في ذكرى إبرام اتفاقية أضنة.. ماذا جلبت للسوريين؟ وماذا يهدف الاحتلال من تعديلها؟

يترقب السوريون بريبة نتائج المفاوضات المزمعة ما بين حكومة دمشق والاحتلال التركي وذلك بالتزامن مع ذكرى توقيع اتفاقية أضنة عام 1998 والتي استغلتها دولة الاحتلال لتحقيق أطماعها، فماذا جلبت الاتفاقية السابقة؟ وماذا تهدف تركيا من السعي لإبرام اتفاقية جديدة أو تعديل الاتفاقية السابقة؟

في ذكرى إبرام اتفاقية أضنة.. ماذا جلبت للسوريين؟ وماذا يهدف الاحتلال من تعديلها؟
الخميس 20 تشرين الأول, 2022   01:40
مركز الأخبار – يحيى الحبيب

في 20 تشرين الأول من عام 1998 أبرمت حكومة دمشق برئاسة حافظ الأسد مع الاحتلال التركي "اتفاقية أضنة "والتي استهدفت الكرد في البلاد.

وجاءت هذه الاتفاقية بعد توترات وعداء بين حكومة دمشق والاحتلال التركي، حيث هدّدت دولة الاحتلال التركي حكومة دمشق تحت ذريعة وجود القائد عبد الله أوجلان في سوريا وحشدت تركيا قواتها على الحدود السورية بالإضافة إلى استخدام ورقة المياه.

رضوخ من دمشق للذرائع التركية

وبعد أن شعرت دمشق بتهديد التحالف التركي-الإسرائيلي في العام 1996، ونظراً إلى اعتمادها على مياه الفرات، والضغوط من قبل مصر والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإسرائيل رضخت في نهاية المطاف إلى الضغط التركي، وبعدها غادر القائد عبد الله أوجلان سوريا.

ويقول القائد عبد الله أوجلان في المجلد الأول: "المعادلة التي مهَّدَت لهذه المرحلة بخروجي من سوريا أكثرُ لفتاً للأنظار، فالمفهوم الذي أخرجَني من سوريا يرتكز في مضمونه مجدداً إلى تصادمِ التناقض بين الخط الذي رسمتُه للصداقة، وبين سياسةِ إسرائيل تجاه الكرد، فإسرائيلُ المنهمكة بِرُبُوبِيَّتِها للقضية الكردية، وخاصةً بعد الحرب العالمية الثانية، أضحَت بالغةَ الحساسية تجاهها، لدرجةِ أنها لم تحتمل طراز الحل الكردي الثاني، الذي تَزايَدَ تأثيرُه ووقْعُه متمثلاً في شخصي. ذلك أن طرازي في الحل لم يَكن يتناسب وحساباتِهم على الإطلاق، عليَّ ألا أنكر حقَّ الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد) التي دَعَتني بشكلٍ غيرِ مباشر إلى طريقتها في الحل. ولكني لم أكن مستعداً أو منفتحاً لذلك، لا أخلاقياً، ولا سياسياً".

ويضيف القائد "لم تَرغَبْ إدارةُ سورية العربية بتاتاً بتجاوزِ شكلِ العلاقات التي يغلب عليها الطابع التكتيكي مع قيادة PKK، علماً بأن رئاسة حافظ الأسد تحققت اعتماداً على صراع الهيمنةِ بين كلٍّ من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي، ومع انهيار السوفييت، لم يكن الوضعُ الحَرِج يساعده في الحفاظ على أية علاقةٍ تكتيكية، فعندما كان (حافظ الأسد) يُحَقِّقُ التوازنَ مع تركيا من خلالي أنا (عبر PKK)، كان يبحث عن ردٍّ إزاء تهديداتِ جمهورية تركيا لسوريا والمبتدئة منذ عام 1958 من جهة، وانحيازها المتطرف لإسرائيل من جهة ثانية".

ويوضح القائد "باعتبار أن PKK أداةٌ مناسِبة في هذا الشأن، فقد وفَّر إمكانيةَ إقامةِ علاقةٍ تكتيكية معه على المدى الطويل، ولم يكن يُراد رؤية إمكانيةِ أنْ تُمهِّد هذه العلاقة لسياسةٍ كرديةٍ ثانية، ولم تتمكن جميعُ مساعي الإدارات التركية من التأثير في هذا السياق".

