حوار شامل بين الكتل المختلفة أصلاً... ولذلك ستتكرر المشاهد التي نراها وأعتقد أن الجلسات ستكثّف في الأيام العشرة الأخيرة".

وتعارض كتل رئيسية بينها "حزب الله"، القوة السياسية والعسكرية الأبرز، دعم ترشيح معوض وتصفه بأنه "مرشح تحدّ"، وتتهم معوض بأنه "قريب من الأميركيين".

نظام قائم على الطائفية

في العام 1989، تمت المصادقة على معاهدة الطائف في المملكة العربية السعودية، التي تقضي بإنهاء خمسة عشر عاماً من الحرب في لبنان وتم بموجبها نقل السلطة التنفيذية إلى مجلس الوزراء وتقليص صلاحيات الرئيس.

تضم الدولة اللبنانية رسمياً 18 طائفة: المسيحية (موارنة، روم أرثوذكس، روم كاثوليك ملكيون، سوريون أرثوذكس، سريانيون كاثوليك، آشوريون، كلدان، أقباط أرثوذكس، أرمن رسوليون، أرمن كاثوليك، لاتينيون وبروتستانت)، المسلمة (شيعة، دروز، سنّة، إسماعيليون وعلويون) إلى جانب جالية يهودية.

ويتم تنظيم التمثيل الرسمي لهذه الطوائف الدينية في الدولة اللبنانية (بوظائفها الرسمية والإدارية) وفقاً للميثاق الوطني للعام 1943، وهو العام الذي نالت فيه البلاد استقلالها، وينص هذا الميثاق غير المكتوب الذي أبرم آنذاك بين القادة المارونيين والسنة في البلاد، على أن يكون رئيس الجمهورية وقائد الجيش مسيحييَن دائماً، موارنة تحديداً، بينما يكون رئيس الوزراء سنياً، ورئيس مجلس النواب من الطائفة الشيعية.

ومنذ معاهدة الطائف، ينقسم 128 مقعد نائب بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين، وتضم هاتان الطائفتان عدداً من الأعضاء المنتخبين يتم تحديدهم وفق الثقل الديمغرافي لكل طائفة (الشيعة 27 مقعداً، والموارنة 34 مقعداً)، وهي أرقام تم تحديدها في آخر تعداد جرى في العام 1932.

وفي الواقع، تم إنشاء هذا النظام من أجل تعزيز الإجماع، ولكن مع مرور الوقت استغلته لصالحها حفنة شخصيات سياسية ذات نفوذ قوي، وضاعفت العوائق السياسية في البلاد بفرضها للمساومة السياسية كأسلوب للحكم، وهي التي انتفض اللبنانيون ضدها في تشرين الأول العام 2019.

وخلال انتخاب ميشال عون، نجح المعسكر التابع للجنرال السابق وحليفه السياسي "حزب الله"، في فرض مرشحه بعد أن عرقل الانتخابات الرئاسية ولفترة طويلة.

ست سنوات خلت، ولا يزال المعسكر نفسه، الذي فقد أغلبيته في الانتخابات التشريعية الأخيرة، يحاول الدفع بصهر الرئيس المنتهية ولايته، وزير الخارجية السابق جبران باسيل، للوصول إلى السلطة، لكن شخصيته المثيرة للجدل تبقيه بعيداً كل البعد عن أي إجماع في لبنان.

لذلك ومن المحتمل، أن تبدأ مبارزة ليّ أذرع جديدة ستدوم طويلاً حتى التمكن من التوصل إلى اتفاق حول مرشح حل وسط ينهي انسداد الوضع الحالي، وبينما يعيش أكثر من 80 % من السكان تحت خط الفقر وفق منظمة "كير" غير الحكومية، يحتاج اللبنانيون أكثر من أي وقت مضى إلى تفعيل مؤسساتهم بكامل طاقتها للوصول بالبلاد إلى بر الأمان.

(ي ح)

ANHA