​​​​​​​تغييرات دبلوماسية واقتتالات بين المرتزقة.. توليفة أردوغان الجديدة للتقارب مع دمشق

تجري دولة الاحتلال التركي تغييرات دبلوماسية وعسكرية لافتة بشأن الملف السوري، تغييرات ترجمها مراقبون على أنها تندرج في سياق تحقيق التقارب مع حكومة دمشق بغية تنفيذ مصالحها وضرب القضية الكردية، عبر خطة خبيثة كانت ومازالت موضوعة حيز التنفيذ بين أطراف أستانا الضامنة لبقاء أنظمة القهر والاستبداد والفساد ضمن الأراضي السورية.

​​​​​​​تغييرات دبلوماسية واقتتالات بين المرتزقة.. توليفة أردوغان الجديدة للتقارب مع دمشق
الأحد 16 تشرين الأول, 2022   02:07
مركز الأخبار- جودي إسماعيل

لا تزال مسألة التقارب بين دولة الاحتلال التركي وحكومة دمشق تتردد في أروقة السياسة التركية وأبواقها الإعلامية التي ما تنفك في تداول أي مستجد يطرأ على العلاقات بين الطرفين المعادين لبعضهما - ظاهرياً- على مدار العشر سنوات، مع استمرار تصريحات الشد والجذب على لسان مسؤوليهما التي تارة ما تنفي أي تقدم وتارة ما تظهر نوعاً من التقارب الوشيك.

وفي آخر ما وصلت إليه فصول التقارب بين أنقرة ودمشق، أجرت الخارجية التركية، الخميس 6 تشرين الأول تغييرات في الفريق المسؤول عن الملف السوري، وهم: نائب وزير الخارجية سادات أونال أحد أبرز المختصين بالشأن السوري، الذي سيتولى منصب الممثل الدائم لتركيا لدى الأمم المتحدة، والمسؤول الأمني عن الملف السوري أردم أوزان، الذي أصبح سفيراً لتركيا بالعاصمة الأردنية عمان، بالإضافة إلى تعيين رئيس قسم سوريا في الخارجية التركية سلجوق أونال، سفيراً لتركيا في مدينة لاهاي الهولندية. دون أن تكشف الخارجية التركية عن أسماء المسؤولين الجدد الذين سيتولون إدارة الملف السوري.

الاحتلال التركي يتحرك دبلوماسياً وعسكرياً للتقارب مع حكومة دمشق

صحيفة "الوطن" المقربة من حكومة دمشق، تناولت هذه التغييرات كخطوة "تندرج ضمن جهود النظام التركي لتوفير الظروف المناسبة من أجل تحقيق تقدم في التقارب مع دمشق، وخطوة إضافية كبادرة حسن نية من الحكومة التركية تجاه نظيرتها السورية" على حد تعبيرها.

وتعتبر هذه التغييرات إجراءات روتينية تحدث كل مدة، إلا أن توقيتها الذي جاء بالتزامن مع إثارة ملف التقارب مع حكومة دمشق، وعدم إفصاح الخارجية التركية عن المسؤولين الجدد لتولي الملف السوري، جعل مراقبين سياسيين ومتابعين للشأن السوري، يرونه غير اعتيادياً.

واتجه المراقبون في تحليلاتهم على أن تركيا تهدف من التغيير الدبلوماسي السابق إلى منح صلاحيات أكبر لجهاز استخباراته في إدارة المفاوضات مع حكومة دمشق، سيما وأن العلاقة القادمة مع دمشق بحاجة لمسؤولين جدد ليس لهم مواقف قوية ومتصلبة من هذا التقارب.

كما ربط المراقبون ذلك مع سيطرة مرتزقة "تحرير الشام" -جبهة النصرة سابقاً- على مركز مدينة عفرين بعد فرار مرتزقة "الجبهة الشامية" إلى مدينة إعزاز المحتلة، والذي جاء عقب اقتتالات دامية بين مرتزقة الاحتلال التركي في قرى ناحية جندريسه وشيراوا وماباتا في عفرين المحتلة وأسفرت عن وقوع قتلى وجرحى في صفوف المدنيين والأطفال، دون تحرك من قبل الاحتلال لإيقاف هذا الاقتتال المستمر.