وعلى الرغم من مغادرة القائد عبد الله أوجلان لسوريا إلا أنه تم توقيع الاتفاقية بعد 11 يوماً من ذلك، لتستغلها تركيا في محاربة الكرد بشكل أساسي بالإضافة إلى تحقيق أطماعها باقتطاع أراضي سورية.

بنود الاتفاقية.. حكومة دمشق تتنازل عن حقوق السوريين

وتضمنت بنود الاتفاقية وملحقاتها، إبعاد القائد عبد الله أوجلان (الذي غادر سوريا قبل أيام من هذه الاتفاقية) عن سوريا، وإنهاء معسكرات الحزب في البلاد وعلى الحدود، بالإضافة إلى إعداد حكومة دمشق قوائم بأسماء الناشطين والسياسيين الكرد والمؤيدين لحركة التحرر الكردستانية داخل سوريا.

كما أنهى الاتفاق، في الملحق الثالث، الخلافات الحدودية بين البلدين، ما يعني تنازل حكومة دمشق عن حق سوريا في المطالبة بلواء إسكندرون، المشار إليه في تركيا بإقليم هاتاي، الذي احتلته تركيا.

كما تم زج ملحق يسمح لقوات الاحتلال التركي بالتوغل في الأراضي السورية بعمق 5 كيلومترات، ويشير الملحق حرفياً إلى أنه "يفهم الجانب السوري أن إخفاقه في اتخاذ التدابير والواجبات الأمنية، المنصوص عليها في هذا الاتفاق، يُعطي تركيا الحق في اتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية، حتى عمق 5 كيلومترات".

عوضاً عن 5 كلم.. الاحتلال التركي يستبيح الأراضي السورية

ومع تسلم بشار الأسد الحكم، نمت العلاقات السورية – التركية وقام وقتها باعتقال عشرات الناشطين الكرد وشدد القبضة الأمنية، وأصبحت هناك علاقة شخصية قوية بين الأسد الابن وأردوغان تمثلت بزيارات بين الطرفين، كما تخلى بشار الأسد عن كثير من المصالح السورية إرضاء لأردوغان وأبرزها فتح الأسواق السورية للبضائع التركية ما أثر ذلك بشكل سلبي على الصناعات السورية وخصوصاً الحلبية.

وفي 22 ديسمبر/ كانون الأول 2010 وقّع وزيرا خارجية دمشق وليد المعلم، وتركيا أحمد داود أوغلو، على اتفاقية أمنية اعتُبرت، في مقدمتها، على أنها "تعديل" لاتفاقية أضنة، وذلك بتشديد الإجراءات وتوسيع التعاون ضد الكرد وما وصفهم بالجماعات الإرهابية الأخرى.

تساهل حكومة بشار الأسد مع تركيا ساعد الأخيرة على التغلغل في المجتمع السوري واستغلت ذلك عند انطلاق الأزمة السورية في عام 2011 حيث كان صديق بشار الأسد القديم، رجب طيب أردوغان أول من عمل على إسقاط نظامه واحتلال الأراضي السورية.

ومع دعم تركيا للجماعات المرتزقة في سوريا، لم تتمكن حكومة دمشق من تثبيت وجودها وحماية المنطقة وانسحبت إلى مناطق رأتها أكثر أهمية وفائدة، هنا نظم الكرد أنفسهم، وشكلوا أحزاب سياسية وقوات عسكرية تطورت فيما بعد لتشكل نواة للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا والتي تضم مختلف مكونات المنطقة الآن.

واستغل أردوغان هذه الاتفاقيات لتبرير تدخله في الأراضي السورية إلا أنه ناقض هذه الاتفاقيات فيما بعد حيث تنص هذه الاتفاقيات على التنسيق والتعاون المشترك ما بين تركيا ودمشق إلا أن تركيا حاربت جميع من وقف بطريق تحقيق أهدافها بما فيه الجيش السوري وعلى عكس الاتفاقيات التي اشترطت سيطرة الجيش السوري على الحدود السورية فقد احتل الجيش التركي مناطق إدلب والباب وجرابلس وأعزاز والراعي وعفرين وسري كانيه وكري سبي، وبحسب هذه الاتفاقيات يجب على الجيش التركي الانسحاب من هذه المناطق.