وأوضح المراقبون أن الاقتتال الذي جاء بإيعاز من الاحتلال التركي، يهدف إلى تعويم مرتزقة "تحرير الشام" في المناطق التي يحتلها من سوريا، على اعتباره الأكثر قرباً من استخبارات دولة الاحتلال التركي، الأمر الذي من شأنه تمهيد الأرضية المناسبة لتفاهمات المرحلة المقبلة مع حكومة دمشق.

'خطة خبيثة حيز التنفيذ'

لم يستبعد الباحث الأكاديمي والمعارض السوري، عصام زيتون، أن تكون هذه التغييرات الدبلوماسية حلقة في سلسلة طويلة من التحركات التي تنبري عليها دولة الاحتلال التركي في مساعيها للتقارب مع حكومة دمشق، قائلاً في حديث لوكالتنا: "هذه التحرّكات ليست إلّا حلقة في سلسلة طويلة، ولا يمكن فهم السياسات التركية تجاه الشعب السوري منذ 11 عاماً إلّا بتحليل وفهم ما سبقها".

وتابع بالقول: "لا أستطيع الجزم بأنّ تفاهماً ما قد تمّ بين النظامين السوري والتركي لاحتواء الحراك الشعبي السلمي بدايةً من عام 2011 وتسييره ومن ثَمَّ تجييره لتحقيق مصالح النظامين الإستراتيجيّة بعيداً عن مصالح وطموحات الشعبين، وليس لديَّ دليل ملموس على ذلك أيضاً، لكن تطوّر الأحداث وما رافقها من تحوّلات تدريجيّة في الموقف التركي وصلت إلى مستوى التكويع بالانضمام للحلف الروسي الإيراني، يشي بأنّ خطّةً خبيثةً كانت ومازالت موضوعةً حيّز التنفيذ ونرى جميعاً نتائجها من تقاسم للنفوذ وتبادل للمصالح وتنسيق على أعلى المستويات الأمنيّة والسياسيّة بين أطراف حلف أستانا الثلاثة الّذين أسموا أنفسهم ضامنين للوصول بسوريا إلى حلّ سياسي، وتبيّن للجميع بأنّهم كانوا ومازالوا ضامنين لبقاء أنظمة القهر والاستبداد والفساد جاثمةً على صدور شعوب تلك الدول المارقة المنبوذة دوليّاً واقليميّاً".

'زواج قسري مصيره الطلاق'

ولم تكن دولة الاحتلال التركي وحدها من استبدلت فريقها الدبلوماسي المسؤول عن الملف السوري، بل تزامن ذلك مع نقل نائب وزير الخارجية السوري بشار الجعفري سفيراً إلى موسكو في توقيت متقارب، الأمر الذي بات يشير إلى تطابق في الاتجاه، حيث يرى مراقبون للشأن الدبلوماسي أن كل ذلك يأتي "لتهيئة الظروف المناسبة للتقارب بين الطرفين، بوجوه دبلوماسية جديدة تكون قادرة على فتح صفحة جديدة بسلاسة".

صفحة جديدة ربما لن تبصر النور بسلاسة كما يتوقعه المراقبون، فـ "الزواج القسري" بين حكومة دمشق ودولة الاحتلال التركي مصيره الحتمي "الطلاق"، وفق ما وصفه الرئيس المشترك لحزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم خلال حوار مع صحيفة الشرق الأوسط.

وقال مسلم عن ذلك: "الأطراف التي تسعى لإتمام هذا الزواج، سواء أكانت روسيا أو إيران، تعلم وتدرك أنه لن يدوم، ومصيره الحتمي الطلاق. فالتناقضات كبيرة بين دمشق وأنقرة، وإذا كان هذا التقارب يحقق الحل السياسي؛ فهو مرحَّب به، وإذا وضع حداً لهذه الحرب فهو مرحَّب به. لكن لا أعتقد أن هذا التطبيع سيتطور ويأخذ شكل العلاقات الودية، كسابق عهدها قبل 2011، لوجود تناقضات وخلافات كبيرة بين الدولة السورية وتركيا".

"المعارضة" ومراحل استكشاف النفاق التركي

وبين هذا وذاك بات نفاق دولة الاحتلال التركي جليّاً أمام من يسمون أنفسهم بـ "المعارضة"، الذين توهموا على مدار عمر الأزمة أنها الحليف والداعم لهم، ليتأكدوا في نهاية المطاف انهم بيادق لتنفيذ أجندات أردوغان الاحتلالية وورقة ضغط لتنفيذ مصالحه في الداخل السوري، قسّمّها الباحث الأكاديمي والمعارض السوري، عصام زيتون، لثلاث مراحل رئيسية بالقول: "يمكنني باختصار تقسيم خطّة النظام التركيّ لخداع السوريّين وتوجيههم لما يخدم مصلحته إلى ثلاثة مراحل رئيسيّة، الأولى: مرحلة التشجيع على الاستمرار في الثورة ووعود الدعم والحماية التي وصلت إلى حدّ التبنّي".