اتفاقية مشؤومة

/ar/uploads/files/2022/10/19/173505_whatsapp-image-2022-10-18-at-09.23.52.webp

رئيس المنتدى الألماني – الكردي، يونس بهرام، تحدث عن ذلك، قائلاً: "من سوء حظ الكرد مجاوراتهم لأنظمة ديكتاتورية وعنصرية، لا تفهم سوى لغة العنف وإنكار الآخر، كذلك مبدأ الديمقراطية والعيش المشترك وقانون المساواة لا مكانة له في قواميسهم إن كان ذلك في سوريا أم تركيا أو إيران وحتى العراق".

وأوضح "كان لاتفاقية أضنة المشؤومة والتي انعقدت بتاريخ 20 تشرين الأول 1998في مدينة أضنة بين نظامي دمشق وأنقرة وذلك بوساطة مصرية، دور كبير في الأحداث الجارية حالياً على ساحة الحرب السورية".

وأضاف "كم هي شبيهة وتكراراً لاتفاقية الجزائر آذار ١٩٧٥ بين طهران وبغداد حيث كان بطل وساطتها الرئيس الجزائري هواري بو مدين، حيث وفي اتفاقية الجزائر تنازل صدام حسين البعثي لصالح الشاه رضا بهلوي عن جزء من شط العرب مقابل ضرب الحركة الكردية آنذاك، كذلك وبنفس الأسلوب والهدف اتفاقية أضنة لعام ١٩٩٨ حيث كان هدف الاتفاقية بالأساس كيفية ضرب الحركة الكردية وبها تنازل نظام دمشق تنازلاً نهائياً عن جزء من الجغرافيا السورية مثل لواء إسكندرون وأنطاكيا لصالح نظام أنقرة كذلك بإعطاء أحقية لأنقرة بالدخول ٥ كم في الأراضي السورية بدون إذن مسبق ومتى ما أرادت".

دمار سياسي واقتصادي وعسكري

وحول النتائج السلبية لهذه الاتفاقية، قال بهرام: "اتفاقية الجزائر تعد السبب الأساس في كل ويلات العراق من ١٩٧٥ مروراً بحرب ثماني سنوات بين إيران والعراق إلى اليوم حيث أن إيران تعد العراق محافظتها الأخيرة، كذلك اتفاقية أضنة لم تجلب لسوريا سوى الدمار الاقتصادي والسياسي والعسكري وما نراه اليوم من أحداث مؤلمة في سوريا تعتبر الحلقة الأولى من مسلسل نتائج اتفاقية أضنة، وهنا لابد من الذكر بإن كلا البلدين ونظامهما البعثي العفلقي لم يجلبا أية مكتسبات لشعبيهما من خلال اتفاقياتهم سوى الخراب والدمار".

وأضاف "على الرغم من تجديد بشار الأسد اتفاقية أضنة في عام ٢٠١٠ حيث تنازل فيها عن أحقية سورية في إسكندرون وأنطاكيا، كذلك توسيع بنود الاتفاق إلى محاربة حزب العمال الكردستاني ولمدة ثلاث سنوات إضافة إلى ثلاثة وعشرين بنداً آخر أدت إلى انهيار الاقتصاد السوري وسوق العمل فيها في فترة وجيزة، حيث حول نظام دمشق سوريا إلى سوق استهلاكي مطلق للمنتجات التركية".

بعد الفشل العسكري.. بحث عن اتفاقيات خبيثة جديدة

وبعد أن سعت الدولة التركية لاحتلال عموم الأراضي السورية حيث توعد أرودغان بالصلاة في الجامع الأموي بعد إسقاط "النظام السوري"، ومع دخول روسيا وإيران على الخط ودعم حكومة دمشق تحولت أهداف الاحتلال التركي من إسقاط النظام إلى محاربة الكرد والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا.

وأثبتت الأحداث أن الأطماع التركية في الأراضي السورية تعود إلى مرحلة استقلال البلاد وما قبلها ومنذ ذلك الوقت كانت تبحث تركيا عن أي فرصة تسنح لها لتحقيق هذه الأطماع وسعت خلال تلك الفترة إلى تحقيق ذلك تارة عبر القوة وتارة أخرى عبر خداع الأنظمة الحاكمة لسوريا عبر إقامة علاقات وإبرام اتفاقيات خبيثة تشرعن تدخلها عندما تحين الفرصة.

الآن ومع فشله في إسقاط حكومة دمشق وعرقلة الإدارة الذاتية لمشروعه في دعم الإسلام السياسي والإرهابيين، تحاول دولة الاحتلال التركي إبرام اتفاقية جديدة ومعدلة لاتفاقية أضنة تطمح من خلالها وبخبث لإبقاء احتلالها للمناطق السورية كما حصل بخصوص لواء إسكندرون وإدخال أدواتها من الائتلاف والمجموعات المرتزقة في العملية السياسية.

بهرام تحدث عن ذلك، قائلاً: "الهدف التركي من اتفاقية أضنة ثانية والمزمع توقيعها مع حاكم دمشق هي توسيع المطالب والمطامع التركية في سوريا سياسياً وجغرافياً، لو نظرنا إلى الجغرافية السورية لنرى بأن تركيا قامت باحتلال عفرين وسري كانيه وگري سپي وجرابلس والباب وإدلب وتطالب عن طريق مرتزقتها فصائل الجيش الوطني بإسقاط الأسد والمطالب التركية لم تكن غريبة".

وأوضح في هذا السياق "تركيا ستتراجع عن مطلب إسقاط الأسد واعتباره جاراً وصديق لتركيا مقابل عدة شروط".

والشروط بحسب بهرام هي (تنازل الأسد عن المدن التي هي الآن محتلة من قبل تركيا وإعادة إلحاقها بتركيا كما لواء إسكندرون وأنطاكيا- محاربة الـ YPG واعتبارها منظمة إرهابية - السماح لتركيا بإعادة اللاجئين السوريين إلى سوريا وتوطينهم على الشريط الحدودي بعرض ٣٢كم - تقوم الشركات التركية بمهام تأسيس البنية التحتية لهذه المستوطنات وإنشاء المساكن لأكثر من ثلاثة ملايين من السوريين- تركيا ستقوم على تصفية الفصائل المرتزقة على أيدي جبهة النصرة - الأسد سيقبل بهيكل المعارضة السورية وشكلها المقدم من أنقرة وستكون جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) نموذجاً كشريك في الحكم وهذا الاقتراح محبب من قبل نظام دمشق كون جبهة النصرة هي بالأصل من صنيعة نظام دمشق - رفض نظام دمشق لمطالب الإدارة الذاتية ومحاولة هدمها".

وأضاف "هنا وبمراجعة بسيطة لاتفاقية الجزائر واتفاقية أضنة نرى بأنه كان الأولى لصدام حسين وقتها لو أقدم على عقد اتفاقية سلام بينه وبين الكردستانيين ضمن عراق موحد بدلاً من اتفاقه مع إيران ضد شعبه، والجدير بالذكر أن الحلقة الأخيرة من مسلسل اتفاقية الجزائر هي وصول عنق الدكتاتور صدام حسين لحبل المشنقة، أما اتفاقية أضنة ثانية فهي صرفاً من بنات أفكار فلاديمير بوتين ومقترحاته في قمة سوتشي، ما دعا أردوغان إلى إضافة بنود أطماعه التوسعية".

بازارات الخراب والدمار

وحول ما ستجلب هذه الاتفاقية المزمعة معها من كوارث للشعب السوري مستقبلاً، قال بهرام: "سيكون لتركيا الضلع الأكبر والنفوذ السياسي والاقتصادي عبر جبهة النصرة في الحكم بدمشق (السيطرة الإيرانية للعراق نموذجاً) كما أن التحالف الدولي يعتبر نظام دمشق إرهابياً وبمشاركتها لجبهة النصرة (القاعدة) في الحكم سيزيد الأمر تعقيداً".

وأضاف "ستبقى سوريا الباقية منهمكة فقيرة وبؤرة للإرهاب مع الفساد السياسي والعسكري والاقتصادي المزمن وستتحول كما العراق إلى سوق استهلاكي كامل وبشكل مطلق للمنتجات التركية".

وفي ختام حديثه، قال رئيس المنتدى الألماني – الكردي، يونس بهرام: "نظراً لمصير اتفاقية الجزائر ومآسيه الأفضل للنظام في دمشق التحاور مع شعبه وإيجاد أرضية ديمقراطية يستند عليها الطرفين للخروج بسوريا لكل السوريين كرداً وعرباً وكلدان وآشوريين بدلاً من المضي في بازارات الخراب والدمار".

(م)

ANHA