وتابع: "المرحلة الثانية عبارة عن التنسيق مع أعداء الشعب السوري، حلفاء النظام السوري الروسي والتركي في حلف آستانا الذي يتبنى إيجاد حل سياسي للأزمة السورية".

وأضاف زيتون: "أما المرحلة الثالثة فكانت التواصل مباشرة مع النظام والتنسيق الأمني والذي كان بشكل سري بداية والآن بات يتخذ مناح اقتصادية أو ربما إنسانية لكنها بالنهاية تواصلات تصل إلى حد المستوى السياسي الأعلى في البلدين، حيث رأينا تبادل التصاريح الإعلامية المتوددة من الطرفين".

ويوضح زيتون في هذا السياق: "في كل الأحوال النظام التركي في المرحلة الأولى سعى إلى إدخال العناصر المتطرفة إلى سوريا وتجميعها من جميع أنحاء العالم وإدخالها إلى سوريا، وبنفس الوقت كان يتمنى طيف معين من السوريين وهم الإخوان المسلمين وكل من يدور في فلكهم وجمع جميع الشخصيات المؤثرة وجعلهم يتسلطون على كل المنظمات الإنسانية والسياسية التي تقود المعارضة السورية وجعلهم يعملون في البداية ضمن معايير الولاء قبل الكفاءة، الولاء للمشروع التركي الذي بدأنا نرى نتائجه، فالسوريون الموجودون في تركيا باتوا يرقصون على المزمار التركي كيفما أتفق ولو كانت تطبيع علاقات مع النظام".

الاحتلال التركي مستعد للتنازل عن أي شي مقابل سلب حقوق الكرد

ولطالما هددت دولة الاحتلال التركي بشن هجوم عسكري على شمال شرق سوريا، إلا أن عدم قدرتها على انتزاع موافقة دولية، جعلها تلجأ إلى "تنسيق وإعادة العلاقات" مع حكومة دمشق.

وفي سياق ذلك يقول زيتون: "بأخذ كل ما سبق بعين الاعتبار، نستنتج أنه كان هنالك نوايا تركية مبيتة لاستغلال الحراك السوري وتوجيهه بما يخدم المصلحة التركية وهي تهجير عدد كبير من السوريين المنتمين للعرب السنة إلى الشمال السوري بحيث أنه بالنهاية حتى بعد إعادة اللاجئين إلى هذه المناطق، يكون قد حقق حلماً تركياً استراتيجياً، ألا وهي كسر التركيبة الديمغرافية والأغلبية الكردية في شمال شرق سوريا ومنع قيام أي كيان سياسي أو اقتصادي أو عسكري كردي في المناطق السورية خشية من الامتداد إلى مناطق أخرى تصل إلى العمق التركي وهذا ما تخشاه تركيا أكثر من أي شي آخر".

ويوضح زيتون: "تركيا مستعدة للتنازل عن أي شيء ليس فقط فيما يخص التعامل مع النظام وإنما أي شيء آخر مقابل قمع الكرد وسلب حقوقهم والاستمرار في الاستبداد وحرمانهم من حقوقهم المدنية والثقافية والتاريخية".

وختم الباحث الأكاديمي والمعارض السوري، عصام زيتون، حديثه بالقول: "النظام التركي الآن راضٍ عن سير الاحداث ويحاول إبقاء الوضع على ما هو عليه، إبقاء السوريين الموجودين في الشمال بالإضافة إلى إعادة اللاجئين بعملية من الممكن أن تتبناها المجتمع الدولي، بذريعة أنه تم إعادتهم إلى مناطق آمنة وهي شمال سوريا ولن يتم إعادتهم لقراهم ومدنهم في جميع أنحاء سوريا".

وأضاف: "بهذه الطريقة يكون قد حقق هدفاً استراتيجياً على حساب مأساة ومصالح الشعوب السورية جميعها، وعلى رأسهم المكون الكردي الذي يعد الأساسي في التركيبة السورية".

(ي ح)

ANHA